كورونا بالمغرب: تسجيل أزيد من 200 حالة إصابة مؤكدة جديدة خلال ال16 ساعة    كندا.. تكريم مواطن مغربي قضى في الهجوم على المركز الاسلامي الثقافي لمدينة كيبيك    عمال يحتجون بعدما تم طردهم من طرف شركة بالبيضاء    تطوان .. 18 امرأة ضمن فوج العدول الجدد يؤدين اليمين القانونية أمام محكمة الاستئناف    بعد مقال "كود"..الضمان الاجتماعي: 1256 طبيب وممرض خدامين فمصحات تابعة لينا وماعندهمش CNSS وها علاش    المولود الجديد فقطاع الإعلام رد على "البي جي دي": غادي نردو عليكم فالميدان بالخدمة والمهنية    تقرير: تراجع الدخل وقيود السفر أفقد السياحة المغربية أكثر من 110 مليار درهم    المكتب الوطني للصيد البحري.. تراجع بنسبة 11 في المائة في الكميات الأسماك المصطادة منذ بداية السنة    لارام تشرع في توسيع رحلاتها نحو تسع جهات بالمملكة    ألمانيا والتشيك تسحبان المغرب من قائمة الدول التي سيستفيد مواطنوها من إلغاء قيود السفر    تزامناً مع ذكرى إصدار أول قانون للحقوق المدنية.. حقوقيون يجلدون أمريكا: "ترتكب في الداخل نفس الانتهاكات التي تُدينها في الخارج"    81 قتيلاً في مظاهرات حاشدة بأثيوبيا احتجاجا على مقتل المغني المعروف هاشالو هونديسا    إثيوبيا.. أكثر من 80 قتيلا في احتجاجات "المغني المغدور"    بن شيخة يقترب من دوري نجوم قطر!    مورينيو يشتكي من طول المدة بين مباريات توتنهام !    فريقان هولنديان يطاردان ميمون ماحي    تقرير إسباني: ميسي يضحي بثلاثي برشلونة لعيون نيمار    بعد إدانته بالسجن 15 سنة.. فرار رئيس نادي البنزرتي إلى فرنسا    الناهيري يحسم مستقبله مع الوداد    وزير الرياضة يعلن خضوع أرضية مركب الأمير مولاي عبد الله للصيانة    حكيمي ثالث لاعب مغربي يحمل ألوان إنتر ميلان    صحافيون وحقوقيون يحتجون أمام البرلمان للمطالبة بمتابعة الصحافي الريسوني في حالة سراح    طقس الخميس.. حار مع تشكل سحب منخفضة بمختلف مدن المملكة    الفراغ العاطفي : الخطر الذي يهدد العلاقات الزوجية، وهذه نصائح للإنقاد:    السجن النافذ "لراقي ومساعدته" بعد اعتقالهما رفقة 17 امرأة    فتح باب تقديم المشاريع في مرحلة التطوير لمنطلق الجونة السينمائي مجددًا    شامة الزاز أيقونة الطقطوقة الجبلية تخضع لعملية ثانية    نحن تُجَّار الدين!    إصابات كورونا تُعود للارتفاع في المغرب خلال 16 ساعة الأخيرة    26 حالة شفاء من كورونا ترفع عدد حالات التعافي بالمغرب إلى 9052 متعافٍ    المناصفي: هناك حاجة إلى الاستثمار في المواطن! -حوار    سجلت 48ألف حالة في يوم واحد.. أمريكا تواصل تحطيم الأرقام القياسية    كندا تجلي مواطنيها العالقين ب7500 درهم عبر طائرة مغربية    بسبب خطأ عرضي وشخصي..إرجاء مشاركة عشرات المترشحين الأحرار بثانوية بسلا للدورة الاستدراكية    حفل وداع لفيروس كورونا    من غير حجر صحي المغرب يفتح أجوائه الجوية في وجه السياح ومغاربة العالم منتصف شهر يوليوز    الرّوس يمنحون بوتين نصرا دستوريا للبقاء في السلطة "مدى الحياة"    وصلت إلى 20 سنة سجنا.. القضاء الجزائري يصدر أحكاما ثقيلة في حق العديد من المسؤولين السابقين    على هامش فضيحة الرميد وأمكراز.. عبد الفتاح نعوم: آن الأوان لإصلاح نظام الشغل    نقطة نظام.. بورصة الثقة    الأستاذ المدراعي: أستاذ قيد حياته وبعد مماته    فريق البيجيدي بمجلس النواب يُسائل الحكومة حول إعادة فتح المساجد    رصد ما يناهز 90% من المصابين بفيروس كورونا انطلاقا من تطبيق "وقايتنا" .    وزيرة السياحة تجتمع بأرباب المقاهي والمطاعم قبل الإستئناف الكامل للنشاط السياحي    أحكام ثقيلة بالسجن النافذ في حق أويحيى وسلال و 8 وزراء جزائريين ورجال أعمال ومصادرة ثرواتهم    أول تعليق لدنيا بطمة بعد اعتقال مفجر ملف "حمزة مون بيبي"    "لارام" تعزز تدريجيا برنامج رحلاتها الداخلية ليشمل 9 وجهات    الأمن يوقف جندي متقاعد يشتبه في تورطه في قتل زوجته    لفتح الحدود في وجه المغاربة.. مدريد تشترط على الرباط المعاملة بالمثل    المجلس العلمي بفاس: المساجد هي الفضاءات المغلقة الأكثر تسببا في نشر العدوى من غيرها    فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب يستفسر عن تدابير إعادة فتح المساجد    ارتفاع القروض البنكية بنسبة %6,5 خلال ماي الماضي    صناع سينما مغاربة يستفيدون من منح تمويل قطرية    بمبادرة من الفردوس.. توقيع اتفاقية شراكة بين المكتبة الوطنية للمملكة المغربية والمؤسسة الوطنية للمتاحف    أكاديمية الأوسكار تتجه نحو الانفتاح أكثر على النساء والأقليات    بساحة جامع الفنا.. فنانون و »حلايقية » يشاركون بحفل فني افتراضي    في زمن كورونا ..تنسيقية تقفز على مطالب المغاربة المصيرية وتطالب بحرية "الزنا"    عناصر الإيجابية والسلبية في التواصل النمطي بين السلطة والعلماء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مشاريع مقررات المؤتمر التاسع


عن هذه المشاريع
المقررات، المشاريع التي ننشرها في هذا العدد،والتي ستنشر في القادم من الأيام، هي ثمرة تفكير جماعي قامت به أطر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومناضلوه، في كل مستويات المسؤولية.
وفي هذه الأوراق التي ستعرض على المؤتمر الوطني التاسع، أيام 14/15/16 دجنبر المقبل، مقاربة تعددية، تستند إلى خبرة ميدانية وتمارين فكرية ومجهودات نظرية، سعت الى القيام بتمحيص بعيدا عن الرضى المفتعل عن الذات من جهة، وبعيدا عن سلخ الجلد، غير المنتج والتيئيسي، من جهة ثانية.
إن الحزب والتنظيم الحزبي للأفراد والجماعات، باعتباره أرقى أشكال التنظيم الذي سعت إليه البشرية عبر تاريخها، هو أيضا المفكر الجماعي، والمثقف الجماعي الذي يشحذ قدرات الفرد المناضل، والمواطن الحزبي، والمواطنة الحزبية بأدوات النقد والتفكيك والنقد الذاتي، واستنطاق المعطيات وتأمل المسارات العملية ،في مجموع حركة المجتمع.
إن الدوافع الأساسية التي تحرك هذه المشاريع هي أساسا كيفية بناء الدولة الديموقراطية في مجتمع ينشد العدالة الاجتماعية والاستفادة من مسيرة الإنسانية الفكرية والأخلاقية والمادية؟
كيف يمكن أن يكون المشروع الديموقراطي الاشتراكي، كقيم وكمنظومات وعلائق، هو البديل الممكن بين تكلس مسيرة الدولة وبين بدائل المحافظة اللاغية للمستقبل والمعتمدة على انغلاق الهوية في بناء كيانها السياسي؟
كيف نعود الى المجتمع لكي يعود إلينا، لا من أجل ترتيبات مرحلية أو تكتيكية، بل لكي يكون الأفق الممكن هو كل القيم والمثل التي من أجلها انطلقت، في امتداد وظيفي وتاريخي لحركة التحرير الشعبية ، الحركة الاتحادية لبناء لدولة والمجتمع الديموقراطيين.
الربط بين التفكير والحركة، بين الإرادة والفعل، وبين النظرية والممارسة ، هي مقومات اتحادية، صقلتها التجربة الكبيرة والمريرة والأصيلة للاتحاد في الصراع من أجل نشر قيم المواطنة وقيم التعددية، ومن أجل تلجيم الافتراس الاستبدادي الذي كان يهدد المغرب.
واليوم وقد أصبحت كثير من قيم الاتحاد، التي سقط في طريق تكريسها الكثير من قادته ومن مناضليه وشهدائه، جزءا من الفضاء العمومي ومكونا من مكونات الخطاب السياسي، والذي يمكن للاتحاديات والاتحاديين أن يفتخروا بكونهم من صناع قاموسه، أصبح علينا أن نتطلع الى عتبة تاريخية جديدة، في الفكر والخطاب والممارسة. عتبة تاريخية جديدة، تنقل الديموقراطية من ثنائية صراع الدولة والمجتمع، مشخصا في القوى الوطنية والتقدمية اليسارية الديموقراطية، التي طبعت سنين من تاريخه الى معادلة أوسع تشمل كل مناحي بناء الكيان المغربي ، في خضم تحولات جوهرية تجعل «السماء» فاعلا سياسيا وتحول المستقبل الى شرط من الماضي، وفي سياق ربيع عربي، يتأرجح أمام احتمالات تصريف محافظ للثورات وآمال التغيير.
يدرك الاتحاديات والاتحاديون، وعموم »شعب اليسار» أن التاريخ، قد يتطور أحيانا من أسوأ جانب فيه، كما هو حال تجيير التغيير لفائدة أطروحات معتمة، وأن عليهم أن ينتصروا للتاريخ من داخله ومن داخل احتمالاته، بالإرادة التي تستند الى التحليل الملموس للواقع الملموس.
والتفكير الشامل ، والاستراتيجي، بدوره يغتني بالتفكير الدقيق والعملي للتحليلات القطاعية، إذا شئنا. لهذا كانت التقارير وجهة نظر اتحادية قي قضايا الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام والقضية النسائية ومطلب المناصفة، إضافة الى القضية الداخلية وكيفية صناعة النموذج التنظيمي الذي يسمح بانبعاث قيم الاتحاد ويضمن تحصينه سياسيا وتنظيميا، ويجعله الرقم القوي في معادلة الانتماء السياسي للعصر، بالنسبة للمواطنين.
إن من أهداف الأوراق التي ننشرها هو البناء الجماعي للهوية الاتحادية، فكريا وسياسيا وأخلاقيا، ولا يمكن أن تكون، بأي حال من الأحوال عملية منتهية وجامدة. فأمام الاتحاديات والاتحاديين مناسبة المؤتمر لكي يعمقوا النقاش في هذه الأوراق، ويضيفوا أو يعدلوا أو يغيروا زوايا النظر، كما تقتضي بذلك أعراف المؤتمرات، وكما اعتدنا أن نقول المؤتمر سيد نفسه. والبناء حركة دائمة في الزمان والمكان وتستوجب الإصرار والقتالية ...
المقدمة
ينعقد المؤتمر التاسع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في سياق موضوعي يشهد تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية عالميا وإقليميا ووطنيا مازالت مفاعيلها قائمة بكل ما تطرحه من أسئلة وتحديات ورهانات جديدة , ومن أبرز سماته :
_ دخول الاقتصاد الرأسمالي العالمي منذ سنة 2008 إلى أزمة اقتصادية ومالية هي الأسوأ من نوعها منذ أزمة 1929، بدت تجلياتها قوية في دول المركز الرأسمالي الأوروبي خاصة، وأثرت سلبيا على اقتصاديات الدول المرتبطة به . وقد أدت»أزمة الكساد الكبير» هذه إلى احتقانات اجتماعية وحركات احتجاجية قوية في أمريكا وأوروبا على حد سواء، طارحة أسئلة حول دور الدولة في الضبط الاقتصادي وحول الخيارات الليبرالية واقتصاد السوق في إطار رأسمالية نهمة بلا حدود ومنفلتة من أية رقابة وضوابط ومعايير اجتماعية وأخلاقية , كما انعكست هذه الأزمة على اقتصاديات دول الجنوب وفرضت عليها إكراهات قوية خاصة على مستوى التمويل للمشاريع الكبرى والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة المتعلقة بالتشغيل والنهوض بالقدرة الشرائية ومحاربة الفقر. وليست بلادنا اليوم بمنآى عن هذه الإكراهات والتأثيرات السلبية للازمة الاقتصادية العالمية التي يبدو أن أمدها سيطول أكثر.
_أما على المستوى الجهوي والإقليمي, فتستمر تفاعلات نتائج الحراك الديمقراطي الذي اسقط أنظمة استبدادية فاسدة، وأتى بقوى محافظة إلى هرم السلطة, بما يطرحه هذا المآل الذي انتهت إليه الدينامية الثورية الجارية من أسئلة حول موقع قوى التقدم والديمقراطية والحداثة في مجتمعات الحراك الجاري، وما يفرضه عليها من مراجعات فكرية وإيديولوجية وسياسية لأجل إحداث تغيير في ميزان القوى الثقافي والسياسي والإيديولوجي المائل راهنا وبقوة لصالح القوى التقليدية المحافظة.
_ وعلى الصعيد الوطني ، فان ابرز سمة تميز الوضع الراهن هي دخول بلادنا إلى عهد دستوري جديد, الذي يشكل ثمرة الحراك الديمقراطي المغربي بفعل التجاوب مع مطالب القوى الديمقراطية وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي ومطالب حركة 20 فبراير بإصلاحات دستورية وسياسية ومؤسسية عميقة. إن المهمة المركزية -في هذا السياق_ والتي تتطلع إليها كافة قوى المجتمع الديمقراطية والحداثية هي التطبيق الفعلي لوثيقة الدستور الجديد تطبيقا ديمقراطيا يتقيد بروحها الديمقراطية وأفقها المتجه نحو إقامة ملكية برلمانية.
وبناء عليه فان من انتظارات مؤتمرنا التاسع صياغة الخط السياسي المطابق لحاجات ومتطلبات هذه المرحلة الانعطافية والنوعية في مسار الانتقال الديمقراطي لبلادنا، والقادر على مواجهة تحدياتها وربح رهاناتها في ظل وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي يحمل الكثير من المؤشرات السلبية بفعل التوجه الحكومي المحافظ.
إن الغاية من هذه الأرضية التي نقدمها للمناقشة والاغناء، هي بلورة رؤية سياسية ومعالم مشروع مجتمعي بمضامين اقتصادية واجتماعية وثقافية يساهم في الإجابة عن الأسئلة القلقة التي يطرحها كل اتحادي واتحادية اليوم, خاصة بعد سنوات من الانغماس في التدبير للشأن الحكومي، وهي أسئلة ترتبط فيما بينها سواء تعلقت بموضوع الهوية والمرجعية، أو بالتقييم لحصيلة التجربة الحكومية في إطار التناوب التوافقي وموقعها في السيرورة الجارية راهنا, أو بالتصور العام لإدارة المرحلة السياسية وطبيعة التحالفات المطلوبة لتأسيس معارضة قوية ومؤثرة في مواجهة تحديات واستحقاقات هذه المرحلة الدقيقة في مسار البناء الديمقراطي.
I - في سؤال الهوية
ليس الهدف من الحديث عن الهوية الحزبية العودة إلى مختلف المحطات التاريخية التي تبلورت في سياقها، وتشكلت في غمرة تحدياتها ونضالاتها المريرة من أجل التحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإنما التأكيد على دينامية هذه الهوية باعتبارها إطارا مفتوحا باستمرار على الاغتناء والامتلاء والتجدد تبعا لتغير معطيات الواقع الموضوعي العالمي والوطني.ولعل ذلك هو ما يفسر لماذا يعيد الاتحاديون والاتحاديات عند كل محطة انعطافية، ومن مؤتمر لآخر تكرار سؤال: من نحن وماذا نريد؟ كسؤال تأسيسي للهوية، وتجديدي لها أيضا.
واليوم ، وبعد سنوات من التدبير الحزبي للشأن الحكومي، والاندماج في آلياته التقنوإدارية ومنطقه العملى المباشر، وبعد تراجع إشعاع الفكرة الاشتراكية وجاذبيتها مقابل ازدهار الفكر التقليداني والمحافظ وهيمنته وسط شرائح مجتمعية واسعة يحق التساؤل: بأي معنى نحن اشتراكيون ديمقراطيون اليوم؟ وكيف نعكس هويتنا الاشتراكية الديمقراطية في برامجنا وتوجهاتنا العامة كحزب, ونميزها عمليا وسط أجواء الخلط والالتباس والتناسل لكيانات حزبية قامت على ادعاءات « نهاية الايديولوجيا « احيانا، وانفراط ثنائية يسار/ يمين وتوقف التاريخ عند «عرش الليبرالية»  احيانا أخرى!.
لقد أكدت مختلف أدبيات الحزب، خاصة منذ التقرير الايديولوجي الصادر عن المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975، على هوية الاتحاد واختياره للاشتراكية الديمقراطية مرجعية له وأفقا لنضاله السياسي والاجتماعي من أجل مجتمع تتحقق فيه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وذلك انطلاقا من اعتبار الاشتراكية, كمكون هوياتي , تراثا وقيما وتجارب انسانية متنوعة بتنوع الانتماء الحضاري والتاريخي للأمم والشعوب، كما أكدت على جدلية الارتباط بين الديمقراطية كخيار سياسي يهدف إلى التداول الديمقراطي والسلمي على السلطة في نطاق توزيع عادل لها، وبين الاشتراكية كتوزيع عادل للثروة .ولا شك في أن تحديات العولمة التي تدفع بالعديد من الشعوب نحو مزيد من التهميش والتفقير، وكذا فشل التجارب الاشتراكية التي قادتها أحزاب شمولية، هي من بين اكبر التحولات التي تفرض على الحزب وكل الأحزاب الاشتراكية العالمية القيام بمراجعة وتجديد وإغناء الفكرة الاشتراكية ذاتها في ضوء معطيات عصر تحالف الرأسمال والتقنية وتغول الليبرالية واقتصاد السوق، وفي هذا السياق بات من الأولوية في وضعنا الخاص، وفي ظل هيمنة القوى التقليدية والمحافظة في المجتمع تغذية وإغناء اختيارنا الاشتراكي بثقافة عقلانية تنويرية وبأخلاق اقتصادية في خدمة قيم العدل والتضامن والحرية مع استدماج عناصر تراثنا الحضاري والديني النيرة في إعادة صياغة المكون الاشتراكي لهويتنا الحزبية.
وإلى جانب هذا المجهود النظري والإيديولوجي المطلوب، فإن ما يحدد عمليا هوية الحزب الاشتراكية الديمقراطية هو الالتزام العملي في الممارسة اليومية بالنضال من أجل:
- وحدة الوطن وسيادته، إذ لا اشتراكية ولا ديمقراطية خارج حدود تاريخية وجغرافية موحدة و ذات سيادة , وهنا يندرج نضال الحزب من أجل استكمال وتعزيز الوحدة الترابية للمغرب من خلال سيادته الكاملة على صحرائه المسترجعة، ومن أجل تحرير مدنه وجزره المحتلة في الشمال: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.
- الوحدة المغاربية، ففى ظل عصر التكتلات الجهوية الكبرى لا مكان للكيانات الضعيفة والمنعزلة أو المتطاحنة فيما بينها. إن التنمية في منظورنا تتوقف اليوم بشكل حاسم على البناء المغاربي المتعاضد و المتكامل.ان الاتحاد الاشتراكي ,انطلاقا من ايمانه بوحدة المصير المشترك بين شعوب المنطقة سيواصل عمله من أجل التغلب على عوامل التو ثر والتفرقة في أفق تحقيق تطلعات الشعوب المغاربية الى الأمن والتنمية والعيش المشترك في اطار الاحترام المتبادل لوحدة وسيادة الدول المغاربية .
- دمقرطة الدولة والمجتمع، فالديمقراطية في اختيارنا ومرجعينا كل لا يتجزأ، وهي شرط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأساس الذي عليه يجب أن تقوم دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية.
- ترسيخ قيم الحداثة الفكرية والسياسية وفي مقدمتها قيمة المواطنة، وقيم احترام التعدد والتنوع والاختلاف دون إقصاء ولا ميز على أساس الانتماء الجنسي أو العرقي أو المذهبي..
إن الأفق الاشتراكي للنضال الديمقراطي للحزب هو الأفق الذي نؤمن بأنه يحقق تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستغلال المادي والروحي، ويشكل ?بالتالي- البديل الموضوعي عن المشاريع النيوليبرالية سواء كانت بقيادات سياسية تكنقراطية أو محافظة (كما هو الحال في بلدان الحراك العربي), وهو الطريق نحو أنسنة اقتصاد السوق وجعله يتعايش مع البعد الاجتماعي.
إن هذه المرتكزات العامة للهوية الاتحادية هي ما ينبغي التساؤل حول مدى وكيفية تجسيدها في الفعل السياسي والنضال اليومي للحزب. ولا شك في أن الحزب وهو يعقد مؤتمره التاسع في وضع ذاتي مقلق، ومناخ سياسي عام يتميز بكثير من الخلط والالتباس مطالب بتأكيد الاستمرار في الالتزامات والتوجهات الفكرية والسياسية التي هي من صميم اختياره الاشتراكي الديمقراطي، وفي مقدمتها:
- الدفع بسيرورة البناء الديمقراطي نحو أفقها الذي فتحه الدستور الجديد: الملكية البرلمانية.
- تبويئ المسالة الاجتماعية مكانة مركزية في الخط السياسي المرحلي، وفي كل واجهات العمل الحزبي.
- استنهاض كافة مكونات المجتمع المغربي ونخبه السياسية والثقافية من أجل رفع الحيف والتمييز عن المرأة، والتقدم الفعلي نحو ترجمة فعلية لمبدأ المناصفة والمساواة خارج أي تأويل محافظ تقليداني له.
- دعم ومساندة الشعوب العربية، وحركات التحرر في العالم ضد الاحتلال والاستبداد، والدفاع عن حقها في تقرير المصير، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الصامد والمتشبث بحقوقه التاريخية وبإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
- الانخراط في نضالات القوى الديمقراطية اليسارية وجمعيات المجتمع المدني المناهضة للوجه القبيح للعولمة، والمدافعة عن العدالة والإنصاف والحق في بيئة متوازنة، وعن السلام العالمي والتسامح بين الشعوب.
تلك بعض المهمات النضالية الكبرى التي تعطي معنى كوننا حزبا اشتراكيا ديمقراطيا في الحقل السياسي والحزبي الوطني، والتي في ضوئها ينبغي مساءلة الخط السياسي للحزب وأدائه، سواء كان في موقع التدبير الحكومي أو في موقع المعارضة.
II- التناوب التوافقي
والسيرورة الجارية
دخلت البلاد منذ سنة 1998 مرحلة سياسية نوعية هي مرحلة التناوب التوافقي التي شارك فيها الاتحاد الاشتراكي إلى جانب حلفائه في الكتلة الديمقراطية في تدبير هذه المرحلة الجديدة التي كان فيها المغرب مهددا بما سماه الملك الراحل ب « السكتة القلبية» نتيجة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية اللاشعبية التي ظل الاتحاد يعارضها بقوة طيلة عقود وعلى مختلف الواجهات.
ودون العودة مفصلا إلى كل ما فجرته حكومة التناوب التوافقي بقيادة المناضل عبد الرحمان اليوسفي من آمال وما لقيته من ترحاب من لدن الرأي العام ومعظم القوى الشعبية، وما اعترضها في المقابل من عوائق ومقاومات يمكن القول، كتقييم عام ما يلي:
-إن تجربة التناوب التوافقي تشكل بمنظور الحاضر محطة تأسيسية للسيرورة الجارية راهنا ببلدنا والمتميزة بحراك ديمقراطي نوعي كان ما نتائجه الهامة إقرار دستور جديد، ودخول المغرب إلى مرحلة التأسيس الفعلي للتناوب الديمقراطي المكتمل، لقد كان قبول الاتحاد الاشتراكي بقيادة هذه التجربة ,في شروط صعبة، تلبية لنداء الوطن الذي كاد يختنق بمفاعيل أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية، وذلك ماعكس بالملموس البعد الوطني الديمقراطي للهوية الاتحادية كما تمت الإشارة إليه أعلاه.
- إن الحصيلة العامة لحكومة التناوب التوافقي، كانت إيجابية سواء على المستوى السياسي بخلقها لمناخ حريات جديد وبإحرازها تقدما دبلوماسيا كبيرا في ملف الصحراء المغربية، أو على المستوى الاقتصادي بنجاحها في إعادة التوازن للاقتصاد ألوطني أوعلى المستوى الاجتماعي(مدونة التغطية الصحية ? ارتفاع نسبة التمدرس إلى 94?/? ، نتائج هامة في الحوار الاجتماعي مع النقابات, و نسبة غير مسبوقة في كهربة القرى.. ...الخ). إلا انه رغم كل المجهود الإصلاحي على المستوى الاقتصادي والذي أنقذ البلاد فعلا من السكتة القلبية، ظلت مؤشرات التنمية البشرية تراوح مكانها، و لم تحقق هذه التجربة كل ما كان معلقا عليها من أمال لأسباب تعود إلى ثقل ارث عقود من سوء التدبير للشأن العام، والى السياسات اللاشعبية السابقة بكل ما أفرزته من فوارق اجتماعية صارخة ومن قوى فساد مناهضة بطبيعتها لأي إصلاح او تغيير, وإلى عقليات وسلوكات لا ترى في الدولة سوى بقرة حلوبا , إضافة إلى عوائق دستورية خاصة ما تعلق منها بالعلاقة بين السلطة الملكية والسلطة الحكومية (محاضرة الأخ عبد الرحمان اليوسفي ببروكسيل).
ان أهمية تجربة التناوب التوافقي لا تقاس فقط بحصيلتها الرقمية والموثقة، وإنما أساسا بالإمكان السياسي المجتمعي الهائل الذي وفرته لبلادنا، والذي فتح للعملية السياسية والديمقراطية أفقا أوسع منذ الاستقلال نحو الانتقال إلى الديمقراطية, وهو الأفق الذي سرعان ما عرف انحسارا وانسدادا بعد الارتداد عن هذه التجربة من خلال خرق المنهجية الديمقراطية عقب الانتخابات التشريعية لسنة2002 التي بوأت الاتحاد الاشتراكي موقع الصدارة.
لقد اصيبت العملية السياسية الانتقالية نحو الديمقراطية بنكسة حقيقية، انعكست آثارها على الحياة السياسية الداخلية للحزب خاصة بعد أن قررت قيادته المشاركة في حكومتي 2002 (برئاسة ادريس جطو) و 2007 (برئاسة عباس الفاسي).
ونحن اليوم على مسافة من سنوات المشاركة الاتحادية في التدبير الحكومي، وفي ضوء ما قام به الحزب من تقييم لهذه المشاركة، يمكننا اليوم، وبكل نزاهة فكرية وسياسية الإقرار بأن المشاركة الحكومية بعد خرق المنهجية الديمقراطية كانت لها أسوأ النتائج على الانتقال الديمقراطي وعلى الحزب على حد سواء، مما أدى إلى رد فعل سلبي لدى الرأي العام على تجربة نوعية وتأسيسية. لقد عاشت البلاد منذ آنذاك بدايات تراجع وانكماش المجال السياسي بعد أن ضخت فيه حكومة التناوب التوافقي جرعات قوية من الحيوية والفاعلية، وأضحت الملكية التنفيذية الفاعل الرئيسي في المشهد السياسي الوطني وعلى كافة الصعد، مما أفقد المؤسسات المنتخبة كل جدواها، وجعل ادوار الأحزاب باهتة أو مكملة في أحسن الأحوال لدور الفاعل الوحيد، أو ملحقة بقوى التكنوقراط التي هيمنت على التدبير الحكومي وأفرغته من أي مضمون أو شحنة سياسية، و هو ما أدى ,بالتالي , إلى تعطيل السير على طريق الانتقال الديمقراطي الذي فتحته تجربة التناوب التوافقي المجهضة، وخلق فراغ سياسي بالبلاد بفعل تراجع دور الأحزاب الديمقراطية وانخفاض رصيد مصداقيتها الشعبية إلى أدنى المستويات، ولملء هذا الفراغ لجأت السلطة من جديد إلى تفريخ ورعاية حزب موال لها لمواجهة «المد الإسلامي»، بكل ما ترتب عن ذلك من خلط للأوراق وغموض والتباس وتمييع للحقل السياسي والمشهد الحزبي، ومن تخوفات مشروعة من استنساخ «النموذج التونسي « الشمولي باسم التنمية و» الخطر الإسلاموي» .
تلك هي النتائج الملموسة المترتبة عن خرق المنهجية الديمقراطية في 2002). والتي توقف حزبنا عندها بالمراجعة النقدية والتقييمية، مسجلا عدة جوانب سلبية في أدائه , منها:
*مسايرته إلى حد الاندماج التدبير التكنوقراطي الاداري على حساب السياسي في ادارة الشأن الحكومي منذ حكومة 2002، وعلى حساب الفاعلية الحزبية التنظيمية والتواصلية في العلاقة مع المحيط الجماهيري للحزب.
*تجميد دور الكتلة الديمقراطية لحساب الأغلبية الحكومية غير المتجانسة، مما أفقد المشاركات الحكومية بعدها السياسي وسندها الجماهيري
- تماهي الحزب والحكومة, مما ادى إلى إخلاء الساحة السياسية الوطنية من فاعل رئيسي منذ عقود هو الاتحاد الاشتراكي، وهو ما تمثل بشكل واضح في انحلال التنظيمات الحزبية وتفككها، وفي غياب استراتيجية حزبية تواصلية مع المجتمع والرأي العام وقواعد الحزب ومحيطه.
وقد كان المؤتمر الثامن للحزب محطة للتشخيص والتقييم لما آل الوضع السياسي والحزبي خاصة بعد انتخابات 2007 التشريعية حيث اعتبرت الأرضية السياسية أن الأزمة التي دخلها الحزب «هي تعبير عن أزمة الوضع السياسي الذي تطبعه هيمنة مجموعات ضغط مصلحية جديدة تعيش على المضاربة وتساهم في إعادة هيكلة الدولة المغربية وفق مصالحها الخاصة، كما تطبعه هشاشة الاقتصاد الوطني وتفاقم الفقر، وتوجه متصاعد لتركيز السلط والثروات وتهميش التعبيرات السياسية الأصيلة «.
وبناء على هذا التقييم أقر المؤتمر الثامن برنامج الإصلاحات الدستورية والسياسية المطلوب مباشرتها لتجاوز هذه الأزمة، وجدد دعوة المؤتمر الثالث سنة 1978، بالتوجه نحو بناء ملكية برلمانية...
هذا هو الأفق السياسي الذي اشتغل في ضوئه الاتحاد بعد مؤتمره الثامن إلى أن أثمر الحراك الديمقراطي المغربي في ربيع 2011 دستورا جديدا , فقد ربط الحزب استمراره في المشاركة الحكومية بالقيام بالإصلاحات الفورية الضرورية لتجاوز حالة الانسداد التي دخلها مسلسل الانتقال الديمقراطي وتجنب كل ما تحمله من مخاطر وعواقب وذلك في بيان تاريخي لمجلسه الوطني قبل خطاب 9 مارس الذي فتح ورش الإصلاح الدستوري الذي ظل الحزب يعتبره مفتاحا لتجاوز وضعية الانسداد والاحتقان اللذين دخلتهما البلاد بفعل التدبير التكنوقراطي الإداري العام وتنامي اقتصاد الريع والفساد ومظاهر الفقر والبطالة والهشاشة وسط معظم الفئات الشعبية.
- III الحراك الديمقراطي المغربي.. والدستور الجديد
لقد كانت بلادنا اذن , قبل الحراك الديمقراطي في عدد من البلدان العربية والذي أطاح بأنظمة ديكتاتورية مستبدة، مقبلا على أزمة سياسية حقيقية بعد تعطيل الانتقال الديمقراطي خاصة وأن التوجه الذي بات آنذاك واضحا هو فوز حزب السلطة الجديد بالانتخابات التشريعية وقيادته ? بالتالي- للحكومة التي ستنبثق عنها.
إن وعي الاتحاد الاشتراكي بخطورة هذا التوجه ، هو ما دفع مجلسه الوطني _ وفي أجواء تصاعد فيها صوت الانسحاب من الحكومة- إلى ربط استمراره في الحكومة بالقيام بإصلاحات دستورية جديدة وعميقة كما وردت في المذكرة التي رفعها الحزب لوحده إلى الملك...
في هذه الشروط اتخذ الحراك المغربي طابعا مميزا: فقد كان تحرك الشارع المغربي بقيادة حركة 20 فبراير تحركا في الموعد المناسب، اذ شكل العامل الحاسم في إسقاط الخيارالتحكمي والتأزيمي المستوحى من نماذج أسقطتها الثورات العربية، وفي التسريع بالدخول إلى عهد دستوري جديد سيفتح مسارات أخرى أمام الانتقال الديمقراطي المحجوز منذ أمد طويل.
لقد كان الاتحاد الاشتراكي, منذ انطلاق الحراك الديمقراطي في البلدان العربية, منسجما في مواقفه مع ما تمليه عليه هويته الوطنية الديمقراطية الاشتراكية حين ثمن هذا الحراك ودعم مطالبه في إسقاط الفساد والاستبداد وندد بالقمع الوحشي الذي تعرضت الانتفاضات العربية وبكل ما يمس وحدة كيان الشعوب الثائرة , وحين دعا في بيان لمجلسه الوطني ل 19 مارس 2011 مناضليه الى الانخراط في الدينامية التي أطلقتها حركة 20 فبراير باعتبارها جزءا لا يتجزأ من دينامية المطلب الديمقراطي ببلدنا منذ عقود، وإلى التفاعل الايجابي مع حركة الشبيبة المغربية ميدانيا والحضور في قلب نضالاتها من أجل التقدم نحو أفق البناء الديمقراطي الذي حدده المؤتمر الثامن للحزب وفتح الطريق نحوه خطاب 9 مارس: أفق الملكية البرلمانية .
* * *
إن الاتحاد الاشتراكي الذي لعب الدور الطلائعي سواء داخل الكتلة الديمقراطية أو منفردا من أجل إصلاحات دستورية وسياسية شاملة وعميقة، رحب بقوة بخطاب الملك في 9 مارس الذي جاء في وقته المناسب ليقترح مخرجا دستوريا من الانسداد السياسي الذي دخلته البلاد منذ إجهاض تجربة التناوب من جهة، ومن الاحتقان الاجتماعي المتفاعل مع الحراك الديمقراطي من جهة ثانية , ومتجاوبا مع مطالب الحزب وشعارات الحراك الديمقراطي بإقرار دستور جديد بأفق سياسي جديد.
وقد كان طبيعيا أن يدخل الاتحاد منذ خطاب 9 مارس معركة التعبئة للتصويت على الدستور الجديد في مضمونه وآليات وضعه بالإيجاب، من أجل (كما ورد في بيان المجلس الوطني بتاريخ 18 نونبر 2011):
- فتح صفحة جديدة في حياتنا السياسية وإعادة هيكلة الدولة والمجتمع.
_ بناء الملكية البرلمانية.
- تمكين الشعب المغربي من امتلاك ارادته ومصير.
- تحقيق المناصفة والمساواة بين الجنسين...الخ
ونوه المجلس الوطني للحزب حينئذ بالمكانة الأساسية للحريات والحقوق والمساواة في مشروع الدستور المعروض على التصويت، وبإقراره سمو الدستور وسمو الاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية، ودسترة الثابث الديمقراطي وترسيخ الطابع التعددي للهوية المغربية وترسيم اللغة الأمازيغية، وإقرار فصل السلط بجعل رئيس الحكومة رئيسا فعليا للسلطة التنفيذية...الى غير ذلك من المقتضيات التي جاءت في الوثيقة الدستورية والتي استجابت لمطلب أساسي ارتبط بنضالنا الديمقراطي منذ تأسيس الحزب ألا وهو مطلب ملكية برلمانية تكون فيها الحكومة المسؤول المباشر عن السلطة التنفيذية ويكون فيه مجلس النواب المصدر الوحيد للتشريع.
وبالتصويت الشعبي الواسع لصالح الدستور الجديد تكون بلادنا قد دخلت مرحلة سياسية جديدة ونوعية هي مرحلة الانتقال الدستوري، أي مرحلة الترجمة الفعلية لنص وروح الوثيقة الدستورية على ارض الواقع، واستكمالها بإصدار القوانين التنظيمية التي تنص عليها.
وها هنا تتصدر مسألة ما يسمى ب « تنزيل» الدستور صدارة الصراع والسجال داخل المؤسسات وخارجها، خاصة أنه (الدستور) يشرعن لتأويل حداثي يتيح إمكانية ترجيح وتغليب النفس الملكي البرلماني فيه، كما أنه ? وحسب الارادة السياسية للفاعلين الرئيسيين في عملية «التنزيل» - قد تستغل بعض بياضاته لصالح تأويل يبقي على الطابع التنفيذي للملكية.
وعليه، فإن من مهام حزبنا الرئيسية اليوم هي الحرص على توفير شروط تطبيق ديمقراطي للدستور الجديد، وفي مقدمتها:
*الإرادة السياسية للأطراف الرئيسية في عملية التطبيق: حكومة وأحزابا وبرلمانا ومجتمعا مدنيا، وشارعا محافظا على ديناميته التي كانت وراء التسريع بالدخول إلى العهد الدستوري الجديد.
*احترام سمو الوثيقة الدستورية، بما يفرضه من تقيد بمبادئها ومقتضياتها وروحها الديمقراطية الحداثية، وافقها المتوجة نحو إقامة الملكية البرلمانية.
*إقرار مخطط تشريعي محدد في الزمن يستكمل الوثيقة الدستورية بالقوانين التنظيمية التي تنص عليها وذلك في إطار حوار وطني وعمل تشارك فيه كل مكونات المجتمع المغربي خاصة في القضايا الأكثر جدلا وحيوية في المجتمع.
- IV في مهام ورهانات المعارضة الاتحادية
كما في بلدان الحراك الديمقراطي العربي التي قطفت فيها حركات الإسلام السياسي ثماره بعد أن حملتها صناديق الاقتراع إلى هرم السلطة، أسفرت أول انتخابات تشريعية في ظل الدستور الجديد عن فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد مجلس النواب وبرئاسة الحكومة تبعا لمقتضيات الدستور.
وانطلاقا من قراءة سياسية لنتائج انتخابات 25 نونبر 2011، قرر المجلس الوطني تموقع الحزب في المعارضة انطلاقا من الاعتبارات التالية:
-احترام إرادة الناخبين والناخبات الذين اختاروا من يعبر عن تطلعاتهم من موقع الحكومة، ومن يريدونه تجسيدا لانتظاراتهم من موقع المعارضة.
- اعتبار عودة الاتحاد الاشتراكي إلى المعارضة مصلحة وطنية، وضرورة سياسية لتقدم الديمقراطية على قاعدة الفرز الواضح للتشكيلات السياسية المتنوعة المرجعيات، وفي اتجاه إرساء تناوب ديمقراطي حقيقي ومكتمل .
- ضرورة وجود معارضة قوية في التفعيل السليم الديمقراطي للدستور الجديد، الذي يقتضي وجود برلمان بمعارضة قوية ومسؤولة تفضي إلى توازن سياسي ومؤسسي بين الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي.
- اعتبار التموقع في المعارضة في سياق الدينامية السياسية والديمقراطية والجماهيرية الجارية اختيارا للوضوح في مواجهة الخلط والالتباس والتمييع السياسي الذي عرفته الساحة السياسية الوطنية منذ اجهاض تجربة التناوب التوافقي.
هذا ما أكده الحزب كحيثيات لعودته، إلى المعارضة، فليست هذه العودة اختيارا تكتيكيا بحسابات ظرفية ضيقة، وإنما هي اختيار نابع من رؤية سياسية لمتغيرات الأوضاع دوليا وإقليميا ووطنيا، ومن تقييم موضوعي لحجم الرهانات التي تواجه الذات الحزبية، ومن قناعة بضرورة تكريس قاعدة تحمل المسؤولية الحكومية انطلاقا من نتائج صناديق الاقتراع ورسائلها بهدف إرساء أسس تناوب ديمقراطي مكتمل بعيد عن التوافقات الهشة...
إن استقرار الحراك المغربي الديمقراطي الذي انطلق ربيع 2011 على مشهد سياسي وطني احتل فيه حزب العدالة والتنمية موقع قيادة التدبير الحكومي، يطرح على المعارضة الاتحادية وكل مؤسسات الحزب عدة تحديات ورهانات في مواجهة حكومة محافظة أعطت منذ لحظة تشكيلها مؤشرات سلبية عن رؤيتها وتعاطيها مع مهمة التفعيل الديمقراطي للدستور، وذلك حين وجهت ضربة لمكسب التمثيلية النسائية في الجهاز التنفيذي في ظل دستور أقر التوجه نحو المناصفة والمساواة.
فعلى مدى شهور من تشكيلها لم تستطع هذه الحكومة المتنافرة المكونات إرساء استراتيجية عمل في مستوى مقتضيات العهد الدستوري الجديد من جهة ، وفي مستوى الانتظارات الشعبية في محاربة الفساد واقتصاد الريع ومباشرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المنشودة وسد الخصاص في الخدمات الاجتماعية من جهة ثانية.
إن الارتباك والتجرييبية والخطابة المنبرية والسجالية الفارغة هي سمات الاداء الحكومي، مما أدى إلى التعطيل الدستوري بسبب غياب مخطط تشريعي للحكومة، والى تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في كل القطاعات. وانطلاقا من ذلك، فإن الاتحاد الاشتراكي، ومن موقع المعارضة يعتبر أن من أولويات نضاله في هذه الظرفية الإقليمية والوطنية : .- أولا: الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية التي تحققت ببلادنا من خلال نضال طويل ومرير من اجل مجتمع ديمقراطي حداثي تتحقق فيه قيم المواطنة والمساواة والحرية وتحترم فيه التعددية والتنوع والاختلاف ضد على كل نزعة تحكمية أو إقصائية.
- ثانيا: استكمال الإصلاح الدستوري، من خلال إصدار القوانين التنظيمية وفق تأويل ديمقراطي حداثي وضد التعامل السياسي للحكومة مع موضوع» التنزيل» والذي اتسم لحد الآن بالبطء والميل إلى الالتفاف على مضامينه وعلى الصلاحيات التي يخولها للجهاز التنفيذي..
- ثالثا: فرض مقاربة تشاركية في تفعيل الدستور تقوم على حوار وطني شامل تشارك فيه كل مكونات المجتمع المغربي خاصة في قضايا اللغة والثقافة والتربية والتعليم والحريات والمناصفة، مع اعطاء الأولوية لها في المخطط التشريعي إلى جانب القوانين المهيكلة الخاصة بعمل الحكومة في القضاء والمالية.الخ...
_ رابعا: العمل مع كافة قوى المجتمع المدني والنقابات من أجل سن استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد واقتصاد الريع . ان محاربة الفساد كمطلب شعبي واسع هو ما يضع الحكومة الحالية في مواجهة امتحان لمصداقيتها ولإرادتها السياسية،اذ أن التجاوب العملي والناجع مع هذا المطلب يقتضي قرارا سياسيا وطنيا ,لامبادرات فردية ارتجالية للاستهلاك الاعلامي.
خامسا: ترجيح ميزان القوى الاجتماعي والثقافي والإيديولوجي لصالح قوى التقدم والحداثة الفكرية بما يحصن الديمقراطية المغربية من التوجهات المحافظة من جهة، والنيوليبرالية من جهة ثانية. ولا شك في أن ربح هذه الرهانات، ليفرض على حزبنا عقد تحالفات استراتيجية مع كل مكونات اليسار المغربي على أسس برنامجية سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحركات ميدانية ملموسة، في افق بناء قطب يساري اشتراكي ديمقراطي وازن وفاعل ومؤطر للدينامية الاجتماعية الجارية.
إن حلفاء الحزب الطبيعيون هم القوى السياسية اليسارية الاشتراكية الديمقراطية ، الى جانب القوى ذات الاستقلالية في وجودها وقرارها عن السلطة و قوى وهيآت وجمعيات المجتمع المدني على اختلاف القضايا التي تشكل مركز انشغالاتها وحركيتها. ان التنسيق مع أحزاب أخرى بحكم ضرورات التدبير لمصالح السكان وشؤونهم على مستوي الجماعات المحلية الحضرية والقروية يبقى أمرا واقعا بسبب طبيعة النظام الانتخابي القائم الذي يكرس التفتيت والبلقنة .كما أن التقارب حول قضايا محددة في إطار عمل الحزب على مستوى البرلمان يظل مطلوبا داخل نطاق محدد وظرفي . ان الاتحاد الاشتراكي يؤكد في مؤتمره التاسع على مواصلة جهوده من أجل بناء القطب اليساري الاشتراكي الديمقراطي وبلورة مبادرات واقعية وقابلة للتحقق في اتجاه هذا الأفق الوحدوي .
- VI من أجل استنهاض القوى المجتمعية
عرف المجتمع المغربي في العقدين الأخيرين تحولات عميقة طالت جميع المجالات الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والقيمية, بحيث لا يمكن لأي حديث عن المشروع الديمقراطي الحداثي أن يستقيم دون تمثلها وأخذها بعين الاعتبار في المقاربة والتحليل والاستشراف. .
إن الطفرة الديمغرافية ، واختلال التوازن بين البادية والمدينة لصالح هذه الاخيرة، والتحول في بنية الاسرة، وفي الدينامية المعرفية والثقافية بفعل تعميم التمدرس... هي ابرز التحولات الظاهرة الناتجة عن دينامية تحديث اقتصادي واجتماعي ظلت محدودة في حدود المراكز الحضرية الكبرى والمتوسطة، ولم تشمل « المغرب العميق» و فئاته المهمشة.
وبفعل عوامل تاريخية، وأخرى مرتبطة بطبيعة التحديث القسري، وبهيمنة اقتصاد الريع، وأشكال شتى من الاغتناء اللامشروع واللامنتج، لم تنتج عن تلك الدينامية التحديثية تشكيلة اجتماعية طبقية واضحة المعالم، يمكن الوقوف معها عند طبقة بورجوازية وطنية مستقلة وذات مشروع وطني مستقل عن دولة المخزن، أو عند طبقة متوسطة متماسكة وقوية بموقعها في المجتمع والدولة . وتبقى الطبقات الواسعة في المجتمع والتي تعيش أوضاع استغلال مادي وبؤس اجتماعي سواء في المدن أو القرى هي الضحية الاولى لتحديث اقتصادي بدون مضمون اجتماعي، ولاقتصاد الريع الذي يعيق أية تنمية اقتصادية واستثمار منتج في الموارد البشرية...
ان التحولات الاقتصادية والاجتماعية ببلدنا، وفي سياق العولمة الزاحفة ببضائعها وأنماط ثقافتها وقيمها، انعكست سلبا على منظومة القيم في مجتمعنا، حيث التنافر والصراع بين القيم المتوارثة والتقليدية والقيم الوافدة من الدينامية التحديثية القسرية واللاتنموية..
وهكذا يمكننا تسجيل السمات التي تطبع اليوم ثقافة وسلوك وتمثلات المجتمع في:
- تراجع وتواري قيم التضامن والعمل الجماعي لصالح نزعات ذاتية متوحشة تضع المصلحة الشخصية أو الفئوية فوق أية اعتبارات وخارج أية منظومة أخلاقية.
- تقاطب ثقافي عمودي ما بين أصولية نشيطة منظمة تغزو المدن والقرى والفئات الاجتماعية الفقيرة (منها تخرج إرهابيو 16 ماي 2003 ) وطالت كذلك الفئات التي شكلت تاريخيا قاعدة القوى السياسية الوطنية الديمقراطية، وبين قوى حداثية سطحية التمثل لمفاهيم الحداثة وضبابية الرؤية للمشروع الحداثي الديمقراطي التنويري وذلك بفعل موقفها الرفضوي لكل التراث الديني والحضاري الذي يشكل جوهر الهوية الوطنية .
_ نمو النزعة التبخيسية للعمل السياسي ، والحزبي بشكل خاص، مقابل توسع كبير لجمعيات المجتمع المدني ذات الحساسية المفرطة تجاه العمل الحزبي.
- تراجع الدور القيادي في المجتمع للمثقفين والطلبة والفئات الوسطى، وهي القوى التي كانت في طليعة العمل الوطني والديمقراطي والحزبي.
ولا شك في أن للدولة مسؤولية كبرى في هذه التحولات السلبية بفعل سياساتها القمعية طيلة عقود ومناوراتها التي أفسدت الحقل السياسي والعمل الحزبي، وحولتهما إلى سلم ارتقاء اجتماعي ورمزي عن طريق الولاءات والمتاجرة في المبادئ والمواقف...
ان تحديدنا لهذه السمات الناتجة عن تحولات مجتمعية وقيمية ذات تاريخ وتحتاج إلى رصد علمي وميداني دقيق، يهدف الى ابراز وتأكيد كم هي جسيمة مهمة البناء الديمقراطي الحداثي لمجتمعنا.
إن عقودا من نضال الاتحاد الاشتراكي من أجل التنمية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تؤكد، من مرحلة لأخرى، أن خصوم الديمقراطية الحقة هم قوة لا يستهان بها، تتشكل من سلطة المال السياسي وسلطة التقليد بمختلف ألوانه بما فيها تلك التي توظف الدين كمشترك عقدي في الصراع السياسي والتدافع الحزبي.
ولا شك في أن رفع هذا التحدي الذي يمثله خصوم التقدم الديمقراطي والحداثة الفكرية، هو مهمة ملقاة على القوى الاشتراكية الديمقراطية بالدرجة الأولى مما يفرض عليها توسيع مجالات فعلها في المجتمع، ليستهدف القوى المؤثرة والمجالات الحاسمة في إحداث التغيير وفي مقدمتها:
مجال التحديث الثقافي والإصلاح الديني ، ان نظام القيم الذي اختلطت فيه قيم وثقافة الرعية وسلوكات الزبونية والمحسوبية والتزلف بقيم الرأسمالية المتوحشة كالفردانية المفرطة والاستهلاك اللاعقلاني، وهيمنة ثقافة انغلاقية وظلامية في فهم الدين وتأويله وتوظيفه في الفضاء العمومي، يضع المسألة الثقافية اليوم، ودور المثقفين في طليعة الأدوار المطلوبة لتحديث الدولة المجتمع،اذ لا يمكن تصور الانتقال إلى مجتمع تتحقق فيه المساواة والحرية والعدالة والمواطنة الحقة بدون حداثة ثقافية ترسخ القيم الكونية والإنسانية وتؤسس للتعايش في إطار من الاحترام للتعدد والتنوع والاختلاف دون تعصب أو إقصاء.
لقد أكد دستور 2011 على ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي ، وسيكون على حزبنا انسجاما مع البعد الحداثي لهويته التصدي بقوة لأي مس، بهذا الحق الدستوري، والعمل على تجسيده في قوانين تنظيمية تساهم في الإعلاء من مكانة الفعل الثقافي والابداعي ودوره في البناء الديمقراطي للدولة والمجتمع.
ان أكبر تحدي يواجه المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي اليوم، في ظل المد المحافظ الراهن هو تحدي ثقافي وايديولوجي، مايفرض على النخب الثقافية الحزبية والوطنية عموما تحرير الخطاب الديني من التوظيف السياسي من جهة، ومن التأويلات المحافظة واللاعقلانية المناهضة للعصر ولقيمه الكونية والانسانية من جهة ثانية, والمساهمة الفكرية في انتاج خطاب عقلاني وتنويري حول ديننا الإسلامي كدين انفتاح وتسامح واجتهاد حتى لا تبقى المرجعية الاسلامية حكرا على قوى المحافظة والظلامية.
وضمن نفس السياق فان إغناء الهوية المغربية المتعددة الروافد والمتنوعة المصادر يطرح على حزبنا الحرص على تدبير عقلاني ومنتج للتنوع الثقافي واللغوي خاصة وان الدستور قد نص على ذلك التنوع والتعدد،بالنص على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية مهمته على الخصوص حماية وتنمية اللغتين العربية والامازيغية ومختلف التعييرات الوطنية. وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد على اجراءين اساسيين متوازيين:
- تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية لتمكن من القيام بوظائفها التربوية والتواصلية والاجتماعية والتنموية خارج أية حسابات ضيقة أو احكام مسبقة.
- تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية وتدعيمه بالفاعلين الثقافيين والمقتنعين بالثقافة الوطنية الموحدة حتى يتمكن من أداء ادواره في تأهيل اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية ولغة العلم والحياة (أكاديمية اللغة العربية في هذا الخصوص) .
ولأن حقل الاعلام والتواصل يشكل في عصرنا واجهة حيوية ومؤثرة في تشكيل وتوجيه الرؤى والأفكار واتجاهات الرأي العام السياسية والقيمية , فان الاتحاد الاشتراكي يؤكد على ضرورة حماية هذا الحقل من الشطط والنزوع الاقصائي الهيمني وذلك بدمقرطته وإعادة هيكلته على أ سس الحرية والتعدد والتنوع والحكامة الجيدة حتى نضمن لبلادنا ومواطنينا منظومة اعلامية ديمقراطية تنويرية وتثقيفية *.
* (انظر وثيقة لجنة الثقافة والاعلام الصادرة عن اللجنة المتفرعة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر)
المرأة والمشروع الديمقراطي الحداثي
- بحكم الرواسب الثقافية القائمة على التمييز واللامساواة وغياب الارادة السياسية الداعمة لمشاركتهن في الحياة العامة خاضت المرأة المغربية منذ عقود نضالات ومعارك من أجل اسماع صوتها المعبر عن مطالبها ، وحققت بفضله مكتسبات هامة شملت مجالات الأسرة والشغل والصحة والتعليم وتمثيلية النساء في المناصب العليا وفي المؤسسات المنتخبة، وقد توجت هذه المكتسبات بإقرار مبدأ سمو المواثيق الدولية وتوسيع مجال الحقوق الفردية والجماعية والنص على مبدأي المساواة والمناصفة.
وفي سياق التحولات الجارية اقليميا ووطنيا وما افرزته من تغيرات على هرم السلطة في عدد من البلدان العربية ومن بينها بلدنا بات من الضروري -وحزبنا يعقد مؤتمره التاسع- بلورة رؤية واضحة وموجهة لنضالات الحركة النسائية المغربية ضد كل محاولة للارتداد عن مكتسباتها، وتعطيل تفعيل مبدأ المساواة تفعيلا ديمقراطيا حداثيا متحررا من التأويلات المحافظة التي تنطلق من فهم متحجر ومنغلق للخصوصية الدينية والحضارية وتضعها على طرف نقيض للكونية كلما تعلق الأمر بمقاربة مسألة المرأة وأدوارها في المجتمع وبمبدأ المساواة، وفي هذا السياق فانه من الملح التأكيد على العناصر التالية في المشروع المجتمعي الاتحادي الاشتراكي الديمقراطي الحداثي:
-ان المسألة النسائية جزء لا يتجزأ من المشروع المجتمعي الحداثي، إذ لا حداثة في مجتمع نصفه يرزح تحت الحيف والميز والإقصاء والتهميش، ومن هنا مركزية المسألة النسائية في نضالنا الحزبي ضد التفكير الانغلاقي المحافظ، وضد أي مس بالمكتسبات المحققة والآفاق الذي فتحها الدستور الجديد لتحقيق المساواة بين الجنسين في كل المجالات .
- تبويئ قضية المرأة مركز الصدارة في مشروعنا الثقافي التربوي لاجل انتاج خطاب جديد حول المرأة، عقلاني وانساني ومتشبع بقيم المساواة والمواطنة التي لا تمييز فيها على أساس الاختلاف في الجنس او العرق او الانتماء العقدي.
- تفعيل المقتضيات القانونية الصادرة في قانون الاحزاب والدستورفيما يتعلق بالرفع من تمثيلية النساء داخل المؤتمر وفي الأجهزة المنبثقة عنه وكافة الأجهزة الحزبية والجهوية والمحلية إلى الثلث على الأقل في أفق المناصفة، مع ضمان تفعيل هذه الحصة - عموديا وأفقيا - بنص قانوني في النظام الداخلي للحزب في جميع بنوده المتعلقة بالتنظيم والترشيح للاستحقاقات الانتخابية والمهام التدبيرية مع إحداث لجنة خاصة داخل الجهاز الحزبي القيادي تسمى لجنة المساواة والمناصفة * .
* (انظر الوثيقة الصادرة عن لجنة المناصفة والمساواة المتفرعة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر التاسع)
ج- استنهاض الشباب المغربي:
ان من ابرز دروس الحراك الديمقراطي في بلدنا والبلدان العربية الأخرى هو تأكيد الشباب لما يخترنه من ارادة وقدرة على صنع التغيير وقيادته، حيث عرفت الثورات العربية جيلا جديدا من الشباب قرر أخذ المبادرة لتحطيم كل العوائق التي تقف أمام تطلعاته المشروعة في التعليم والتكوين والشغل والعيش الكريم، مؤكدا قاعدة تاريخية: طلائعية الشباب في معارك التحرير والتغيير.
وعليه فان مشروعنا لن يكون مكتملا وقابلا للتحقق الواقعي ما لم يتشبع بمكوناته وأهدافه وقيمه شبابنا من الجنسين، مما يتطلب من حزبنا ومختلف قنوات التواصل والتأطير خلق فضاءات واسعة ومتنوعة، للتعبير عن ما يختزنه من طاقات وكفاءات في مختلف المجالات الابداعية والفكرية والعلمية، وما يتطلع اليه من آفاق مجتمعية تحرره من كل عوامل الاحباط واليأس والتطرف، ولعل المدخل إلى ذلك تحرير الثقافة الحزبية من عقلية ظلت تتعامل مع الشبيبة المغربية بمنطق الملحق الحزبي الاحتياطي للمعارك الكبرى. اننا مطالبون في هذا الصدد، باستيعاب تمثلات وقيم شبيبة اليوم (60 % ازدادوا بعد المسيرة الخضراء سنة 1975) وطبيعة حاجياتها، وبلورة خطة عمل يتكامل فيها التأطير السياسي بالتكوين الثقافي، ويحتل فيها الانفتاح والتواصل مع كل شرائح الشباب خريجين وعاطلين ومقاولين صغارا ومتوسطين مكانة استراتيجية، مع فسح المجال للكفاءات باحتلال المواقع التمثيلية التي تستحقها داخل الأجهزة والتنظيمات الحزبية، وترشيحها لمختلف الاستحقاقات الوطنية في المواقع التدبيرية. ولاشك في أن ما نص عليه الدستور الجديد في موضوع الشباب من مقتضيات هامة ونوعية يفرض على حزبنا مواكبتها والالتزام بها في قوانينه وأدائه وسياساته في مختلف الواجهات.
د- تفعيل العمل النقابي:
ان الدور التاريخي الذي لعبه الاتحاد الاشتراكي في الواجهة النقابية على مدى عقود كان من أكثر عوامل تجذره في المجتمع وارتباطه بشغيلته وذلك لما أولاه للمسألة الاجتماعية من أهمية قصوى في نضاله الديمقراطي العام.
ولعله من البديهي التأكيد من جديد على أن الطبقة العاملة المغربية، كمنتجة للثروة تظل العنصر الاساسي والفاعل في أي تغيير مجتمعي في اتجاه اقرار العدالة والمساواة والكرامة للجميع، خاصة إذا ما تم تحرير نضالها من النزعة النقابية الضيقة ، ومن النقابة الحزبية المساومة.
ان مؤتمرنا التاسع مطالب بأن يشكل خطوة كبرى نحو اشراك النقابات وجماهير الشغيلة في النضال من أجل تفعيل مشروعنا المجتمعي الاشتراكي الديمقراطي على قاعدة الاحترام لجماهيرية واستقلالية العمل النقابي ولآلياته الديمقراطية الداخلية.
ان مسيرة الكرامة الوحدوية التي عرفتها شوارع البيضاء في غضون هذه السنة بكل دلالاتها وما فجرته من آمال لانجاز وحدة المركزيتين النقابيتين، الكنفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل، لتشكل بالنسبة لحزبنا بوصلة الطريق نحو نهضة نقابية فاعلة ومؤثرة في المسار العام للنضال الديمقراطي والاجتماعي الذي يخوضه مجتمعنا وأحزابه الديمقراطية اليسارية وكل قوى المجتمع المدني.
ج - توطيد الروابط مع الجالية المغربية بالخارج
اعتبارا للوزن السكاني الذي تمثله الجالية المغربية بالخارج( 14% من سكان المغرب) ولدورها الوازن في التنمية، فإن الاتحاد الاشتراكي الذي تحمل لسنوات مسؤولية تدبير شؤون الجالية المغربية وقام بمبادرات وانجازات هامة في التواصل معها وربطها بالوطن،مطالب بتعميق هذه المكتسبات المحققة والعمل على رفع كل عوائق الاندماج الثقافية واللغوية وتقوية التمثيلية السياسية والمهنية لمغاربة العالم الذين يتمتعون بكفاءات عليا في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية والمهنية، وذلك تفعيلا وانسجاما مع ما نص عليه الفصل 163 من الدستور من مهام يتولاها مجلس الجالية المغربية بالخارج وفي مقدمتها» ابداء آرائه حول توجهات السياسة العمومية التي تمكن المغاربة بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم وكذا المساهمة في التنمية البشرية المستدامة في وطنهم المغرب وفي تقدمه.»
VII- من أجل تعزيز موقع المغرب جهويا ودوليا
إن ما يعرفه العالم اليوم من تحولات كبرى اقتصادية وجيوسياسية يفرض على بلادنا مقاربة جديدة في مواجهة هذه التحولات بما يعزز موقعها الجهوي والعالمي من جهة، وبما يفرض على العالم الحل العادل لمسألة وحدتنا الترابية والمتمثل في مقترح الحكم الذاتي في إطار الجهوية الموسعة من جهة ثانية. وبناء عليه فإن وضع استراتيجية شاملة تحدد نشاطية وتوجهات الدبلوماسية المغربية ينبغي أن ينصب على الاختيارات والأولويات التالية:
أولا: الخيار المغاربي، وذلك لبناء فضاء مغاربي للتعاون والتكامل الاقتصادي يشكل تكتلا جهويا حقيقيا في مواجهة المفاعيل السلبية للعولمة الزاحفة، ويكون إطارا للحوار وحل مختلف المشكلات الموروثة عن العهد الاستعماري بما يحفظ للمنطقة أمنها واستقرارها والاندماج بين شعوبها. ولا شك في أن للدبلوماسية الموازية دورها في هذا الاتجاه، و سيكون على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ? بحكم موقعه الدولي الوازن - لعب دور إيجابي وفعال خاصة فيما يتعلق بدفع اشقائنا في الجزائر إلى مراجعة موقفهم المناهض لوحدتنا الترابية، وازلة مختلف العوائق في وجه طموحات شعوب المنطقة في التنمية والعيش المشترك في اطار من السلم والأمن والتعاون.
ثانيا : الانخراط المغربي في الجهود المبذولة جهويا ودوليا لإيجاد حل سياسي لما يجري في دول الساحل الصحراء يقطع الطريق على النزعات الانفصالية المتفاعلة مع تيارات إرهابية ,ويضمن تحقيق أمن واستقرار شعوب هذه المنطقة وتطلعات شعوبها في التنمية والديمقراطية .
ثالثا: تعزيز البعد المتوسطي، وذلك بتقوية روابط التعاون والتقارب والشراكة مع بلدان الجوار الأورو متوسطي وتوسيع علاقات التعاون فيما بينها.
رابعا : تكريس الحضور الفاعل والوازن للمغرب في الفضاء العربي والإسلامي بحكم الانتماء الهوياتي للشعب المغربي ودوره الطلائعي في مساندة ودعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
ان الاتحاد الاشتراكي ومن موقعه الدولي وداخل الاممية ألاشتراكية والذي ازداد حضوره في أجهزتها قوة وإشعاعا، يؤكد في مؤتمره التاسع على التزامه بالعمل من أجل تعزيز مكانة المغرب جهويا وعالميا، والدفاع عن القضايا العادلة لشعوب العالم التي تناضل من أجل الحرية والديمقراطية والأمن والسلام.
مشروع ورقة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية
المرتكزات الأساسية لمشروعنا الاشتراكي الديمقراطي
بانعقاد المؤتمر الوطني التاسع لاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تكون قد مرت أربعة عشر سنة كاملة على انطلاق تجربة التناوب، التي كان لحزبنا الدور الريادي في توفير شروطها والتي شكلت منعطفا أساسيا في الحياة السياسية الوطنية بما دفعت إليه من تغيير في العقليات والبنيات، وتطوير كبير في الطريقة التي أصبح ينظر بها المغاربة إلى ممارسة الشأن العام وأنماط الحكامة وطرق التدبير الاقتصادي والاجتماعي .
بهذا تكون تجربة التناوب، بصرف النظر عن التقييمات الظرفية أو الجزئية أو القطاعية التي يمكن أن تنصب حولها ، وبقطع النظر عن تموجات الظرفية السياسية التي أعقبت سنواتها الأولى تكون هذه التجربة قد حققت تراكما نوعيا على المستويات السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، عبدت الطريق لولوج الألفية الثالثة بنظرت ونفس متجددين.
وبالنسبة لحزبنا ، فقد مثلت هذه التجربة اختبارا حقيقيا لافقط لاختياراتنا ،الشمولية منها والقطاعية ولكن كذلك لمدا قدرة الحزب بأجهزته وامتداداته التنظيمية المختلفة على التقاط أسئلة المجتمع والتفاعل مع المحيط والمتطلبات والأجيال الجديدة .
واليوم وبعد اختيار موقع المعارضة وسعيا إلى تفعيل هذا الموقع أخذا بعين الإعتبار تراكمات تجربتنا، وحكم المواطنين على نتائجها وتقييم المناضلين لأدائها، يتعين علينا أن نقدم للمغاربة، في إطار تعاقد جديد، ما يفيد أن حزبنا عاقد العزم على الانتصار لقيمه المؤسسة وطرح البديل الاشتراكي الديمقراطي بشكل أكثر جرأة، أكثر وضوحا، أكثر إجرائية وأكثر قربا من اهتمامات المواطنين وأكثر تفاعلا مع انشغالاتهم وحاجياتهم.
في هذا السياق يندرج هذا التقرير الذي يطرح المرتكزات الأساسية لمشروعنا الاشتراكي الديمقراطي.
1. السياق العام للمؤتمر: راهنية المشروع الاشتراكي الديمقراطي واولوية المطلب الديمقراطي
يعقد الاتحاد الاشتراكي مؤتمره التاسع ضمن سياق عالمي تطبعه أزمة اقتصادية ومالية خانقة تكشف جليا المخاطر المترتبة عن رأسمالية غير متحكم فيها, وخارج مراقبة السلطات العمومية.
لقد زعزعت الأزمة دعاة اللبيرالية الذين ظلوا لزمن طويل رافضين لكافة أشكال تدخل الدولة، تلك الأزمة التي أتبتت المقاربة الاشتراكية الديمقراطية قدرة على مواجهتها من خلال العمل على تقويم شطط الأسواق من قبل السلطات العمومية، والدفع الى القبول بتدخل الدول لإنقاذ النظام المالي العالمي.
إن استفحال الأزمة المالية لتشمل الدائرة الاقتصادية أدى إلى إطالة أمدها مما يحول دون إيجاد حل لها في الأمد القريب، خاصة بالنسبة لأوروبا، التي هي شريكنا الاقتصادي الأساسي، والتي تجد نفسها حبيسة وضع اقتصادي خانق يهدد تناغمها الاجتماعي ووحدة عملتها.
وقد بدأ اقتصادنا، الذي يتوقف بشكل كبير على مستوى نمو شركائنا الأروبيين، (الزبناء والمستثمرون الأساسيون بالمغرب)، يتأثر بتبعات الأزمة.
وبالرغم من أن نسبة النمو عندنا لا تزال إيجابية إجمالا، فإن المخاوف تتزايد عند الكثيرين في مدى قدرتنا على مواجهة هذا الوضع غير المسبوق من حيث خطورته، والذي قد يستمر مدة طويلة، بل إن هناك مخاوف ظهرت بوادرها جَلِيًّا بشأن احتمال إعادة النظر في المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها في ظل حكومة التناوب.
إن بعض المؤشرات التي برزت مؤخرا من قبيل الاختلالات المتوقعة في الميزانية، والانخفاض المقلق لاحتياطنا من العملة الصعبة، والعودة الأكيدة إلى الاقتراض الخارجي، والضربة التي تتعرض لها القدرة الشرائية لمواطنينا نتيجة ارتفاع الأسعار جراء الزيادة في ثمن الطاقة،هي معطيات تشكل أكبر دليل على مشروعية انشغالنا وقلقنا.
و بالرغم من أن حكومة التناوب تحت قيادة الأستاذ الأخ عبد الرحمن اليوسفي،كانت تشتغل تحت ضغط هامش سياسي و دستوري محدود فأنها وضعت شروط تنمية مستدامة مما أتاح للمغرب مضاعفة ثروته الوطنية خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ لم يعرف المغرب نموا سلبيا منذ سنة 2000 حتى مع سنوات فلاحية متوسطة أو ضعيفة.
وقد شهدت شرائح اجتماعية واسعة تحسنا في عيشها، ومن ضمن ما سمح بتحقيق ذلك اعتماد الإجراءات التالية :
- إصلاح التوازنات الماكرو اقتصادية،
- تقليص الاقتراض العمومي،
- إطلاق السياسات القطاعية،
- تدبير أفضل للمؤسسات العمومية، التي تحولت من مؤسسات في وضعية عجز مالي إلى مؤسسات ذات فائض.
- عمليات خوصصة ناجحة، مكنت مداخيلها من إطلاق المشاريع الكبرى الخاصة بالبنيات التحتية والتي ستتبدى نتائجها الإيجابية على المدى المتوسط والبعيد، علما أن مؤسسات القطاع العام في مجملها كانت قد تحولت الى مصدر هدر متزايد للإمكانيات و الموارد العمومية.
- تحسين نسبة التمدرس ومستوى محاربة الأمية،
- تحسين شروط الولوج إلى السكن الاجتماعي،
- تعزيز القطاعات و الأنشطة الموجودة (السيارات، السياحة، البناء..) وإنطلاق قطاعات أخرى جديدة واعدة ( الأوفشورينغ، والملاحة الجوية).
- الإهتمام بالعالم القروي بشكل غير مسبوق مكن من تحويل إعتمادات ضخمة قلصت من عزلته و تحسين نسبي في مستوى عيش سكانه.
إن الحصيلة الأكثر من مشرفة لمشاركتنا في تدبير البلاد هي اليوم مهددة في ظل حكومة سرعان ما أبانت عن عدم كفاءتها وفقدانها التام للرؤية الاستراتيجية .
يعرف المغرب حاليا وتيرة نمو اقتصادي بطيئة، وفقدانا مقلقا لقدرته التنافسية تظهر من خلال تدهور الميزان التجاري، وتفشي البطالة بين الشباب سواء الحاصل على الشهادات العليا أو الذي يفتقر إلى التكوين، وإقصاء شريحة واسعة من المجتمع من أي شكل من أشكال التغطية الاجتماعية، وعجز نظام التعليم على تكوين نخب مؤهلة قادرة على الاندماج في مجتمع المعرفة بما يخدم البلد بالنظر إلى انسداد الأفق أمام كل من لم يحصلوا على تكوينات مؤهلة والذين يؤدون ثمن عدم الأهلية باهظا.
أمام هذا الوضع، فإن الحكومة الحالية لا تُقدم أي رؤية سياسية، ولا أي برنامج اقتصادي و اجتماعي قادرين على منح الأمل و الثقة في المستقبل هذا على الرغم بان التصويت بنعم على الدستور كان يحمل رسالة شديدة الترميز تفيد رغبة المغاربة في ان يتوفر الجهاز التنفيذي على وسائل العمل وفق شروط أفضل بكثير من تلك التي توفرت للحكومات السابقة.
I- مهام الاتحاد الاشتراكي في الوضع الحالي
في ظل سيادة اللاكفاءة يجب على الاتحاد الاشتراكي أن يتموقع كبديل: فبفضل مرجعيته الاشتراكية الديمقراطية التي برهنت عن وجاهة الحلول التي طرحتها، خصوصا خلال الأزمة العالمية الرهيبة ، و بفضل تراكمات تجربته الحكومية التي حققت نتائج أساسية، الاتحاد القوي بخبرة أطره و كفاءتهم و حسهم العالي بالمسؤولية و بقيم و ثقافة الصالح العام مدعو اليوم في هذه المرحلة الصعبة، التي يمر منها المغرب حيث تحكمت في الاقتراع العام شعارات فارغة ورجعية، مدعو للحفاظ على دوره كركيزة للحداثة، وعليهِ خلال محطة التفكير الجماعي المتمثلة في مؤتمره التاسع بسط الطرق الكفيلة بتحقيق نموذج تنمية جديد يكون الأفضل لحماية مكتسبات حكومة التناوب والكفيل بوضع المغرب على سكة نمو عال ومستدام لصالح عموم الشعب المغربي.
لقد كان للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دوما طموحات كبيرة بالنسبة لبلدنا، و عليه في سياق هذه المرحلة الهامة، التي يشكلها مؤتمره التاسع، اقتراح مشروع اقتصادي واجتماعي يقدم الإجابة عن التساؤلات التي تشغل بال المغاربة بخصوص مستقبلهم وأن يقترح مشروع مجتمع يتوافق وآمالهم في تحقيق النمو والعدالة الاجتماعية.
لقد فرضت مستلزمات البناء الديمقراطي على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تقديم الديمقراطية السياسية كأولوية للتأسيس لنموذج ديمقراطي يضمن للمغاربة التحكم في مصيرهم بكل حرية. هذا الاختيار، الذي كلفنا الكثير من التضحيات واستغرق منا الكثير من الوقت يتيعن أن ينعكس بدءا من الآن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي من خلال تحقيق مكتسبات لفائدة الفئات الفقيرة والمتوسطة، التي نمثلها. فقد حل وقت الديمقراطية الإقتصادية، وهو ما من شأنه منح المزيد من المصداقية للديمقراطية السياسية.
إن المغرب، بلد الرحالة والجغرافيين الكبار ، بلد التبادلات الثقافية، بلد يتميز بموقع جيوسياسي تغذيه بداهة خاصية الانفتاح و التنوع و التعدد و التسامح لا يمكنه القبول في الألفية الثالثة بالإنكفاء على الذات، أمام عَالم ينزع باستمرار الى الغاء مفعول الحدود.
إن بلدنا الذي ظل مجبرا على العزلة، لحقب طويلة، حفاظا منه على استقلاله تبين بالتجربة التاريخية الملموسة منذ عهود الانحطاط أنه لا يحقق ذاته إلا من خلال التبادل و التشارك. إن مغاربة المهجر الذين يشكلون ما يزيد عن 10 في المائة من مجموع المغاربة يندمجون بشكل مثالي حيثما كانوا ويقدمون إسهامهم الثقافي والاقتصادي بكل أريحية.
لقد اختار المغرب بوضوح، من خلال توقيعه على اتفاقية منظمة التجارة العالمية و مسلسل برشلونة وعلى العديد من اتفاقيات التبادل الحر لاحقا، الانفتاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهو الانفتاح الذي لا يمكنه إلا أن يساهم في تحقيق الثراء المادي والثقافي.
إن تبنينا للجوانب التثويرية للعولمة بوصفنا اشتراكيين ديمقراطيين، يشكل جزءا من تراثنا الثقافي الكوني الذي يدعو إلى الانفتاح وإلى كونية قيم الحرية والعدالة وتفتق الطاقات الخلاقة للإنسان المغربي.
ومع ذلك، فإن تبنينا للعولمة بوصفنا اشتراكيين ديمقراطيين وأيضا تبنينا لاقتصاد السوق المتوازن يرتبطان عضويا بمبدإ إدخال التقويمات الضرورية، بما يزيح التجاوزات المتسببة ضمن عوامل أخرى في الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة.
وقد اعتقد المسئولون المغاربة، في إطار انخراط متسرع في سيرورة انفتاح اقتصاد المغرب ( لنذكر ب»السكتة القلبية» التي كانت تتهدد اقتصادنا والبحث الجامح عن الدعم بشأن ملف الصحراء) بشيء من السذاجة أن أوروبا وباقي دول العالم هي أسواق سهلة الاقتحام.
لذلك لم تمكن سياسات التأهيل المعتمدة للاقتصاد المغربي في مقومه الإنتاجي والاجتماعي من التوفر على أدوات التنافسية اللازمة لمواجهة انخفاض الحقوق الجمركية، مما حول السوق الوطنية إلى فريسة سهلة أمام شركائنا، الذين «أغرقونا» ببضائع ذات جودة ضعيفة في الغالب، وهو ما ألحق الضرر الكبير بصناعتنا الوليدة. و لقد فاقمت من خطورة هذه التنافسية غير المتكافئة إدارة فاسدة في الغالب تركت الطريق سالكا للفوترة السرية، والتهريب، والقطاعات غير المهيكلة، مما ضرب في الصميم الجهود المبذولة من قبل المقاولات المغربية.
وبشيء من التباعد الزمني يمكننا اليوم أن نرى كم كانت ضخمة جهود حكومة التناوب التي اضطرت إلى خوض معارك متعددة الجبهات لتضمن للمغرب نموا مستداما.
في الوقت الراهن، وبينما تتبدى الأزمة مستمرة عند شركائنا، وفيما تتجلى النتائج السلبية لانفتاح لم يُهَيَّأ له بالشكل الجيد على اقتصادنا وعلى قدرته على مواجهة التنافسية العالمية، وفيما تتفاقم الاختلالات الاجتماعية، يتعين على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يولي أهمية خاصة لعملية تقديم مشروعه الاقتصادي و الاجتماعي.
II- من أجل نموذج جديد للتنمية
إن مشروعا كفيلا بإنقاذ المغرب يتطلب مرة أخرى إجراءات سياسية واقتصادية شُجاعة تتيح رفع ثلاث تحديات : تحدي إحداث دولة مضطلعة بمهام التنمية، تحدي النمو والتنافسية، وتحدي الاستثمار الاجتماعي.
ويتطلب منا رفع هذه التحديات الثلاثة في الآن ذاته تفكيرا جديدا ينبذ المقاربات التجزيئية ويعتمد المقاربة الشمولية حيث يتوجب على الدولة من منطلق كونها فاعلا أساسيا للتنمية الاجتماعية و الاقتصادية، إعادة النظر بشكل عميق في طبيعتها ومهامها، مع اعتبار أن «الإنسان» ثروة أساسية من اللازم استثمارها لضمان تحقيق أفضل تنمية ممكنة لنظامنا الإنتاجي.وعلى هذا المستوى يصبح عزل الدولة عن المجال الاقتصادي والاجتماعي محض وهم.
III-1- من الدولة الريعية
إلى الدولة التنموية
على الرغم من تطور الذي عرفه المجتمع المغربي، فإن جهاز الدولة، الذي حافظ على بقايا هوية مخزنية ظل يحتفظ بذات العقلية في ما يهم ممارسة السلطة المرتكزة على بسط التحكم في المجال السياسي والأمني. وفي هذا السياق، يشكل كل من الاقتصادي والاجتماعي مجرد توابع لنظام تتم المراقبة فيه من خلال دواليب و دوائر القرار السياسي.
إن ما سمي بعملية التطهير، التي تمت في التسعينيات، لدليل واضح على نظرة الدولة المتحكمة لعالم الاقتصاد من خلال فرض العقوبات ونزع الملكيات والتهديدات حيث أن كل الوسائل كانت مباحة لمحاربة طموح الطبقة البرجوازية في الاستقلال عن جهاز الدولة.ويعكس القمع العنيف للتظاهرات النقابية خلال الثمانينيات والتسعينيات هو الآخر ،كيف تعاملت الدولة التحكمية مع المطالب الاجتماعية حيت أن واضعي السياسات العمومية المعتمدة كانوا يرفضون منطق إعادة التوزيع ويفرضون بدلا عنه منطق المنح و الغنائم.
ومن المؤكد أن دستور 2011 مكن من وضع شروط إحداث إصلاحات هامة على طريقة ممارسة السلطة في المغرب، كما أن العديد من الإصلاحات التي تم إدخالها سابقا تحت مسمى الحكامة الجيدة كانت تستهدف هي الأخرى نفس الغايات.
ومع ذلك، لا محيد للمغرب عن إصلاح عميق للدولة إذا كان الأفق المرسوم هو التوفر على إقتصاد عصري و تنافسي. إصلاحات تهم في الآن ذاته طبيعة الدولة وطرق تدخلها.
إن الكثير من المغاربة وإلى حدود الوقت الراهن يخلطون بين الدولة، التي هي، في منطوق التقاليد الديمقراطية هيئة سياسية وقانونية حيادية إلى حد ما، و بين الحكومة، وللتاريخ دور كبير في تكريس هذا اللبس، ذلك أن الأشكال المعتمدة لممارسة السلطة والتي ينخرط فيها الملك، والإدارة، والطبقة السياسية، ظلت و الى حدود وقت قريب، غير محددة و لا واضحة من حيت توزيع المهام، وشكل ذلك السبب الأساسي لهذا الخلط السائد في الذهنية العامة، بل الأنكى من هذا أن المواطن، في ظل العزوف عن الانخراط في الحياة العامة، تولد لديه شعور بأن الدولة جسم غريب عنه، تنحصر وظائفه في ممارسة القمع، واقتطاع الضرائب.
إن الدولة التي كانت لفترة طويلة منفلتة من تقديم الحساب و من الجاهزية لتقديمه بسبب غياب الديمقراطية، وجدت نفسها في وضعية استقلال و تباعد عن المجتمع. وإذا كانت الاستقلالية السياسية للدولة في الدول المنتجة للبترول تتحقق من خلال توزيع المال على الساكنة لشراء استكانتها، فإنها في المغرب تمت لعقود عبر القمع وتوزيع الثروات والريع المتنوع وسخاء لاحدود له وإلزام ضريبي انتقائي. وهي السياسة، التي قوت عند الكثير من المغاربة القناعة بأن الدولة غير عادلة، ومن ثم ولدت قناعة بأن السلوكات المنحرفة و تجاوز القانون لا تدخل ضمن دائرة المحرم أو الممنوع.
وإنه لمن الصعب جدا كسب رهان بناء ديمقراطية عصرية بل الحفاظ على انسجام شعب في ظل وجود مجتمع ودولة يتبادلان نظرات السخط.
وإذا كانت جدوى وأهمية فعل الدولة لا تطرح اي إشكال و ليست موضوع تساؤل في الدول المتقدمة خاصة بعد الأزمات الأخيرة، فإن نفس الجدوى و الأهمية مطروحان كذلك في بلد مثل المغرب شرع في تحوله الاجتماعي. ولكي تنجح السياسة العمومية في كسب انخراط المواطن، يتوجب على الدولة التوفر على شرعية سياسية جديدة ترتكز على المبادئ المتضمنة في الدستور الجديد : سيادة الشعب، ومراقبة البرلمان. أي على تملك المجتمع للدولة.
إن هذه الدينامية الجديدة ستتيح للدولة أن تصبح دولة الحق و القانون بصفة فعلية بما يعني ذلك من تدرج و تراتبية معيارية للقوانين، ومساواة المواطنين أمام سلطة القانون، واستقلال للسلطة القضائية. كما أن من شأن هذه الدينامية ان تتيح للدولة، كذلك، القيام بمهامها الجديدة بفعالية أكبر.
* مهام سيادية تحت رعاية القانون :
من الضروري و الحيوي أن تنبد السلطات العمومية استعمال العنف المشروع لغايات غير احترام مبدأ القانون. إن الانتقائية المعتمدة من طرف السلطات العمومية في التعامل مع المظاهرات و أشكال التعبير الجماعي الأخرى تشكل مؤشرا ودليلا واضحا على انعدام حيادية الدولة.
* مهام تحفيز وانسجام السياسات القطاعية (دولة استراتيجية): لم تلغ العولمة دور الدولة، بل على العكس، فقد برهنت الأزمة التي تعيشها الدول الغربية والإمكانيات العمومية المرصودة للتقليص من حدتها، على استمرار جدوى تدخل الدولة التي هي بامتياز أداة لتقويم تجاوزات السوق . وهي أيضا من يرسم التوجهات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، ويحرص على تنفيذها و صياغة أدوات مصاحبتها. لقد أصبحت الدولة بعد تقادم مرحلة وضع المخططات مهندسة و واضعة الاستراتيجيات و منسقة المبادرات.
* مهام الضبط : تُعد مؤسسات الضبط أدوات للحكامة الجيدة بامتياز وهي ضرورية في المجتمعات العصرية . وقد منحها دستور 2011 صفة دستورية مما يعكس رغبة في التحديث. غير أن الصعوبات التي تصادفها هيئة مثل «مجلس المنافسة» في ممارستها لنشاطها تكشف الكثير من الخبايا حول معضلة غياب الإرادة السياسية للدولة في تحديث اقتصادنا، مع العلم، أن هذه الهيئة لو اشتغلت بشكل صحيح لساهمت مساهمة كبيرة في وضع القوانين الخاصة بمنافسة صحية و حقيقية يحتاج إليها اقتصادنا ليصبح أكثر تنافسية.
* الحفاظ على التماسك الاجتماعي:تُقَاس المواطنة بميزان الحقوق والواجبات. وعلى الدولة المغربية ضمان الولوج إلى الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية كي يشعر المواطنون بكونهم جزءا لا يتجزأ من شعب ومجتمع يطبق الحد الأدنى من التضامن. إذ لا يمكن ترك جزء من الساكنة تعيش على هامش المجتمع عبر حرمانها من الحماية الاجتماعية .
لقد ذكَّر الدستور بحقوق المغاربة في الشغل والتعليم والصحة والسكن والثقافة. ويتطلب الوصول إلى هذه الخدمات إمكانيات مادية ضخمة وحده التوزيع العادل للثروة الوطنية يسمح بتوفيرها. وفي ظل غياب ثروات وفيرة ، فإن أهم الموارد المالية تتأتى من الاقتطاعات الضريبية التي تعكس مجهود التضامن وتُؤَمِّن خدمة اجتماعية جيدة. ومن ثمة، ومن خلال تمكين الدولة من وسائل عمل سليمة، يمكن التصدي بشكل أفضل لبعض الممارسات المشينة من قبيل الرشوة ومنح الريع والامتيازات غير القانونية.
إن الطموح إلى دولة القانون، ذات المهام الواضحة، سيوفر للمجتمع إطارا يشجع على خلق الثروات وتوزيعها العادل. ولعهود طويلة مارست الدولة في المغرب الوصاية على المجتمع، مع انفلاتها من أي مساءلة أو تقديم للحساب واشتغلت على تكريس استمرارية النظام السياسي. لقد كان هذا الأمر ممكنا في ظل اقتصاد منغلق لكن اليوم ومع العولمة والانفتاح ، يتطلب استمرار و تطوير نظامنا السياسي تغيير وضع الدولة من دولة وصية إلى دولة تنموية.
إن من شأن استقرار دولة عصرية، عقلانية ومنظمة ومتناغمة مع المجتمع أن يساهم في تقوية مكونات الأمة. و من المؤكد أن القرارات الشجاعة التي يتعين اتخاذها بغاية وضع نموذج تنمية جديد يضع المغرب على سكة النمو والتطور، بات يفرض الاستجابة بإنصاف وحسم لإنتظارات المجتمع الكبيرة، ولن يتأتى هذا إلا إذا كانت القرارات المتخذة مدعومة من طرف الدولة المستندة الى ثقة شعبية تامة.
III-2- رهان التنمية والتنافسية
مكنت السياسة الاقتصادية التي اعتمدتها حكومة التناوب المغرب من الاستفادة من فترة نمو طويلة. وهذا النمو هو اليوم محط تهديد، ليس فقط بسبب الأزمة العالمية التي لا يمكننا التحكم فيها، ولكن أيضا بسبب تراخ هام في التدبير الماكرواقتصادي، وعجز الحكومة الحالية الواضح عن وضع شروط جديدة للنمو.
وفضلا عن ضرورة إعادة النظر في طبيعة ومهام الدولة، كما تم التذكير بذلك سلفا، فإن النمو الآن يرتهن بقدرة الاقتصاد المغربي على التنافسية، أي قدرته على تلبية الاحتياجات المتصلة بالجودة والثمن للطلب الداخلي، علما أن هذا الطلب قد يتحول إلى بضائع مصنعة في الخارج، وأيضا قدرته على تصدير الخيرات والخدمات لتقويم توازن الميزان التجاري.
إن تلبية احتياجات ساكنة يتعدى تعدادها 33 مليون نسمة، يفرض وجود قطاعين فلاحي وصناعي قويين وتنافسيين. والاعتقاد بأن المغرب يمكنه أن يعيش من تجارة المنتوجات المستوردة أو بيع الخدمات إنما هي مقاربة مغلوطة. إذ أن البلدان التي تمارس هذه السياسة بلدان محدودة من حيث عدد السكان وتتوفر على مستوى تكوين عال أو تتوفر على مداخيل بترولية.
* المغرب مدعو إذن إلى الاهتمام الجاد بالتصنيع
من واجب التذكير مرة أخرى، بأن المغرب لا يتوفر إلا على القليل من الثروات الطبيعية ومن ثمة تصبح الصناعة المنجم الوحيد الهام لخلق الثروات. ليس الأمر بالهين بالنظر إلى اختيار الانفتاح والطريقة التي تم بها تدبير هذا الاختيار، وبالنظر إلى الخصاص في الموارد البشرية المؤهلة، وإلى صعوبة الوصول إلى الطاقة بأرخص ثمن، وإلى الخصاص في التمويل المناسب، وإلى ممارسة بعض الشركاء ل»الدامبينغ» - أي سياسة إغراق الأسواق الأجنبية بالبضائع بثمن زهيد للتخلص من الفائض أو التغلب على المنافسة - واستمرار عدم الثقة بين الإدارة وعالم المقاولة. ومع ذلك نحن لا ننطلق من نقطة الصفر وقد تم تحقيق البعض من المكتسبات ويكفي الآن تصويب المرمى من خلال تحديد أهداف واضحة وتوفير الإمكانيات المناسبة.
إن الهدف من التصنيع في مرحلة أولى هو محاولة تلبية أكبر قدر ممكن من احتياجات ساكنة البلد. وقد بدأت العديد من الدول عملية التصنيع بما اصْطُلِحَ عليه ب»إحلال الواردات». و قد جرب المغرب ذلك وسجل بعض النجاح في بداية الثمانينيات. و كشفت هذه المقاربة عن محدوديتها مع فتح الحدود حيث عجزت العديد من القطاعات على مواجهة المنافسة الخارجية.
وإذ اختفت بعض القطاعات أو الشُّعَبْ مع الانفتاح، فإن أخرى صمدت وشهدت بعض التطور خصوصا تلك التي أدمجت التكنولوجيا الحديثة والتنظيم العقلاني للعمل أو تلك التي عقدت شراكات مع مقاولات أجنبية لتملك التكنولوجيا الحديثة وتحقيق التحكم الأفضل في السوق المحلية. و من نفس المنظور توفير منتجات تحويلية للمستهلك بالنظر إلى صعوبة استيراد كافة المنتجات بسبب ارتفاع تكلفة النقل وغلاء المواد الأولية في البلدان الأصلية أو ضيق السوق المحلي.
هذا، ويتعين الاستغناء عن المقاربة التي تحصر التصنيع في بناء المصانع الكبرى واعتماد التصنيع من منظوره الأساسي، أي منح القيمة المضافة لمنتوج ما من خلال تحويله. ومن ثمة ينبغي جعل المغربي يستأنس بمفهوم التحويل أي منح القيمة المضافة ويتبناه بشكل تلقائي. إن الأوراش الشاسعة لتجويد ومنح القيمة المضافة للمنتجات المجالية يمكن أن تتيح للمغرب خلق ثروة غير متوقعة.وستمكن المغاربة كذلك في حال مصاحبتها بجهوية حقيقية، من تحمل مسؤولية ذواتهم عوض الاعتماد على مساعدة الدولة وهو ما يمثل بالنسبة لنا هدفا في تغيير ثقافي هام.
من المؤكد أن هذا لا يُقصي الحفاظ على السياسات القطاعية شريطة عدم إغفال التناغم الضروري بين هذه السياسات والبحث الدائم عن قطاعات جديدة حيث يمكن تحقيق افضليات مُقارَنَة مرتبطة بطبيعة الخيرات المتوفرة بالمغرب.
وبالنظر إلى خصوصيات المغرب والتجربة السابقة، يتعين أن يجمع التصنيع في الآن ذاته بين البعد القطاعي والمجالي. هذه المقاربة الثنائية (العمودية والأفقية) يمكنها النجاح شريطة بروز نسيج اقتصادي كثيف تُشكِّله المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جدا، والذي يزيد من قيمة المجال ويدعم المقاولة الكبرى.وليس هناك من داع للتذكير بأن هذا النسيج المكثف هو الخميرة الأساسية للطبقة الوسطى بالمغرب.
إن إنجاح التصنيع في اقتصاد منفتح يستلزم توفير بعض الشروط التي يستعصي على المقاولات الصمود في غيابها.
- سوق داخلية و خارجية تشتغل وفق قوانين وضوابط واضحة للمنافسة، بعيدا عن الاحتكار أو أي موقع هيمنة.
- إدارة توجه وتصاحب وتحرص على تطبيق القانون.
- عالم مقاولات مستقل عن السلطة السياسية ويمكنه إلى جانب شركاء اجتماعيين دعم سياسات قطاعية حقيقية من خلال تحديد الاحتياجات في التمويل والموارد البشرية وإجراءات المُصَاحَبَة.
- تأطير ويد عاملة مؤهلين يستجيبان للاحتياجات الخاصة بكل قطاع أو شُعبة نشاط.
- عالم جامعي منخرط في البحث ? التنمية في ارتباط مباشر مع عالم الإنتاج، وقادر على اقتراح الابتكار في آجال مقبولة.
- منح الأولوية لتعزيز سلسلة القيمة في الإنتاج.
- تسهيل الحصول على تمويلات خاصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جدا.
- تحسين المسالك التسويقية.
- تحسين اللوجيستيك والنقل.
- مواصلة جهود الاستثمار في البنيات التحتية.
إن بذل الجهد لتمكين المغرب من قطاع صناعي هام يغطي مناطق واسعة من مجالنا، ويحول أكبر قدر ممكن من ثرواتنا الطبيعية بشكل حرفي أو صناعي ويوفر قطاعات صناعية تنافسية تشتغل على مجموع سلسلة القيم ممكن إذا توفرت الإرادة القوية.
وحده قطاع صناعي قوي يمكنه إحداث التغييرات العميقة التي نتوق إليها جميعا من أجل مجتمع يشجع على المبادرة و التنظيم العقلاني ونبذ ثقافة الوصاية التي تمارسها الدولة.
صناعة تُحَوِّل المنتجات الفلاحية .صناعة مبنية على مفاهيم «الطبيعي والأصيل»، صناعة تندرج ضمن عولمة تستلزم الاستغلال الذكي للأفضليات المُقَارَنَة من خلال قطاعات متعددة من شأنها أن تلعب دور قاطرة للفلاحة والخدمات. ومن ثمة سيمكن للمغرب ولوج عصر التنافسية وهو يمتلك الأدوات الضرورية لتحسين نسبة نموه وسيمكنه خلق المزيد من الثروات لاستثمارها في المجال الاجتماعي.
III-3- رهان الاستثمار الاجتماعي
لقد وضعت الاشتراكية الديمقراطية الإنسان ورفاهيته في صلب اهتماماتها. إذ تعتبر أن مقاصد التنمية هو رفاهية الإنسان و تحسين شروط عيشه وليس مراكمة الثروات لفائدة الأقلية، فمؤسسوا الاشتراكية الديمقراطية إذا كانوا قد قبلوا باقتصاد السوق فإنهم فعلوا ذلك بعد وضعهم لعدد من الشروط خاصة تقويم الاختلالات التي قد تترتب عن منطق «دعه يمر دعه يعمل». ومن ثمة اناطوا بالدولة مسؤولية الدور التقويمي، ضمانا للحد الأدنى من التماسك الاجتماعي. لقد اكدوا على قيام الدولة بدور استراتيجي يسمح لعموم الساكنة لولوج الخدمات الاجتماعية. و اللبيراليون أنفسهم شجعوا تاريخيا وضمن حدود هذه السياسات الاجتماعية، ليس لأريحية منهم ولكن بنِيّة الاستفادة. إذ أن يدا عاملة متعلمة ومؤهلة وتتوفر على السكن اللائق وفي صحة جيدة هي أكثر إنتاجية من يد عاملة محرومة من الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية الضرورية. ومن ثمة، فإن الذين ينتقدون الآن تجاوزات الدولة الراعية، ينسون أن هذه الدولة هي ذاتها التي وفرت لهم اليد العاملة المؤهلة لضمان تطوير صناعاتهم وعرض خدماتهم. وسواء كان ذلك على شكل نظام شمولي أو نظام ديمقراطي ممثلا في الدولة الراعية فإن كل أمة هي بحاجة في مرحلة معينة من تاريخها إلى أن تتحمل الدولة مسؤولية تأهيل النساء والرجال من خلال تمكينهم من ولوج الخدمات الاجتماعية الضرورية. وقد يمكن تفهم توجيه النقد الآن للدولة الراعية ولتجاوزاتها، في حال تعلق الأمر بدولة أنهت عملية تأهيل مواردها البشرية. والدعوة إلى دور محدود للدولة في حالة المغرب في ما يهم السياسة الاجتماعية يعني الحكم على البلد بالبقاء في مؤخرة الأمم بالنظر إلى الاختلالات الاجتماعية التي يعاني منها.
و لسنا بحاجة إلى تقديم حصيلة بشأن الاختلالات الاجتماعية التي يعاني منها المغرب، فالأرقام معروفة. لقد تعمدنا تفضيل مقاربة ترتكز على اقتراح بعض التوجهات التي قد تفيد لاحقا كأرضية لبرنامج مفصل.
في حال قبولنا بالمنطق الذي حكم ويحكم إلى الوقت الحالي السياسات الاجتماعية، لا يمكن القول باستقالة الدولة في المجال الاجتماعي بالنظر إلى المجهود المالي المرصود لهذه السياسات. إذ أن جزءا هاما من الميزانية يخصص للقطاعات الاجتماعية على حساب قطاعات أخرى. ومع ذلك، لم يحل هذا دون بقاء المغرب في المؤخرة مقارنة مع دول أقل تقدما منه. وأول ملاحظة يمكن استخلاصها في ما يتصل بالاستثمار تدفع إلى التساؤل حول مقدار تأثير هذه السياسات الاجتماعية. و بشكل تبسيطي يمكن أن نطرح السؤال لماذا لا يحقق درهم مسْتثمَر في القطاعات الاجتماعية الأرباح التي يحققها الدرهم ذاته في بلدان ذات مستوى تنموي مشابه؟ ألا يعني هذا أن أسلوب الحكامة يمثل الاختلال الجوهري في تنفيذ السياسات الاجتماعية بالمغرب؟
يتم وضع سياسات ومخططات اجتماعية غير أنه غالبا ما يتم إهمال شروط تنفيذها. إن ذلك يعتبر مؤشرا على أن تقييم هذه السياسات إما هو منعدم و إما أنه يتم في ظروف غامضة، ولا يمكن مساءلة المسؤولين على تنفيذ هذه السياسات و على النتائج المحققة.
قليلا ما يتم الأخذ بعين الاعتبار حين بلورة وتنفيذ هذه السياسات مشاركة المجتمع المدني وغالبا ما تأتي هذه السياسات غير متلائمة مع الاحتياجات ومع المستفدين الحقيقيين منها.
ومع ذلك، فإن تحسين الحكامة، وبالنظر إلى حجم الاختلالات في ما يتصل بالشغل، والتعليم والتكوين والصحة والسكن ومحاربة الفقر والثقافة والرياضة، لا يكفي لوحده، في الوضع الحالي لتدارك الفجوة خلال آجال معقولة .إذ يتعين الإعتماد على المرتكزين معا ،ضخ الموارد و تحسين شروط الحكامة .
لاغنى للبلد عن تعبئة أكبر لموارده، وبمنطق الميزانية الحالية، قد يقال أن ذلك سيتم على حساب الاستثمار مما سيقلص من خلق الثروات.
ونقترح للخروج من هذه الدائرة المفرغة وضع السؤال الحقيقي حول توزيع الثروة في المغرب. وليس بخفي على أحد شساعة التباينات في سلم المداخل و الأجور بالمغرب كما هو معروف.إن الأغنياء استفادوا بأكثر من الضعف من الثروة الوطنية خلال السنوات الأخيرة بخلاف الطبقات المعوزة. ومن ثمة يفرض إعادة توزيع عادل للثروات نفسه كخطوة الغاية منها تعبئة التمويلات الضرورية لسياسة اجتماعية طموحة. هنا أيضا نقترح اعتماد سياسة انتقائية والحرص على عدم الإجهاز على مجهود الاستثمار الضروري لتحديث اقتصادنا من خلال معاقبة القطاعات المنتجة. يتعين اختيار توسيع الوعاء الضريبي عبر إدماج :
القطاع الفلاحي، الذي يمثل ما بين 16 و18 في المائة من الناتج الداخلي الخام
القطاع غير المهيكل
والرفع من الإلزام الضريبي على الأجور العالية جدا
إعادة النظر في بعض أشكال الدعم، التي هي في الواقع هدايا مُقَنَّعَة،
تحسين مردودية الضريبة.
فالمجموع يشكل كتلة تتجاوز بكثير 40 في المائة من الناتج الداخلي الخام الحالي. ويمكنه أن يشكل للدولة مصدرا هاما من المداخيل في حال أضفنا إليه الإيرادات الجبائية الإضافية المتحصلة من تحسين نسبة النمو.
ولأن تعبئة إمكانيات مالية هامة وتحسين الحكامة، بغض النظر عن فعاليتهما وحجمهما لن يتيحا بالطبع بذل مجهود متساو على مستوى كافة القطاعات، فإن اعتماد الأولوية يصبح ضرورة حتمية. وفي هذا السياق، لابد من أن تحظى ثلاثة قطاعات باهتمام خاص : التشغيل، والتربية، ومحاربة الفقر.
لقد كانت سياسات الإنعاش عن طريق رفع الطلب محط العديد من الانتقادات خلال العقود الأخيرة. هذا بالرغم من أن الكثير من البلدان مارستها بشكل مُقَنَّعْ مما مكنها من حصاد نقاط نمو إضافية. هنا، لابد من توضيح أننا نتقاسم نفس القناعة بخصوص كون الشغل الأكثر استمرارية زمنيا هو الشغل المنتج ومع ذلك لا ضير من إطلاق أوراش تهم البنية التحتية من شأنها امتصاص حجم كبير من اليد العاملة و تعود بالنفع على المجتمع. فالمغرب يشكو من الخصاص في السكة الحديدية التي تصل الأقاليم الجنوبية، وفي الأنفاق، وفي الطرقات. ويعاني المغرب، كذلك، من مشكل مزمن يتمثل في تفشي البطالة بين الشباب، وهو المشكل الذي يستلزم إيجاد حل له في أقرب الآجال. وقد تشكل العودة إلى «الخدمة المدنية» حلا مؤقتا ومرحليا أمام هؤلاء الشباب شريطة جعلها فترة تعلم تقود إلى العمل في القطاع الخاص أو خلق مقاولة صغيرة خاصة.
لقد استثمرت الدول التي حققت الإقلاع الاقتصادي كثيرا في التعليم و التكوين وهذه مسألة بديهية. إذ أن مشاكل هذا القطاع معروفة ولا يمكن حلها إلا من خلال التعبئة المباشرة لثلاثة متدخلين، بالنظر إلى حجم الرهانات الضخمة في ما يهم المغرب ومستقبله : الدولة، والنقابات، وعالم المقاولة. ويتعين أن يشكل تحديد الاحتياجات المتصلة بالتكوين لمصاحبة سياسات التنمية الاجتماعية والقطاعية والمجالية البوصلة التي تقود التوجهات المتصلة بالتكوين. إذ من اللازم التصدي لعجز النظام التعليمي المغربي عن تقديم بروفايلات تتناسب واحتياجات التنمية الاقتصادية. وهو ما يضع قدرة الدولة على اعتماد سياسة متناغمة في المحك.
إن إنخراط عالم المقاولات، والفاعلين الجهويين، والنقابات في بلورة السياسات القطاعية وتوزيعها المجالي، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار شق التكوين الملائم للاحتياجات. هل يتعين التذكير بأن نجاح أي سياسة جهوية يرتكز على التوليفة الرباعية :مقاولة ونقابات ونخب سياسية جهوية ومراكز تكوين؟
المغرب بلد يُعَدُّ فقراؤه بالملايين يشكلون أكثر من ثلث الساكنة. وهو وضع لا يُطاق يتطلب معالجة جذرية. إن الحلول المعتمدة من قبل الدول ذات التجارب الناجحة في القضاء على معضلة الفقر يمكن أن تفيدنا في تلمس بعض المسالك للنجاح في هذه المهمة، ولطالما تعامل المسئولون مع الساكنة كجيش احتياطي وكرسوا اللبس بين محاربة الفقر والتحكم السياسي. وفي ظل عبء صندوق المقاصة، وفشل سياسات توزيع الخيرات يتوجب حاليا على الدولة إعادة النظر في حساباتها. ومع ذلك، لابد من توضيح أن سياسة محاربة الفقر ليست سوى مرحلة انتقالية، ولا يمكنها خلق ساكنة تعيش على المساعدات و الإسعاف. ومن ثمة، لابد من تحقق الانتقال من مرحلة الدعم إلى مرحلة تحمل المسؤولية الفردية ضمن آجال معقولة، علما أن الجزء الأساسي من الميزانية يتعين توجيهه إلى السياسات الاجتماعية. أيضا، يتعين أن تشكل الأنسجة الاجتماعية دعما للأشد عوزا، لكنها لا يجب بأي حال من الأحوال المساهمة في إفقار الطبقة المتوسطة وهنا تكمن أهمية إيجاد التركيبة المناسبة.
لابد من اعتبار محاربة الفقر مرحلة انتقالية .
لقد مكن الاستثمار في الإنسان العديد من البلدان من تحقيق مستويات عالية غير متوقعة من النمو. ولا خيار أمام المغرب بالنظر إلى موارده الطبيعية وبغاية تحسين وضعه، سوى الرهان على نسائه ورجاله. من المؤكد انه شعار سبق استعماله و حتى استهلاكه، حتى فقد معناه. لكن يعود لنا نحن الاشتراكيون الديمقراطيون منحه مضمونا ملموسا من خلال إطلاق أوراش اجتماعية بحجم التأخيرات المتراكمة. إن كسب رهان التنمية في إطار اقتصاد منفتح يفرض علينا تبني تصور جديد يشكل ضمنه السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحدة متكاملة تخضع لنفس المنطق.
كما إنه من الصعب بمكان إن لم يكن من المستحيل تصور الولوج الى مرحلة القدرة على المنافسة بدون رأسمال بشري مؤهِل اي رجال ونساء يتوفرون على الشغل و يتمتعون بالخدمات الأساسية من تعليم و سكن لائق و إمكانات على مستوى الخدمة الثقافية و الرياضية.
إن المناضلين الذين ضحوا لسنوات طويلة بأغلى ما يملكون من أجل تطوير حاسم لنسق الحقوق السياسية بالمغرب، كانوا يأملون في الأفق البعيد تمكين المغاربة من العيش في مجتمع تتقاطع فيه الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاقتصادية.وهذا هو جوهر مشروعنا الاشتراكي الديمقراطي المحيّن الذي بسَطنا مرتكزاته الاساسية ضمن هذا المشروع الذي نتقدم به للمؤتمر الوطني التاسع املين ان يشكل عناصر تعاقد جديد مع مختلف فئات الشعب المغربي.
منظور الحزب للثقافة والإعلام
يعتبر موضوع الثقافة والإعلام محوريا في تشكيل النموذج المجتمعي الذي يدافع عنه حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. إذ لا يمكن تصور أي تمثل للتغيير و بناء مجتمع تسوده العدالة و المساواة و التفتح الفكري و التطور الحضاري، بدون حداثة ثقافية و قدرة على التواصل و الإعلام، في إطار الحرية الخلاقة و الجودة في المضمون. كما أن الدفاع عن الديمقراطية، في إطار احترام حقوق الإنسان الفردية و الجماعية، يقتضي الاعتراف بالحق في الاختلاف، و بالتعددية الثقافية و التنوع في الأفكار و الانتماءات، و الحرية الفردية و قدسية العقلانية وضرورة الاجتهاد، والمراهنة على العنصر البشري باعتماد التربية والتعليم والبحث العلمي والثقافة اختيارا حضاريا محركا للنماء المنشود والمستدام .
و الثقافة من هذا المنظور تهمُّ جميع مكونات المجتمع المغربي ، كما تهمّ الجمعيات المدنية والمؤسسات الثقافية، باعتبار أن الثقافة عنصر جوهريّ في رسم صيغة للحياة وتجديد الوعي والفكر والارتقاء بالذوق الفني والجمالي ، وتحديد العلائق مع عالم يعج بالتيارات المُتضاربة والإيديولوجيات الاستغلالية والأصولية المتطرفة . والثقافة ، في إحدى مهامها ، تسعى إلى الدفاع عن قيم إنسانية مُتفتحة ، تحمي المجتمع من العنف والعنصرية والتعصب ، وتدافع عن الحياة التي تصونُ الحرية وتحرر الفكر ، وتؤمّنُ التعايشَ في ظلّ الحوار والصراع الديمقراطي ودولة المؤسسات .
وقد أكد الدستور الجديد ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير ، وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني، لذا فحزبنا مطالب بالدفاع عن هذه القيم واحتضان المثقفين الذين ينشدون التحرر والاختلاف ، وهو ما يطرح على حزبنا مسؤولية دعم الثقافة المُنتجة ، والواصلة بين الوجدان والهُوية ضمن صيرورة التغيير وتفاعل الذات مع المجتمع ، و كذا المُطالَبة بتوفير الشروط التي تدعم المبادرات الثقافية وتحمي المكتسبات المعنوية والمادية ، وتسهر على أن تكون الثقافة بمختلف تعبيراتها وتجلياتها ، حاضرة في وسائط الإعلام وفي فضاءات التعليم والنشر والتوزيع
إن تجربة المغرب الثقافية والإعلامية قد ارتبطت منذ مرحلة الكفاح الوطني ، بالممارسة وبحضور لافتٍ للمثقفين الذين أثّروا في ساحة السياسة والنضال ، كما أسهموا في تفاعل الثقافي والسياسي انطلاقا من تطلّع مُشترك نحو الحرية والتحرر وتشييد مجتمع حداثي ديمقراطي ،لذا كان حزبنا باستمرار حاملا لمشعل الحداثة الثقافية و إطارا محتضنا لكبار المفكرين و المبدعين و المثقفين و مؤسسة منتجة للدراسات و الكتب و المنشورات، التي شكلت مرجعيات لأجيال من الشعب المغربي، تتوق للتقدم و الديمقراطية. و ارتبط هذا الثرات الحزبي بتصور متكامل للنضال من أجل الديمقراطية، حيث وضع الحداثة الثقافية في قلبها، و اعتبر الصحافة و الإعلام اداة رئيسية في توجيه التصور لبناء المستقبل و في دعم كفاحات مختلف فئات الشعب من اجل العدالة الاجتماعية و المساواة في الحقوق.
كان للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مشروعه الثقافي المنفتح على أهمية التكامل بين السياسي والثقافي في بناء مغرب يراهن على التغيير، ومارس المثقفون دورهم في بناء ملامح ثقافة وإبداع جديدين، ينهضان ضد ثقافة سكونية تقليدية وهو الصراع الذي انتهت فصوله لصالح المد الثقافي الجديد،المتنوع في مجالات اشتغاله والمتنوع أيضا في أوضاع إنتاجه. لقد كان الدافع الأساس، الذي وجه رؤية المثقفين والمبدعين في إطار الاتحاد الاشتراكي، هو تأسيس موقع ثقافي وإبداعي لا يغيب عنه ما يعتري الوضع السياسي والاجتماعي من تحكم فردي وتَرَد للأوضاع الاجتماعية للطبقة المحرومة من حقها في خيرات البلاد. وبمعنى آخر، فقد كان المثقفون مشاركين في الحياة السياسية ومساهمين في إحداث التغيير، كما كان الوضوح يطبع مواقفهم وأفكارهم.
أما اليوم فقد حصلت تغيرات اجتماعية و سياسية و ثقافية وإعلاميةّ ،تراجع فيها دور الثقافة الجيدة، و الفن الرفيع، و الفكر المتفتح الخلاق، و تناسلت في المجتمع ثقافة سطحية، و ساد الفن التافه و التهريج الإيديولوجي و حوصر العقل و الفكر، من طرف الاتجاهات المحافظة، بدعم واسع من وسائل الإعلام، و كذا بواسطة الوسائل الرقمية.و ما يقدم اليوم في وسائط الإعلام بأنواعها المختلفة،يعكس مستوى المسؤولين عن هذه الوسائط،ويقدم صورة عن غياب تصور ناضج لدور الثقافة في تحقيق التنمية . من هنا،نلاحظ اتجاه وسائطنا الإعلامية إلى استيراد البرامج والأفلام دون تمييز، وتدني مستوى الأعمال الفنية المقدمة، إن على مستوى المسرح أو السينما أو التلفزيون، والتراجع المستمر في مجال القراءة وغياب سياسة ثقافية واضحة المعالم وإعطاء الأسبقية للتسلية البليدة،والفُرجة الرخيصة ،مما يبرز غيابُ الوعي بأهمية هذه الوسائط ودورها في تثقيف الناس والارتقاء بذوقهم،وشحذ فكرهم النقدي .
و إذا كان هذا الوضع قد انعكس في المجتمع، برمته، فإنه انعكس أيضا داخل الحزب، حيث لم يبق للمثقفين و المفكرين و المبدعين، نفس الإشعاع السابق، كما تقلص دوره في المساهمة الثقافية و الإعلامية، التي تميز بها و التي كانت قوة ضاربة، وفرت له قدرة تواصلية هامة ومرجعية ما كان يمكن تجاوزها في المجتمع المغربي.
و قد تنبه الاتحاد الاشتراكي في مؤتمره الثامن للانفصام بين الثقافي و السياسي الذي ميز الحياة السياسية ببلادنا في العقدين الآخرين ليؤكد أن العلاقة بين و السياسي علاقة تكاملية، بحيث إذا ابتعد أحدتهما عن الآخر يعود الضرر عليهما معا. إن العمل السياسي عندما ينفصل عن البعد الثقافي يتحول إلى ممارسة تدبيرية بدون مرجعية أو أفق مستبصر، كذلك الشأن بالنسبة للفاعل الثقافي عندما لا يتسلح بالالتزام الأخلاقي و الممارسة المجتمعية في كل أبعادها، فانه يحرم من المداخل الأساسية التي تجعل فكره مرتبطا بالواقع  و فاعلا فيه فكرا و ممارسة.
        ولعل من الأسباب الأساسية التي أدت إلى تهميش دور النخب بالمغرب هو هذا الانفصام الحاصل بين المكونين الثقافي و السياسي الذي لا يستجيب للعلاقة الطبيعية و العضوية التي تجمع بينهما، مما يؤثر سلبا على دورهما التوجيهي و الإبداعي و التنويري ،و لذلك ينبغي على الحزب خلال مؤتمره الوطني التاسع،أن يعيد تقييم تجربته في هذا المجال، بطريقة جذرية وبقرارات حاسمة، من أجل تغيير مفاهيمه و فلسفته، حيث إن التطورات المتسارعة في المجتمع، و ما حصل من ثورات تكنولوجية و إعلامية، يحتم ضرورة هذه المراجعة، حتى يسترجع الحزب دوره الريادي، و يجعل من الثقافة و الإعلام أدوات أساسية في نضاله من اجل الديمقراطية و الاشتراكية و الحداثة.
* المجال الثقافي
الوضعية الثقافية الراهنة  وآفاق الأداء الحزبي
ظل حزب القوات الشعبية في صلب جدلية الثقافي والسياسي من حيث إنتاج النخب الفكرية والإبداعية وعبر مجالات مختلفة ، وهو ما قوى من تواجده المكثف في مجموعة من المواقع الثقافية التي تركت بصمات واضحة في المشهد الثقافي الوطني: انطلقت مع النقاش الحلقي الجامعي حينما كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يشكل الاتحاديون عموده الفقري، وعبر العديد من المؤلفات الفلسفية والفكرية والاقتصادية التي كانت تصدر عن مفكرين ورواد اتحاديين، إلا أن انشغال الحزب بمناقشة القضايا التنظيمية الصرفة عطل اهتماماته بعمقه الثقافي بأبعاده السسيو ثقافية ولم يعد يستحضر دوما الهم الثقافي ودوره في تحقيق التنمية المستدامة .وإن التحديات الراهنة اليوم أمام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تستدعي وضع المسألة التقافية ، ودور المثقفين في طليعة الأدوار المطلوبة لتحديث الدولة والمجتمع ، وتحقيق المساواة والحرية والعدالة والمواطنة الحقة وترسيخ القيم الكونية والإنسانية والتأسيس للتعايش في إطار احترام التعددية والتنوع والاختلاف دون تعصب أو إقصاء.
إن أكبر تحد يواجه المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي اليوم،في ظل المد المحافظ الراهن هو تحد ثقافي وإيديولوجي ، مما يفرض على النخب الحزبية والوطنية عموما تحرير الخطاب الديني من الخطاب السياسي من جهة ، ومن التأويلات المحافظة واللاعقلانية المناهضة للعصر ولقيمه الكونية والإنسانية من جهة ثانية ، وكذا المساهمة في إنتاج خطاب عقلاني متنور حول ديننا الإسلامي باعتباره دين انفتاح وتسامح واجتهاد.
إن المشهد الثقافي في المغرب يبرز بأن الإشكالات المطروحة اليوم ، هي إشكالات ثقافية نمثل لذلك بقضايا الهوية والتعدد اللغوي وموقع الدين في الممارسة السياسية وغيرها من القضايا التي تتطلب تدبيرا عقلانيا وفعالا واستراتيجيا .
السؤال الديني والممارسة السياسية
في سياق الانتفاضات الديمقراطية التي عمت مختلف الدول العربية، عرفت بلادنا حركات اجتماعية قادها شباب 20فبراير، كانت تنادي بإسقاط الفساد و الرغبة في تحقيق الحرية و العدالة الاجتماعية
و يمكن القول إن الشعارات التي نادى بها الحراك المغربي تنتمي في مجملها إلى قاموس المطالب التي كان يدافع عليها اليسار عامة والاتحاد الاشتراكي تحديدا، والسؤال المطروح راهنا ، كيف يمكن تفسير اكتساح المد المحافظ، وصعود ه إلى تدبير الشأن العام، و تراجع التوجه الديمقراطي الحداثي؟ إن تحليل هذا الوضع المفارق الذي جعل أحزابا محافظة تجني الثمار السياسية للشعارات الديمقراطية التي رفعها الحراك الاجتماعي ، يبرز بوضوح جوانب من مظاهر التراجع في توطين الفكر الحداثي وترسيخ إشعاعه.
يضاف إلى ذلك، واقع التشرذم بين الأحزاب اليسارية و عجزها عن إيجاد قواسم مشتركة بينها،كما أن من أسباب صعود المد المحافظ ما تتعرض له الجامعة المغربية و مؤسسات البحث العلمي من مخططات كارثية من خلال أشكال التجريب للبرامج الاستعجالية في شكلها ومضمونها، و تغييب الجامعة عن دورها النهضوي.
وبخصوص المسألة الدينية فإننا في الاتحاد الاشتراكي مع الدولة المدنية التي تمثل الحاضن لجميع المواطنين، الدولة المحايدة التي تضمن حقوق جميع المواطنين وتقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر.
إن الدولة المدنية هي دولة العمران البشري بالمعنى الخلدوني التي كان يتعايش فيها مختلف الملل و النحل، وكانت تتعامل مع الجميع باعتبارهم شركاء في الوطن الواحد وإن اختلفوا في الدين واللغة والعرق، والدولة المدنية ترفض استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية وموقف الاتحاد الاشتراكي هذا هو امتداد لما تم إقراره في المؤتمر الثامن للحزب ، حيث أكد بأن المغرب متوحد بتعدد ثقافته وغناها وتعدد جهاته وتماسكها ، فالمغاربة يدينون بالإسلام دين التسامح والتفتح ، والذي يشكل مكونا أساسيا لهويتنا الحضارية والثقافية وهو ملك لكل معتنقيه ولا يجوز احتكاره وتوظيفه لأغراض سياسية ، ولا يجوز لأية جهة أن تعتقد أن رأيها فيه هو رأي الدين . فالمجتمع الديمقراطي الحداثي الذي يؤمن بالاختلاف ولا يقبل الإقصاء ، الاختلاف الذي يجب أن تحكمه الخلافات السياسية والفكرية القائمة على الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وعلى بدائل تراهن على مشاريع مجتمعية داخل فضاء تنافسي مبني على علاقات ديمقراطية .
إن الاتحاد الاشتراكي يرى أن تعضيد مجتمع الحداثة وبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات يتطلب منا العمل على التنزيل الدستوري (للمجلس الوطني للغات والثقافة) والدفاع عن الحق في المعلومة ومحاربة الريع الثقافي في المجال الإعلامي والعمل على إصلاح منظومة التربية والتعليم، وأجرأة (أكاديمية اللغة العربية) والقضاء على الأمية والولوج إلى مجتمع المعرفة والبحث العلمي.
أية سياسة ثقافية لمغرب
اليوم ؟
أصبح الحديث عن الثقافة اليوم مقترنا بمفاهيم من مثل الاستثمار الثقافي ، والصناعة الثقافية والتنمية الثقافية ، التعدد الثقافي ، حوار الثقافات ، وهي مفاهيم تتطلب وجود رؤية واضحة وإجراءات مضبوطة وتصور شمولي يجعلها ممكنة التحقق وفق مقاربة مركزية تراعي وظائفها المعرفية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية .إن الحديث عن السياسة الثقافية في مغرب اليوم ينبع من الأهمية القصوى التي أصبحت تحظى بها الثقافة بالنسبة لمختلف الدول بسبب التغيير الفكري والسياسي الذي انعكس على الواقع وعلى الخطاب الإعلامي والفلسفي.
وبناء على ذلك ، نتساءل في الاتحاد الاشتراكي ، هل يتوفر المغرب على سياسة ثقافية ؟ وأية علاقة تربط هذه السياسة الثقافية بالاختيار الديمقراطي الحداثي ؟
إن ما يلاحظ اليوم في المغرب هو غياب سياسة ثقافية واضحة المعالم لتدبير هذه القضايا وإن الفعل الثقافي في مغرب اليوم محدود الفعالية والتأثير على الرأي العام ومراكز القرار بعدما كان بالأمس في قلب انشغالات المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
والاتحاد الاشتراكي المؤمن بدور الثقافة التنموي والحضاري لمواجهة التحديات ومراعاة التحولات المتسارعة في العالم حولنا ، يطرح ضرورة وضع سياسة ثقافية عمومية حقيقية للنهوض بالثقافة في بلادنا ، ثقافة حداثية وتنويرية وثقافة مبدعة وديمقراطية، تجعل من الشأن الثقافي شأنا متداولا ممارسا في مختلف الأوساط الاجتماعية ، خاصة وأن دستور يوليوز 2011 يدعو السلطات العمومية إلى تدعيم تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني وإحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية.
تدبير التنوع الثقافي واللغوي
لقد أكد الدستور الجديد على التنوع الثقافي واللغوي الذي يعرفه المغرب ودوره في المجتمع المتمثل في تعايش الثقافات الإسلامية والعربية والأمازيغية والحسانية ، والحضارات المتوسطية والإفريقية ، ودعا إلى إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية مهمته على وجه الخصوص حماية وتنمية اللغتين العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات المغربية.
والاتحاد الاشتراكي الذي سبق له أن أكد في مؤتمره الثامن ما يتميز به المغرب من تعدد ثقافي ولغوي ، ودعا إلى دسترة اللغة الأمازيغية ، فإنه يرى أن ما ورد في الدستور الجديد يقتضي ضرورة تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية وتدعيمه بالفاعلين الثقافيين والمعنيين بالشأن الثقافي والمقتنعين بالثقافة الوطنية الموحدة ، حتى يتمكن من أداء أدواره في تأهيل اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية ولغة العلم والحياة )أجرأة أكاديمية اللغة العربية( وتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في الدستور الجديد لتتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها بصفتها لغة رسمية كما يؤكد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية استمراره في الدعوة لتحسين تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم باعتبارها وسائل للتواصل والاندماج في مجتمع المعرفة .
إصلاح منظومة التربية والتكوين
ما زالت منظومة التربية والتكوين في بلادنا لم تعرف طريق الإصلاح ، وتعثر التعليم في المغرب يرجع إلى ما بعد الاستقلال ، حيث دخلنا في تجارب إصلاحية أدت إلى التخبط والاضطراب ، ولم يساهم مسلسل الإصلاحات التعليمية في المغرب في تحقيق مجتمع المعرفة والاستجابة لرهانات المغرب وانتظاراته ، وقد أكدت مختلف التقارير الوطنية والدولية حول التعليم اختلالات منظومتنا التربوية .
ولكن لا يمكن إغفال المجهودات التي تم بذلها في إطار تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين خلال تدبير الحزب لقطاع التعليم رغم محدودية الميزانية المخصصة لتحقيق أهداف الإصلاح ، بالإضافة إلى الصعوبات التي اعترضت الإصلاح ميدانيا في بعض المواقع ، ومن أبرز مكتسبات هذه المرحلة توسيع التمدرس والطاقة الاستيعابية وتقليص الفوارق في التمدرس بين الوسطين الحضري والقروي ، والمساواة بين الجنسين في التمدرس إعمالا بمبدأ تكافؤ الفرص ، كما تمت مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية في ضوء التربية على القيم وعلى الاختيار وتنمية الكفايات وتفعيل المراسيم الخاصة بحكامة تدبير المنظومة التربوية مركزيا وجهويا وإقليميا ، بالإضافة إلى تنمية التعاون والشراكة مع جمعيات المجتمع المدني والمتدخلين ، وتحسين الوضعية المادية والاجتماعية لنساء ورجال التعليم ، وتدعيم انفتاح المؤسسات التعليمية والجامعات على المحيط الاقتصادي والاجتماعي ، وترسيخ منهجية الحوار والتشاور مع الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين.
إن التعليم في المغرب أفرغ من مضامينه التثقيفية ، وبأن المثقفين باختلاف نزعاتهم وأشكال حضورهم يشعرون بلا جدوى الكتابة والتأليف إزاء نخب سياسية واقتصادية تستخف بقيمة المنتوج الفكري المغربي ، وخصوصا إزاء مجتمع لا يقرأ ، وهو يعاني من ارتفاع نسبة الأمية التي تحول دون تنمية بشرية حقيقية ، وبذلك يفتقر المغرب إلى الظاهرة الثقافية وغياب مجتمع الكتاب ، وهذا له علاقة بوضعية التعليم في بلادنا وبمناهجه التي لا تحفز على القراءة وبغياب فضاءات وأندية خاصة بالقراءة في المؤسسات التعليمية التي من شأنها أن تساهم في تربية الأجيال الجديدة على القراءة .
لذا ، يؤكد الاتحاد الاشتراكي ضرورة إصلاح التعليم انطلاقا من أسئلة جديدة تراعي مقتضيات العصر وحاجات الاقتصاد والقيم الضرورية للمواطنة وترسيخ مجتمع الحداثة والمعرفة ، ويدعو إلى تأسيس تعاقد جديد بين المدرسة والمجتمع وضمان تكافؤ الفرص والنهوض الفعلي ، كما وكيفا ،بالنظام التربوي ومكوناته ، والعمل في اتجاه انفتاح المنظومة على محيطها الاقتصادي وانخراط قوي لعالم الإنتاج في منظومة التربية والتكوين ، وكذاالعمل على وضع استراتيجية وطنية لمحاربة الأمية بمستوياتها الأبجدية والثقافية والمعلوماتية ، ويرى الحزب أن تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي أقره دستور 2011 باعتباره الهيئة الدستورية التي تضم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والذين لهم علاقة بالتعليم هو المؤهل لفتح حوار حول إصلاح منظومة التربية والتكوين باعتبار التعليم الجيد هو الشرط الأول لتحقيق التنمية المستدامة والولوج إلى عصر المعرفة.
التدبير الجهوي والمحلي للثقافة
لا يمكن إنكار الدينامية الثقافية التي يعرفها المغرب مؤخرا انطلاقا من مبادرات نابعة من المجتمع المدني بجمعياته الثقافية والفنية ومبدعيه مما أدى إلى بروز إنتاج أدبي وفكري متجدد الأشكال متنوع اللغات ، وبروز ملحوظ للأصوات النسائية ، وانتعاش البحوث الجامعية ومدارس الفنون التشكيلية وابتداع أشكال موسيقية جديدة بالإضافة إلى المهرجانات الفنية الجهوية والمحلية ، ودعم السينما المغربية ، واعتماد آليات التواصل الحديثة في التعبيرات الأدبية والفنية ، ولكن هذه الدينامية والمبادرات تتم في غياب شبه تام لأجهزة الدولة والهيآت المنتخبة محليا ، بالإضافة إلى هشاشة البنيات التحتية الثقافية ونقص في البنيات والتجهيزات الأساسية من دور للثقافة وقاعات العروض والمسارح والمكتبات العمومية والمعاهد الموسيقية سواء في المدن الكبرى أو الصغرى و في العالم القروي ، مع الإشارة إلى بعض الاستثناءات التي تشكل مشاريع ثقافية تحققت خلال تدبيرنا للقطاع الثقافي من مثل إنجاز المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، و دور الثقافة، و فضاءات القراءة العمومية، وإنجاز المتحف الوطني للفنون المعاصرة والمعهد العالي للموسيقى والفنون الكوريغرافية، و معهد الآثار والمعهد العالي للمسرح، و إعادة تهيئة المتاحف الأثرية وبعض المواقع الأثرية، و بلورة سياسة ثقافية في مجالات الكتاب والمسرح والفنون والمهرجانات، ودعم المسرح والسينما .
إن الاتحاد الاشتراكي يرى أن تدبير القطاع الثقافي يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية تدمج جميع الفاعلين الثقافيين سواء على المستوى المحلي أو الجهوي ، كما يرى تدعيم الجهوية الثقافية باعتبار ما للجهة من مؤهلات ثقافية وفكرية وفنية وإبداعية تستدعي وضع خطة ثقافية محكمة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والتاريخية ، وتعمل على رد الاعتبار للعمل الثقافي جهويا وتوفير بنيات ثقافية وتجهيزات تستجيب لحاجات الساكنة في مجالات التكوين والتثقيف والتنشيط والترفيه .
تدعيم التواصل الثقافي و الديني مع الجالية المغربية بالخارج
تنهض جاليتنا بالخارج بدورها في مجهود التنمية ببلادنا ،لذا فالاتحاد الاشتراكي ما زال يؤكد أهمية تقوية تمثيليتها السياسية والمهنية والمدنية ،وإشراكها في الحياة الوطنية ،وفي هذا الصدد يثمن المبادرات والإنجازات الهامة التي قام بها حزبنا خلال تدبيره لهذا القطاع والمتمثلة في التواصل مع جاليتنا وربطها بالوطن وثقافته.
إن الاتحاد الاشتراكي يعي أهمية التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها العالم اليوم لذا فهو يدعو إلى العمل في اتجاه وضع استراتيجية وطنية في مجال التأطير الثقافي والديني لجاليتنا وتدعيم تدريس اللغة العربية لأبناء جاليتنا بالخارج لربطهم بحضارتهم وثقافتهم المتنوعة الروافد وفي هذا السياق يقترح إنشاء وكالة تهتم بالإشعاع الثقافي في الخارج تتوجه للجالية المغربية وللعالم بهدف ترويج ثقافتنا الفكرية والفنية وإرساء سياسة التعاون الثقافي.
* المجال الإعلامي
تفعيل مبادئ الدستور واستقلالية الإعلام
يرى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأن نص الدستور الجديد يتضمن مبادئ هامة تؤكد حرية الصحافة والإعلام ، وتستند إلى المرجعية الكونية لحقوق الإنسان ، وينبغي لهذا النص أن يشكل أرضية لإصلاح المشهد الصحافي والإعلامي ، إذا ما تم تفعيله واحترام روحه.
فالدستور يؤكد على الخدمة العمومية وعلى الحكامة الجيدة في وسائل الإعلام ، وعلى استقلالية المهنة في التنظيم الذاتي على أسس ديمقراطية وعلى حقوق الإنسان وحرية التعبير و ينص الدستور أيضا على إدماج وسائل الإعلام العمومية في ما أطلق عليه المؤسسات الاستراتيجية التي ينبغي أن يخضع تعيينها لمسطرة الشفافية وتكافؤ الفرص والاستحقاق . وعليه ، فإن هذه المبادئ أساسية في بناء منظومة حداثية لإعلام متطور وجيد ومزدهر يتعامل مع المجتمع من منطلق أنه ملكية عمومية مادام يشتغل في الشأن العام وفي القيم والآراء والأفكار ، ويتطلب هذا حسب تصور الاتحاد الاشتراكي لإصلاح مجال الإعلام ، ضرورة استلهام روح الدستور والعمل على بناء نموذج ديمقراطي في الإعلام يجعل من الدولة طرفا غير مهيمن ، ويسند إلى الحكومة دورا ينبغي أن يتضاءل باستمرار ، لأن مفهوم الوصاية على الصحافة والإعلام يجب أن ينتهي كما هو معمول به في البلدان الديمقراطية .
وفي هذا الإطار يجب العمل على تعزيز الآليات الديمقراطية في تسيير وتدبير المشهد الصحافي والإعلامي ، وذلك عن طريق تطوير التنظيمات المهنية وتمتين دورها الحيوي وإرساء قواعد الحكامة الجيدة في تسيير المؤسسات العمومية والخاصة ، ووضع قواعد الشفافية في التدبير وإسناد المهام للمسؤولين في الإعلام العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة. إن البناء الديمقراطي للمشهد الصحافي والإعلامي ، يجد في الدستور مبادئ تساعد على وضع الآليات والقوانين والقواعد الضرورية لإنتاج صحافة وإعلام يستجيب للمطالب التي رفعتها القوى الديمقراطية ، والتي ينبغي الآن على الدولة والحكومة أن تفعلها بتعاون مع المهنيين ومع كافة القوى السياسية في المجتمع ، لأن هذا الورش لا يقبل الهيمنة ومنطق الأقلية والأغلبية.
آفاق تطوير الإعلام
الحزبي
إن التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم في المجال الإعلامي ، وما حصل من ثورات تكنولوجية وإعلامية يتطلب مراجعة وضعية إعلامنا الحزبي في ضوء هذه التحولات لجعله أداة أساسية في نضاله من أجل الديمقراطية والاشتراكية والحداثة . إذا نظرنا إلى سوسيولوجية الفاعلين الذين قادوا الانتفاضات الديمقراطية، فإن الملاحظة المشتركة أنهم ينتمون إلى فئة الشباب الذين قاموا بتوظيف فعال وجيد لوسائط التواصل الاجتماعي.
إن ممارسة الفعل الحزبي الذي يستمد هويته وقوته من الجماهير الشعبية ومن الثقافة الكونية لحقوق الإنسان ويؤمن بالتغيير في أفق الحداثة والديمقراطية كالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أصبحت تطلب الكثير من المهنية وتشترط تكوينات ضرورية في تقنيات التواصل و الاستقطاب لمناضليه ومسؤوليه وقيادته حتى يكتسبوا مهارات تواصلية قادرة على أن تجعل الجميع في صلب الثورة الإعلامية بكل امتداداتها ، كما يقتضي ذلك وضع تصورات واستراتيجيات مستوحاة من أحدث تقنيات التواصل لكي يكون الخطاب الحزبي أكثر نجاعة ، وفقا لما تتطلبه الممارسات الحزبية الحديثة التي تروم إطلاع المناضلين والمسؤولين الحزبيين والمواطنين وعلى المستجدات الحزبية والتصورات والمواقف والتحاليل السياسية والآراء الحزبية والتداول حول مواضيع ذات اهتمامات مشتركة ، وكذا التعريف ببرنامج الحزب.
إن طموح حزبنا إلى ولوج مرحلة الحداثة السياسية ، له علاقة وطيدة مع الانفتاح على تقنيات التواصل الحديثة وتوسيع هامش حرية التعبير والاقتناع بمقاربة جديدة تواكب تطور البنيات الفكرية وتطور المجتمعات الدولية والمنظومات التواصلية الحداثية. وفي اتجاه آخر لا بد أن تكون لدى الحزب تصورات دقيقة في هذا الاتجاه يمكن أن تساعده على الانتشار بين الجماهير في الوقت الذي غزت فيه هذه التقنيات والشبكات التواصلية الاجتماعية أغلب البيوت، كما يتحتم كذلك على الحزب صياغة مشروعه الإعلامي وفقا لمرجعيته وخط تحريره الإعلامي ،والعمل في اتجاه النهوض بالإعلام الحزبي من خلال وضع أدوات تواصل أخرى للحزب مثل النشرات الداخلية والصحف الجهوية والصحافة الإلكترونية وغيرها من أدوات الإعلام والاتصال ، و تطوير موقع الحزب على شبكة الإنترنيت ، وكذا تأهيل المسؤولين الاتحاديين وتحفيزهم لخلق أدوات التواصل خاصة على المستوى الجهوي ،وتكوينهم في تقنيات التواصل وكيفية إعداد الحملات التحسيسية وتقنيات الاستقطاب و إعداد برامج معلوماتية في مجال التواصل والتوثيق وإعداد التقارير ( أرشيف ورقي والكتروني للحزب) وكذا إعداد وثيقة مرجعية للخطاب الاتحادي (التاريخ ، البرنامج ، المواقف...)
مشروع المقرر التنظيمي
كما صادق عليه المجلس الوطني
4 نونبر 2012
بوزنيقة 14 - 15 - 16 دجنبر 2012
يشكل المؤتمر الوطني التاسع محطة من المحطات الأساسية في مسيرة حزبنا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالنظر إلى الظروف الجهوية والوطنية التي ينعقد فيها، وبالنظر إلى الانتظارات التي تعلقها القاعدة الاتحادية والرأي العام على هذا المؤتمر الذي تواجهه أسئلة كبرى وجوهرية؛ بخصوص مستقبل وأدوار الحزب في المعادلة السياسية التي شغل فيها منذ تأسيسه مركز الجاذبية، وحوله كانت تدور كل المعارك والتحولات التي شهدها المجتمع المغربي على درب بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وظل لعقود من الزمن رائدا لمعركة الدفاع عن مطالب الجماهير الشعبية في بناء مجتمع متحرر ، ديمقراطي، اشتراكي تضامني. وله يرجع الفضل في غرس قيم التقدم والحداثة في بنيات ومؤسسات المجتمع مع ما ترتب عن ذلك من توسيع لمجال ممارسة الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ومن تمكين للنساء والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة.
إن المؤتمر الوطني التاسع في ظل الظرفية التي ينعقد فيها، والرهانات المعلقة عليه؛ يشكل لحظة من اللحظات التأسيسية في مسار الحزب، شبيهة بمحطة المؤتمر الوطني الاستثنائي لسنة 1975، حيث تفرض التحولات الجارفة في محيطه الوطني والجهوي، وأوضاعه الداخلية، التوجه نحو إحداث نوع من القطيعة مع الأوضاع والممارسات التي طبعت الحزب خلال السنوات الأخيرة.
ويمكن تلخيص ملامح اللحظة التي ينعقد فيها المؤتمر في ثلاث مستويات، هي:
في المحيط الجهوي: لقد شهد محيطنا الجهوي في زمن لم يكن متوقعا ثورات عصفت بأنظمة ديكتاتورية كادت بسبب استقرارها أن تتحول إلى نماذج يقتدى بها في المنطقة، ثورات انطلقت شرارتها من رحم وسائط التواصل الاجتماعية، وحملها الشباب المتعطش للحرية والكرامة إلى الشوارع والساحات والميادين العامة في تظاهرات واعتصامات تصدح بشعارات مناهضة الفساد والاستبداد.
ورغم مقاومة هذه الأنظمة التي اتخذت في بعض بلدان المنطقة أشكالا شرسة أزهقت آلاف الأرواح، فإن هذه الثورات شكلت بحق قطيعة تاريخية مع الأوضاع السابقة والتي لا يمكن أن تتكرر من جديد.
ولئن كانت هذه الثورات قد انطلقت من رحم أدوات الثورة المعلوماتية التي أثمرتها الحداثة، وقادها شباب يغرف من المكاسب التي حققتها الإنسانية في العصر الحديث الناهضة بحقوق الأفراد والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛ فإن القوى التي جنت مؤقتا ثمارها تتشكل في أغلبها من قوى المحافظة والرجعية، مستغلة ضعف وتفكك قوى التقدم والحداثة، ومستفيدة من الهجوم الإعلامي الذي يتولاه لإعلام الخليجي.
في الوضع الوطني: كان من الطبيعي أن يتأثر المجتمع المغربي بالتحولات الجارية في محيطه، وقد شكلت حركة 20 فبراير عند انطلاقتها انعكاسا لثورات الشباب العربي، حيث استطاعت الحركة أن تحشد كل القوى الشعبية المناهضة للفساد والاستبداد، وترجمت الشعارات التي صدحت بها تظاهرات الحركة عبر التراب الوطني الداعية إلى الملكية البرلمانية، ومحاربة الريع السياسي و الاقتصادي ، وغيرها من الشعارات أرضية مشتركة استقطبت حولها الآلاف من المحتجين، وهي مطالب شكلت صلب الخط السياسي للمؤتمر الوطني الثامن لحزبنا ولقوى اليسار.
وقد أثمرت هذه الهزة المجتمعية رد الفعل المتجاوب للمؤسسة الملكية التي أعلنت عن الشروع في الإصلاح الدستوري والسياسي، الذي سبق أن طالب به حزبنا، عبر حوار وطني يفضي إلى تجديد كل المؤسسات.
لقد شكلت التجربة الوطنية في جزء منها ما عرف بالاستثناء المغربي في التعاطي مع التحولات الجارية في المحيط، لعبت فيه المؤسسة الملكية دورا أساسيا، مثلما لعب فيه حزبنا وباقي القوى الديمقراطية و اليسارية دورا فاعلا، حيث تمكن المغرب من اجتياز هذه المرحلة بتحقيق مكاسب لا يمكن إنكار أهميتها على درب الملكية البرلمانية والبناء الديمقراطي.
في الوضع الداخلي للحزب: يسجل التاريخ السياسي أن الاتحاد الاشتراكي كان سباقا إلى إثارة الانتباه لوضعية الانغلاق التي تتجه نحوها الحياة السياسية ببلادنا في البيان الختامي للمؤتمر الوطني الثامن، حيث أكد هذا البيان على ضرورة تعديل الدستور لإقرار الملكية البرلمانية، كما دعا إلى محاربة اقتصاد الريع، وغيرها من المطالب التي شكلت الشعارات الأساسية للحراك الذي عرفه المجتمع ولعب فيه الاتحاديات والاتحاديون دورا فاعلا منذ انطلاقه. كما أن الحزب اضطر بعد أن تقاعس حلفاؤه وكل الطيف السياسي إلى تقديم مذكرة للملك للمطالبة بتعديل الدستور. وجاءت انتفاضة الشارع لتفرض التسريع بالاستجابة لمطالبنا في الإصلاح الدستوري والسياسي.
إن الموقع الذي احتله حزبنا في استحقاق نوفمبر الأخير، وفي إطار صيرورة من التراجع انطلقت منذ القبول بمواصلة المشاركة في الحكومة رغم الخروج عن المنهجية الديمقراطية سنة 2002، وتأكدت في القبول بالمشاركة في حكومة سنة 2007، مع أن الاستحقاق الانتخابي لهذه السنة شكل رجة عميقة في الوجدان الجماعي للاتحاديات والاتحاديين، وشكل التقريري التركيبي لتقييمه وثيقة مرجعية في تحديد الأسباب الموضوعية والذاتية التي أفضت إلى النتائج التي حصل عليها الحزب.
وفي نفس السياق صدر تقرير الندوة الوطنية حول التنظيم الذي تعرض بعمق للأوضاع التنظيمية للحزب وما تعانيه من اختلالات، واقترح بعض التدابير والآليات التي تساعد على تجاوزها.
إن هذا التراكم الذي حققه الحزب على مستوى تشريح أوضاعه الذاتية في علاقة مع محيطه المجتمعي، يطرح على المؤتمر التاسع مسؤولية إبداع الحلول الضرورية التي تعيد للاتحاد الاشتراكي دوره وموقعه في الحياة السياسية الوطنية.
ويتولى هذا التقرير تشخيص الوضع التنظيمي للحزب واقتراح الصيغ الممكنة لإحداث التحول الضروري الكفيل بجعل الأداة الحزبية تقوم بدورها الأصيل المنوط بها في جعل الحزب صلة وصل حقيقية مع المجتمع.
1-في تشخيص الوضع التنظيمي:
لقد انكب الاتحاديات والاتحاديون على تشريح أوضاع الحزب التنظيمية بكثير من الجرأة والوضوح منذ التقرير التركيبي للاستحاق التشريعي ل 07 شتنبر 2007، مرورا بمشروع المقرر التنظيمي المعروض على المؤتمر الوطني الثامن، ثم أثناء تحضير وعقد الندوة الوطنية حول التنظيم بتاريخ 26-27 يونيو 2010.
وقد توقفت التقارير المنجزة خلال هذه المحطات على مختلف الأعطاب التي تسكن الأداة الحزبية. ويمكن على سبيل التذكير الوقوف على مظاهر الجمود التي أصابت أغلب الأجهزة الحزبية في الفروع والأقاليم والجهات نتيجة عدم احترام دورية التجديد، وعدم الانسجام، مما أدى إلى تفككها وعدم قدرتها على القيام بالمهام الموكولة إليها، وتعطيل دور الأجهزة التقريرية التي لم تعد تجتمع إلا بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية، مراكمة المهام الحزبية والتمثيلية ولمدد طويلة، مما يحول دون تجديد النخب الحزبية، ويؤدي إلى انغلاق التنظيم في وجه الطاقات والكفاءات الجديدة، شيوع مظاهر التسيب وعدم الانضباط للقرارات الحزبية، طغيان الحلقية والولاءات خارج الضوابط الحزبية.
وإجمالا فقدت الأداة الحزبية قدرتها على التأطير والتعبير عن حاجيات المواطنين، وتحولت المسؤوليات الحزبية إلى مجرد ألقاب ونياشين يتم استعمالها لحجز المواقع بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية، هذه الاستحقاقات التي لم تعد تشكل مناسبة للتعبئة والكفاح لنصرة الحزب وخدمة المصلحة العامة، بل مناسبة تستعر خلالها الحروب الداخلية حتى أصبح بعض الاتحاديين هم من يتقدمون الحملات المضادة ضد مرشحي الحزب.
وقد تغذت هذه الاختلالات من الخلافات التي تنخر قيادة الحزب وتجعلها في حالة عجز عن التدخل لفرض الانضباط، بل وأحيانا تؤدي الحمايات في قيادة الحزب إلى استفحال هذه الاختلالات.
ولعل أبلغ وأقسى توصيف للحالة الداخلية التي توجد عليها تنظيمات الاتحاد الاشتراكي ما عبر عنه الكاتب الأول في تقريره أمام دورة المجلس الوطني الأخيرة في 05 ماي 2012 عندما صرح بأن الاتحاد يعيش حالة انتحار جماعية.
لقد شكلت الصراعات الداخلية التي طبعت الحياة الحزبية منذ التأسيس مصدر قوة وحيوية التنظيم الحزبي كما أكد ذلك الشهيد عمر بنجلون في تقديمه للتقرير الايديولوجي أمام المؤتمر الاستثنائي سنة 1975، وهي صراعات كانت تتأسس على الاختلاف في كيفية مواجهة القمع والاستبداد.
غير أن الصراعات التي يعيشها الحزب اليوم تتركز في غالبيتها على التسابق على الترشيح للمؤسسات وتولي المسؤوليات، من غير أن يستند هذا التسابق إلى برامج أو تصورات يمكن أن يعتمدها المناضلون في الاختيار. و تعمقت هذه الصراعات بسبب غياب مساطر وآليات واضحة يمكن الاحتكام إليها للحسم ديمقراطيا بين المتنافسين.
لقد تحولت الأداة الحزبية بسبب هذه الصراعات، وبسبب عجز القيادة عن إبداع الحلول لمعالجة الأوضاع التي تفشت في أغلب المؤسسات ومنها القيادة نفسها، إلى مصدر ضعف ووهن وتشرذم الحزب، عوض أن تكون كما في السابق مصدر قوة وحيوية.
إن هذا التراكم الذي حققه الحزب على مستوى تشريح أوضاعه الداخلية والتي بلغت أقصى درجات جلد الذات في تصريح الكاتب الأول المشار إليه أعلاه، هو الذي أملى الدعوة إلى إحداث قطيعة مع هذا الإرث الذي حول الحزب من طاقة مجتمعية فاعلة ومبادرة إلى مجرد هياكل عاجزة عن القيام بالمهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها.
إن تجاوز هذا الوضع الذي أصبح مثار قلق الجميع على مصير حزب القوات الشعبية، يفرض تجديد وتحيين المبادئ الموجهة للتنظيم الحزبي، ووضع الضوابط والآليات التي من شأنها أن تساهم في توضيح المسؤوليات على أسس جديدة، وربط التنافس على المسؤوليات بالتزامات تكون مصدر التعاقد وقاعدة المحاسبة.
I. المبادئ الموجهة للتنظيم الحزبي:
1- فصل السلط وتوازنها: إن الاتحاد الاشتراكي باعتباره حزبا اشتراكيا ديمقراطيا حداثيا مطالب بأن يعكس في فلسفته التنظيمية المبادئ الكونية المتعلقة بفصل السلط؛ وذلك بأن ينتقل إلى حزب مؤسسة تحكمه قواعد ومساطر واضحة في تدبير السلطة الحزبية: حيث ينبغي أن تكون الأجهزة التنفيذية منسجمة ذات وظائف ومهام واضحة، تقوم على التعاقد والمحاسبة، وعلى المسؤولية الفردية والجماعية. وتقابلها أجهزة للتقرير والمراقبة تتوفر على الصلاحيات الضرورية والقوة التي تمكنها من ممارسة التقرير في القضايا التي تهم الحياة الحزبية وتدخل في اختصاصها، ومن ممارسة المراقبة والمحاسبة للأجهزة التنفيذية، بما يحول دون استئثار هذه الأخيرة بجميع السلط الحزبية.
على أن ضمان التوازن بين الأجهزة التنفيذية والتقريرية يفرض وجود جهاز مستقل للتحكيم والأخلاقيات توكل إليه اختصاصات حقيقية وقوة مؤسساتية تمكنه من التدخل عند الاقتضاء لردع كل التجاوزات والحسم في تنازع الاختصاصات، ويقوم بالإضافة إلى ذلك بالبت في القضايا المرتبطة باحترام أخلاقيات الحزب، وبالمنازعات المرتبطة بالاستحقاقات التنظيمية، وكل القضايا المتعلقة باحترام قواعد الانضباط التي يجب أن تسود الحزب المؤسسة.
كما يتعين تمكين لجنة المراقبة المالية من مكانة مؤسساتية حقيقية لممارسة مهامها في مراقبة مالية الحزب وإدارته وممتلكاته.
إن من شأن الانتقال بالحزب إلى الحزب المؤسسة المحكوم بفصل واضح وحقيقي للسلط الحزبية على قاعدة من التوازن في الأدوار والصلاحيات، أن يمكن الاتحاد من الحفاظ على استقلال قراره السياسي عن كل وصاية أو تدخل، كما أنه يتيح حماية وحدته، وضمان الانضباط لقراراته، ويعيد بناء جسور الثقة بين مكوناته وبينها وبين المجتمع.
2-اللامركزية: وتأسيسا على هذا الاختيار الذي لا مناص منه لتمكين الذات الحزبية من تجاوز الأعطاب التي تشكو منها؛ يفرض التحول السياسي الذي يعرفه المجتمع المغربي وينخرط فيه الاتحاد الاشتراكي بقوة؛ أن يتم التقليص من الطابع المركزي للتنظيم والقرار الحزبيين، وذلك بأن يتجه الحزب نحو بناء يقترب مؤسساتيا من النظام البرلماني وتنظيميا من الجهوية الموسعة المعمول بها لدى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في بلدان الجوار المتوسطي، بأن تصبح الجهات الحزبية كيانات حقيقية، ذات صلاحيات واختصاصات واسعة في تدبير الشأن الحزبي على مستوى الجهة، وبأن يكون لها دور فاعل في القرار الحزبي الوطني، وشريكا حقيقيا في السلطة الحزبية المركزية، بما يراعي فعالية وحيوية ونجاعة هذه التنظيمات الجهوية.
3-المأسسة والتقنين: وإذا كان فصل وتوازن السلط، وتقليص الطابع المركزي للسلطة والقرار الحزبيين من مستلزمات إعادة بناء الحزب على أسس جديدة؛ فإن هذا البناء لن يكتمل إلا إذا تم تحصينه بتدقيق القواعد والمساطر التي يجب أن تحكم العلاقات بين مختلف الأجهزة والتنظيمات الحزبية مجاليا وقطاعيا، باعتبارها مؤسسات ذات وظائف ومهام محددة. مساطر تتيح لكل عضوة وعضو في الاتحاد، ولكل راغب في الالتحاق بالحزب، التعرف بشكل واضح على الحقوق والالتزامات الناتجة عن هذا الانتماء، وكيفية اكتساب العضوية في هياكله ومؤسساته، وكيفية الانتداب للمؤسسات والوظائف
المرتبطة بنشاط الحزب في مؤسسات المجتمع ودواليب الدولة. إن وضوح وشفافية هذه المساطر سيمكن الحزب من التغلب على مظاهر الإقصاء والتجييش والتسيب التي تطبع بنيانه في محطاته التنظيمية واستحقاقاته الانتخابية.
4-المشروعية الديمقراطية: إن القاعدة الأساسية والمرجعية التي يجب أن تحكم تدبير الحياة الداخلية للحزب وتؤطر المنافسة بين أعضائه لتولي مختلف المسؤوليات هي المشروعية الديمقراطية الناتجة عن إرادة القاعدة الحزبية. مما يقتضي توسيع وتمتين الديمقراطية الداخلية باعتبارها الضامن لوحدة الحزب، وتكريس السلوك الديمقراطي في التعبير والممارسة، والتوافق على أن الديمقراطية ليست شعارا بل منهجا وسلوكا والتزاما:
- منهجا: من حيث يجب أن تخضع كل الاستحقاقات الحزبية لقاعدة الاقتراع السري أو العلني عند الاقتضاء، يمارس من طرف القاعدة الحزبية أو مؤسساتها المنتخبة على أساس لوائح للعضوية لا تحتمل المنازعة والتشكيك، مع توفير الضمانات الضرورية لحماية عمليات الاقتراع والفرز من كل ما يمكن أن ينال من نزاهتها، والاستعانة بالأساليب الحديثة التي يتيحها التطور التقني في هذا المجال.
- سلوكا: من حيث يجب أن يتشبع جميع المنخرطين بقيم التسامح، واحترام الرأي المخالف، وعدم المساس بحرمة وكرامة الآخر وحياته الشخصية، وبالتزام قواعد المروءة واللياقة في النقاش والتعبير عن الرأي.
- والتزاما: من حيث يتعين الانضباط الفردي والجماعي للقرار الحزبي المستوفي للمشروعية، واللجوء إلى مساطر الطعن أمام المؤسسات المخولة بذلك عند كل منازعة أو اعتراض، عوض اللجوء إلى الأساليب البدائية في التشهير والتمرد والتشويش .. وغيرها من الأساليب التي أساءت كثيرا إلى صورة الحزب وسمعته في المجتمع.
5-وضوح المهام والوظائف: وحتى يمكن تحقيق الأهداف المتوخاة من وجود التنظيمات الحزبية؛ وجب أن تنكب المساطر المطلوب إنجازها على تحديد دقيق لوظائف مختلف الأجهزة والتنظيمات الحزبية، بما يجعلها أدوات حقيقية للعمل والتواصل وخدمة المجتمع، أدوات ذات جاذبية وذات مصداقية، مرتبطة ومنغرسة في التربة المجتمعية بمختلف تعبيراتها، من تنظيمات جمعوية ونقابية ومؤسسات منتخبة، منفتحة على الطاقات والكفاءات المؤمنة بالمشروع الاشتراكي الديمقراطي الحداثي. تنظيمات مبادرة وقادرة على إنتاج واقتراح البدائل.
6-ربط المسؤولية بالمحاسبة والنجاعة والتجديد: ولضمان قيام التنظيمات الحزبية بوظائفها؛ يتعين التشديد على جملة ضوابط لحمايتها من التكلس والانغلاق، من خلال التنصيص على ربط المسؤولية بالمحاسبة باشتراط تقديم المترشحين لمختلف المسؤوليات الحزبية والتمثيلية لبرنامج عمل تؤطره مواقف الحزب وقرارات أجهزته المخولة يكون أساسا للتقييم والمحاسبة أثناء تولي المسؤولية وبعد الفراغ منها. وتقرير مبدأ عدم مراكمة المسؤوليات. وحصر عدد الولايات المسموح بها في الأجهزة التنفيذية على جميع مستويات المسؤولية لإتاحة الفرص لتجديد النخب الحزبية. والتعويض في المهام والمسؤوليات حالة الانقطاع أو الغياب المتكرر أو التقاعس عن تحمل المسؤولية. واعتبار المسؤولية الحزبية بمثابة تكليف بإنجاز مهام، غايتها توسيع قاعدة الحزب وتحقيق نتائج في الاستحقاقات الانتخابية، يترتب عن ثبوت نسبة الفشل فيها- بعد التقييم الموضوعي- لأفراد أو مؤسسات الزجر أو الاستقالة والتجديد.
7-التخليق: لقد أكدت الندوة الوطنية حول التنظيم في مقررها أن التنظيم الحزبي ليس آلة صماء، وليس مجرد دواليب مؤسساتية جامدة وباردة، وهو كذلك ليس مجرد قواعد ولوائح وإجراءات، بل هو أساسا تنظيم يتأسس على عمل مناضلين يتحركون استنادا إلى أفكار ومبادئ ومراجع ومثل وقيم، ويقدمون ضمن محيطهم العائلي والمهني والمجتمعي العام الدليل على تشبعهم بروح المسؤولية والاستقامة، ورشفهم من معين القيم الإنسانية النبيلة.
وحتى قبل أن يوضح الاتحاد الاشتراكي سنة 1975هويته الإيديولوجية واختياراته البرنامجية، فان الذي كان يعطيه المصداقية والإشعاع هو نبل السلوك الذي ميز قادته ومناضليه، وأكسبهم التعاطف الجماهيري الواسع.
وتزداد أهمية بعد التخليق اليوم اعتبارا لكون العمل في المؤسسات المنتخبة يضع المناضلين في موقع اللقاء والتماس المباشر مع المواطنين، بما يجعل حكم الناس على التصرفات جزءا من تفاعلهم اليومي مع الحدث السياسي، ومقياسا أوليا للحكم على المنظمات السياسية. ولذالك فان الحزب مدعو إلى إقرار مدونة سلوك لمناضليه في مختلف الواجهات ترتكز في المنطلق على ثلاثة التزامات أساسية:
* تقديم كشف بالممتلكات قبيل وعقب تحمل أية مسؤولية من مسؤوليات العمل الجماعي أو التشريعي أو الحكومي أو في أية مؤسسة من المؤسسات العامة.
* تقديم حصيلة العمل أمام المواطنين بصفة منتظمة ودورية بخصوص النشاط المضطلع به من طرف المناضل الحزبي في مختلف مواقع المسؤولية.
* السهر على جعل المواطنين في كل الظروف احد الالتزامات الأساسية للمناضل أمام الحزب.
إن نبل المشروع المجتمعي الذي يحمله الاتحاد، وقدم في سبيله الرواد التضحيات الجسام من أرواحهم وأجسادهم وحرياتهم وأرزاقهم؛ يفرض على حملة هذا المشروع اليوم التحلي بروح التطوع لخدمة الصالح العام بنزاهة واستقامة ونكران ذات.و مع ما طبع ممارسات بعض من مسيري الشأن العام المحسوبين على الحزب في بعض المناطق من انحراف وفساد، كان لها أبلغ الأثر على صورة الحزب في المجتمع.
كل ذلك يجعل مهمة السهر على احترام أخلاقيات الحزب مهمة آنية وضرورية، ومن تم الدعوة إلى إحداث جهاز للتحكيم والأخلاقيات، تكون إحدى مهامه المركزية التصدي لكل انحراف عن أخلاقيات الحزب سواء في تحمل أعباء المسؤولية الحزبية أو تمثيل الحزب أمام المواطنين.
8-التدبير الديمقراطي للكوطا في أفق المناصفة: وإذا كان الاتحاد الاشتراكي سباقا إلى سن أسلوب الكوطا بغرض التمكين للنساء والشباب في هياكله التنظيمية، فإن التطور الذي يعرفه المجتمع وما تضمنه الدستور الحالي من حث على المناصفة، يفرض الارتقاء بتمثيلية النساء والشباب في المؤسسات الحزبية بما يراعي هذا التطور، وبما يضمن أن يظل الاتحاد قاطرة حقيقية في هذا المجال.
غير أن مبدأ الكوطا المعمول به في الحزب، وعوض أن يؤدي الغايات المتوخاة منه في توسيع قاعدة الحزب من النساء والشباب، تحول إلى نوع من الريع الحزبي يتم احتكاره والحيلولة دون التوسع المنشود خوفا من المنافسة. مما يقتضي تحصين هذا المبدأ النبيل بقصر حق الاستفادة منه ?الكوطا- في ولايتين متتاليتين في نفس الجهاز التنفيذي، وفي أقصى الحالات في ثلاث ولايات في المجموع في مختلف الأجهزة التنفيذية، وأن يقتصر على ولاية واحدة في المهام التمثيلية.
إن التدبير الديمقراطي لمبدأ التمييز الإيجابي في أفق المناصفة يفرض أن يتم تصريف الكوطا بالشكل الذي يقوي التنافس على توسيع قاعدة الحزب من النساء، وأن تكافأ الطاقات النشيطة لتشجيعها على مزيد من العطاء.
9 -التكوين: ومن جملة القضايا ذات الأولوية في مسار إعادة بناء الحزب على أسس جديدة؛ الانكباب على مجال التكوين لتمكين الاتحاد من تأهيل أطره لتحمل المسؤوليات في مختلف واجهات الحياة الحزبية والعامة.
كما يتعين النهوض بالمؤسسة الاشتراكية للأبحاث والدراسات لتقوم بالدور الموكول لها في إنتاج البرامج والأفكار التي تمكن الحزب من تجديد مشروعه المجتمعي في ضوء التطورات التي تحفل بها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما يتعين سيرا على نهج الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية عقد جامعة صيفية وطنية سنويا، تكون مناسبة للتفكير والنقاش لإغناء الفكر السياسي للحزب ومشروعه المجتمعي.
10-الإعلام والتواصل: يشكل الإعلام والتواصل إحدى الركائز الأساسية في استراتيجية الحزب لتمكينه من التواصل مع قاعدته ومع الرأي العام.
وإذا كان تراجع الحزب قد انعكس على رواج إعلامه المكتوب، مثلما أثر تراجع رواج الإعلام الحزبي على الامتداد الجماهيري للحزب في علاقة تأثير وتأثر؛ فإن المرحلة تقتضي التفكير بجدية في المشروع الإعلامي للحزب من خلال استعمال التقنيات الحديثة للتواصل الداخلي مع القاعدة الحزبية، والانفتاح على المجتمع وطاقاته الشابة، مما يقتضي الانكباب بشكل مستعجل على تحيين موقع الحزب على الانترنيت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وتهيئ مشروع متكامل في مجال التواصل والإعلام الحزبيين.
11-التضامن: إن المشروع المجتمعي الديمقراطي الاشتراكي الحداثي التضامني الذي يتبناه الحزب، يفرض إيلاء العناية الضرورية لجانب التضامن في هذا المشروع، والذي شكل إحدى نقط القوة في لحظات أساسية من التاريخ النضالي لحزبنا. والمبادرة إلى تأسيس المؤسسة الاشتراكية للتضامن التي سبقت المناداة بتأسيسها في مؤتمرات سابقة. إذ من شأن إحداث وتفعيل هذه المؤسسة أن يعيد للحزب دوره في تمتين أواصر التضامن بين الاتحاديين عند الحاجة، وبينهم وبين الفئات المعوزة في المجتمع. وهي مؤسسة تتقاطع مع اقتراح تأسيس المؤسسة الاشتراكية للتنمية البشرية.
إن إعمال هذه المبادئ في الحياة التنظيمية للحزب، يفضي إلى إعادة بناء الهياكل الحزبية وطنيا وحهويا وإقليميا ومحليا وفقا لقواعد جديدة، كما يقتضي إعادة النظر في كيفية انتخاب الأجهزة الحزبية، وتحديد مهامها ووظائفها.
I. في الهياكل الحزبية:
1- الأجهزة الوطنية:
* المؤتمر الوطني:
- ينعقد المؤتمر الوطني كل أربع سنوات. ويمكن عقد مؤتمر استثنائي عند الاقتضاء.
- هو أعلى هيئة تقريرية في الحزب.
- يضع التوجهات الإستراتيجية والخط المرحلي للحزب.
- يختص بتعديل القانون الأساسي للحزب، و يمكنه أن يفوض ذلك للمجلس الوطني.
- ينتخب الكاتب الأول وأعضاء اللجنة الإدارية الوطنية.
- يتشكل المؤتمر الوطني العادي من مؤتمرين بالصفة ومؤتمرين بالانتخاب.
- المؤتمرون بالصفة: أعضاء المجلس الوطني وأعضاء اللجنة التحضيرية بمن فيهم فعاليات تضاف إلى اللجنة التحضيرية في حدود عشرة في المائة من عدد أعضاء الجنة الادارية يقترحهم الكاتب الأول وتصادق عليهم اللجنة الإدارية.
- المؤتمرون بالانتخاب: يحدد عدد المؤتمرين بالانتخاب من طرف اللجنة التحضيرية للمؤتمر. على قاعدة حاصل الأصوات التي حصل عليها الحزب في آخر انتخابات جماعية وتشريعية السابقة على انعقاد المؤتمر مقسوم على اثنين. وعلى قاعدة عدد الأعضاء المقيدين في قوائم العضوية المحصورة طبقا لقرار المجلس الوطني بتاريخ 30_09_2012 المشار إليه في كتاب المكتب السياسي إلى كتاب الجهات والأقاليم والفروع المؤرخة في 03_10_2012. ويتم توزيع عدد المؤتمرين على الجهات تم الأقاليم الحزبية وفقا لنفس القاعدة بحسب 75 في المائة لحاصل الأصوات الانتخابية و 25 في المائة للعضوية.
- ينتخب المؤتمرون للمؤتمر الوطني على مستوى الفروع الحزبية، ويمكن للكتابة الإقليمية في حالة عدم استيفاء فرع أو أكثر لنصاب انتخاب مؤتمر جمع فرعين أو أكثر لإجراء عملية الانتخاب.
- يشترط في الترشح للمؤتمر أقدمية ثلاث سنوات.
يتشكل المؤتمر الوطني الاستثنائي من أعضاء المجلس الوطني وأعضاء الكتابات الجهوية و الكتابة الوطنية للنساء و المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية.
* المجلس الوطني: يجتمع في دورات عادية مرة كل ستة أشهر على الأقل بدعوة من رئيس اللجنة الإدارية، ويمكن أن يعقد دورات استثنائية بقرار من اللجنة الإدارية الوطنية أو بناء على ملتمس يوقعه ربع أعضاء المجلس. ويتكون المجلس الوطني من:
- أعضاء اللجنة الإدارية الوطنية.
- البرلمانيون الاتحاديون في مجلس النواب ومجلس المستشارين.
- الرؤساء الاتحاديون للجهات.
- كتاب الأقاليم الحزبية.
- المنسق الوطني عن كل قطاع حزبي مهيكل وطنيا.
- الكتاب العامون الاتحاديون للنقابات الوطنية.
_ عضوات الكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات.
_ أعضاء المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية.
ويقرر في القضايا في القضايا التالية:
- الموقف من الاستفتاء.
- تعديل النظام الأساسي بتفويض من المؤتمر.
- يمكن للجنة الإدارية تلقائيا أو بطلب من الكاتب الأول أن تعرض على المجلس الوطني إبداء رأي استشاري في الموقف من المشاركة في الحكومة أو الانسحاب منها، وفي طبيعة التحالفات وغيرها من القضايا التي تختص اللجنة الإدارية الوطنية بالتقرير فيها.
_ يمكن للمجلس الوطني أن يشكل لجنا وطنية دائمة أو موضوعاتية عند الاقتضاء.
* اللجنة الإدارية الوطنية: هي أعلى جهاز تقريري في الحزب.
تتكون اللجنة الإدارية من أعضاء منتخبين وأعضاء بالصفة:
- المنتخبون: وعددهم 300، ينتخبون من بين المؤتمرين للمؤتمر الوطني الذين يستوفون 5 سنوات من الأقدمية الحزبية، وتتوفر فيهم الشروط المطلوبة لأهلية الترشيح، بأن يكون المرشح مقيدا في قائمة العضوية الحزبية، وأن يوجد في وضعية نظامية بالنسبة لالتزاماته المالية الناتجة عن العضوية أو عن تولي مهام انتدابية أو تمثيلية باسم الحزب، وأن لا يكون قد صدر في حقه إجراء تأديبي لم يسقط بالتقادم، وأن لا يوجد في حالة من حالات التنافي، وأن لا يكون قد استوفى عدد الولايات المسموح بها بمقتضى القانون الداخلي، وأن يكون قد سبق له تحمل المسؤولية في جهاز وطني أو جهوي أو إقليمي أو محلي تقريريا كان أو تنفيذيا. وتمتد ولايتهم خلال مدة الولاية بين مؤتمرين وطنيين.
- ينتخب أعضاء اللجنة الإدارية وفقا للمسطرة التالية.
- 150 عضوة وعضو، يوزع هذا العدد بين الجهات الحزبية بالتناسب مع عدد مؤتمري كل جهة. ينتخبون في المؤتمر على مستوى كل جهة حزبية من قبل مؤتمري نفس الجهة. ويتم انتخابهم بواسطة الاقتراع السري وعلى قاعدة التصويت الفردي وبالأغلبية النسبية في دورة واحدة.
- 150 عضوة وعضو ينتخبون من طرف المؤتمرين للمؤتمر الوطني بواسطة الاقتراع السري على قاعدة التصويت الفردي وبالأغلبية النسبية في دورة واحدة.
تراعى في الحالتين معا كوطا النساء بحسب الثلث والشباب بحسب عشرة بالمائة.
- بالصفة: الكاتب الأول، أعضاء المكتب السياسي، الكاتب الأول المنتهية ولايته، الوزراء الاتحاديون في الحكومة التي قرر الحزب المشاركة فيها، رئيسي الفريقين البرلمانيين، كتاب الجهات، الكاتبة العامة للنساء الاتحاديات، الكاتب العام للشبيبة الاتحادية.
تدعى اللجنة الادارية الوطنية في أول دورة لها بعد المؤتمر من قبل رئيس المؤتمر و إن تعذر فمن قبل الكاتب الاول المنتخب داخل أجل ثلاثون يوما من تاريخ انتهاء اشغال المؤتمر من أجل انتخاب رئيس لها و نائبين له و مقرر و نائبين له
يتولى رئيس اللجنة الإدارية بعد انتخابه الإشراف في نفس الدورة على انتخاب أعضاء المكتب السياسي، وأعضاء لجنة التحكيم والأخلاقيات، وأعضاء لجنة المراقبة المالية والإدارة والممتلكات .
- الاختصاصات:
- تعرض على اللجنة الإدارية جميع القضايا المرتبطة بتصريف الخط السياسي المرحلي للحزب.
- تنتخب أعضاء المكتب السياسي، وتقرر إقالتهم وتعويضهم.
- تنتخب أعضاء لجنة التحكيم والأخلاقيات وأعضاء لجنة المراقبة المالية والإدارة والممتلكات، وتعوضهم في حالة الشغور.
- يمكن للجنة الإدارية أن تقرر إقالة الكاتب الأول عن طريق ملتمس سحب الثقة يوقعه ثلث أعضاء اللجنة الإدارية، ولا يعتبر الملتمس نافذا إلا بعد التصويت عليه من طرف ثلثي أعضاء اللجنة الإدارية الوطنية. لا يمكن أن يعرض طلب إقالة الكاتب الأول لأكثر من مرتين خلال نفس الولاية.
- تراقب الكاتب الأول والمكتب السياسي عن تنفيذ قرارات المؤتمر الوطني وعن التدبير السياسي والإداري للحزب.
- تصادق على مقترحات الكاتب الأول بشأن التعيين في مهام الإدارة الحزبية، والإعلام الحزبي، والتعيين باسم الحزب في الحكومة وفي الوظائف السامية وفي المجالس الوطنية الاستشارية. وتضع الضوابط والمساطر الخاصة بالتعيين في هذه المهام.
- تقوم اللجنة الإدارية الوطنية بانجاز الدراسات وبلورة المشاريع والمقترحات من خلال اللجان المنبثقة عنها.
- تتتبع وتراقب أداء وزراء الحزب وبرلمانييه بغرفتيه، وكل الأعضاء المعينين في أجهزة رسمية بصفتهم الحزبية.
- تصادق على الميزانية السنوية للحزب التي يعرضها الكاتب الأول أو أمين المال. وتصادق عند نهاية السنة المحاسبية على تقرير صرف الميزانية بعد الاستماع إلى تقرير الكاتب الأول أو أمين المال، وكذا تقرير لجنة مراقبة المالية والإدارة والممتلكات. لا يشارك أعضاء لجنة مراقبة المالية والإدارة والممتلكات في التصويت على تقرير صرف الميزانية المعروض على اللجنة الإدارية، وينسحبون عند الاقتضاء من الاجتماع حتى إجراء عملية التصويت.
- تستمع إلى تقرير سنوي يقدمه رئيس أو مقرر لجنة التحكيم والأخلاقيات بشأن نشاط اللجنة، وتتخذ القرارات المناسبة في القضايا التي ترجع إلى اختصاصها والتي يعرضها التقرير. ويمكن للجنة الإدارية أن تطلب من هذه اللجنة تحرير أو تقديم تقرير يهم قضية من القضايا أو الحالات التي تدخل في اختصاصات اللجنة الإدارية الوطنية. لا يشارك أعضاء لجنة التحكيم والأخلاقيات في التصويت على المقررات التي تعرضها على اللجنة الإدارية والتي سبق لهم إبداء الرأي فيها، وينسحبون عند الاقتضاء من الاجتماع حتى إجراء عملية التصويت.
- يمكن للجنة الإدارية الوطنية أن تشكل لجنا للتقصي في كل قضية تتعلق بحسن سير التنظيم الحزبي أو بالإخلال بتوجهات الحزب في المهام التمثيلية وطنيا وجهويا.
- تستمر اللجنة الإدارية الوطنية في القيام بمهامها إلى اليوم الذي تنتخب فيه اللجنة الإدارية الوطنية في المؤتمر الموالي.
- آليات الاشتغال
- تعقد اللجنة الإدارية الوطنية أربع دورات عادية في السنة بدعوة من رئيسها بعد إخبار الكاتب الأول خلال أشهر يناير، ابريل، يوليوز، أكتوبر. و يمكن أن تعقد دورات استثنائية بدعوة من رئيسها، أو بناء على طلب من الكاتب الأول، أو بناء على ملتمس موقع من طرف ثلث أعضائها.
- يتوزع أعضاء اللجنة الإدارية الوطنية على لجن وظيفية، ولجن موضوعاتية مستلهمة من اللجان البرلمانية. ويمكن للجنة الإدارية تشكيل لجن خاصة للتحقيق والتقصي عند الاقتضاء.
- يستدعى أعضاء اللجنة الإدارية الوطنية من طرف رئيسها بعد إخبار الكاتب الأول، وفي حالة غيابه نائبه، لحضور دورة اللجنة الإدارية خمسة عشر يوما على الأقل من يوم افتتاح الدورة، ويرفق الاستدعاء بمشروع جدول الأعمال المقترح.
- يوجه الكاتب الأول باسم المكتب السياسي إلى رئيس اللجنة الإدارية النقط التي يعتزم إدراجها في جدول أعمال دورة اللجنة الإدارية قبل الموعد المحدد لتوجيه الاستدعاء.
- يقدم الكاتب الأول في افتتاح الدورة تقريرا باسم المكتب السياسي يتلوه نقاش، وتقدم اللجن الفرعية تقارير عن اجتماعاتها، ويعلن عن انتهاء الاجتماع بعد الانتهاء من دراسة جدول الأعمال.
- تعقد اللجنة الإدارية دوراتها بنصاب أغلبية أعضائها في الاستدعاء الأول، وبمن حضر في الاستدعاء الثاني. وتتخذ قراراتها بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين في الاجتماع.
* الكاتب الأول:
- هو قائد الحزب والناطق الرسمي باسمه، وهو الذي يمثله في قضايا الحياة المدنية والقضائية، وهو الرئيس التسلسلي للإدارة الحزبية، وهو الآمر بالصرف في تدبير مالية الحزب.
- الانتخاب:
ينتخب الكاتب الأول من طرف المؤتمرين في المؤتمر الوطني بواسطة الاقتراع السري بالأغلبية المطلقة للأصوات المعبر عنها في الدور الأول، وفي حالة عدم تحقيق هذا النصاب ينظم دور ثان بين المرشحين الحاصلين على المرتبتين الأولى والثانية في الدور الأول. يعلن فائزا المرشح الحاصل على أعلى عدد من الأصوات في الدور الثاني، ،إذا تعادلت الأصوات يعتبر منتخبا المرشح الأصغر سنا. وفي حالة انسحاب أحدهما يعلن انتخاب الآخر كاتبا أولا.
ينتخب الكاتب الأول لولاية تمتد بين المؤتمرين الوطنيين، ولا يمكن أن ينتخب إلا لولايتين متتاليتين، ويمكنه الترشح من جديد بعد انقضاء الولاية الموالية لفراغه من الكتابة الأولى، على أن لا يتعدى مجموع الولايات المسموح بها ثلات ولايات في المجموع.
يشترط في المترشح لمهمة الكاتب الأول أن يستوفي 10 سنوات من الأقدمية الفعلية في الحزب، وأن يكون قد سبق أن تحمل مسؤولية في الأجهزة الوطنية التنفيذية أو التقريرية للحزب، أو في جهاز تنفيذي جهوي أو إقليمي. وتعتبر الأقدمية والمسؤولية بالنسبة للملتحقين في الحزب الذي التحقوا منه. ويشترط أن يكون المرشح مقيدا في قائمة العضوية الحزبية، وأن يوجد في وضعية تنظيمية بالنسبة لالتزاماته المالية الناتجة عن العضوية أو عن تولي مهام انتدابية أو تمثيلية باسم الحزب. وأن لا يكون قد صدر في حقه إجراء تأديبي لم يسقط بالتقادم، وأن لا يوجد في حالة تنافي مع مهمة الكاتب الأول، وأن لا يكون قد استوفى عدد الولايات المسموح بها.
- تقدم الترشيحات لمنصب الكاتب الأول إلى رئاسة اللجنة التحضيرية، شهرا على الأقل قبل موعد المؤتمر، وتكون مصحوبة ببرنامج عمل يشكل قاعدة للتعاقد مع المترشح.
- تتولى لجنة التأهيل للترشيح البت في استيفاء المرشحين للشروط المنصوص عليها أعلاه، داخل أجل لا يتعدى الثلاثة أيام من تاريخ انتهاء أجل تلقي الترشيحات.
- تتكون لجنة التأهيل للترشيح من رئيس اللجنة التحضيرية ورؤساء اللجن المتفرعة عنها.
يعقد المرشحون لقاءات جهوية أو إقليمية مع المؤتمرين والمناضلين لتقديم أرضية تحدد تصورهم والكيفيات و الوسائل التي سيطبقون لتنفيذ برنامج الحزب، خلال الشهر الفاصل قبل موعد المؤتمر.
تحدد آجال الترشيح والحملة الانتخابية وشكلياتها بمقرر خاص لرئاسة اللجنة التحضيرية.
المكتب السياسي: هو الجهاز التنفيذي الأعلى في الهرمية التنظيمية للحزب:
يتكون بالإضافة إلى الكاتب الأول، من عدد يتراوح بين 19 و 33 عضوة وعضو، يحدد عددهم وينتخبون في أول اجتماع لأعضاء اللجنة الإدارية المنتخبين في المؤتمر وفقا للمسطرة التالية:
يقترح الكاتب الأول لائحة مفتوحة، ويمكن لكل عضو من أعضاء اللجنة الإدارية المستوفين لشروط الترشيح لعضوية المكتب السياسي تقديم ترشيحه الشخصي.
- يشترط للترشيح لعضوية المكتب السياسي نفس الشروط المنصوص عليها لأهلية الترشيح لمهام الكاتب الأول، ويحدد عدد الولايات لعضوية المكتب السياسي في نفس عدد الولايات المحدد للكاتب الأول.
- تعرض لائحة بأسماء جميع المرشحين للتصويت من طرف أعضاء اللجنة الإدارية بواسطة الاقتراع السري وعلى قاعدة التصويت الفردي وبالأغلبية النسبية في دورة واحدة.
تمتد ولاية أعضاء المكتب السياسي خلال مدة ولاية الكاتب الأول بين مؤتمرين وطنيين. يجتمع أسبوعيا، وتوزع المهام بين أعضائه على أساس المسؤولية الفردية والجماعية وفقا للترتيبات التالية: نائب أو نواب للكاتب الأول. أمين المال ونائبه أو نوابه، مقرر ونائبه أو نوابه. لجن وطنية وفقا لمهام ووظائف يكلف بها عضو أو أكثر من المكتب السياسي منها:
- مكلف بقضايا التنظيم.
- مكلف بالشؤون السياسية والمؤسساتية.
- مكلف بالإعلام والتواصل والتكوين.
- مكلف بالعلاقات الخارجية.
- مكلف بقضايا العدالة والحريات العامة وحقوق الإنسان.
- مكلف بالمنظمات الجماهيرية والعلاقة مع المنظمات غير الحكومية.
- مكلف بالتربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي.
- مكلف بالسياسة الاقتصادية والمالية.
- مكلف بالقضايا الاجتماعية.
- مكلف بقضايا إعداد التراب الوطني والماء والبيئة والطاقة.
- مكلف بالإدارة الحزبية والممتلكات.
- مكلف بالمناصفة وتكافؤ الفرص.
يعقد المكتب السياسي لقاءات منتظمة مع فريق مكون من رئيسي الفريقين البرلمانيين وكتاب الجهات الحزبية.
- يدير الكاتب الأول والمكتب السياسي في الشأن الحزبي بين دورتي اللجنة الإدارية الوطنية.
- تستمر ولاية الكاتب الأول والمكتب السياسي إلى حين انعقاد الاجتماع الأول للمكتب السياسي بعد المؤتمر الموالي.
* اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات: تعتبر بمثابة الجهاز الذي يبت انتهائيا في جميع الطعون الناتجة عن العضوية وعن الاستحقاقات الداخلية للحزب، وتعتبر الضامن لاحترام أخلاقيات الحزب في ممارسة المهام الحزبية والتمثيلية.
- تتشكل من 11 عضوة وعضوا، عشرة منهم ينتخبون من طرف اللجنة الإدارية، يضاف إليهم الكاتب الأول المنتهية ولايته، وفي حالة تعذر ذلك، تنتخب اللجنة الإدارية مجموع أعضاء اللجنة.
- تنتخب اللجنة من طرف أعضاء اللجنة الإدارية وفقا للشروط والكيفيات المنصوص عليها في النظام الداخلي.
- يشترط في المرشحين لعضوية لجنة التحكيم والأخلاقيات أن يتميزوا بالمروءة والاستقامة والنزاهة، وأن يستوفوا 20 سنة من الأقدمية الفعلية في الحزب، وأن يكونوا قد تمرسوا في المسؤوليات الحزبية بعضوية جهاز تنفيذي أو تقريري وطني أو جهوي، وأن يكونوا في وضعية نظامية بخصوص العضوية الحزبية والالتزام المالي. ويراعى في بعض أعضاء اللجنة الخبرة والتجربة القانونية الضرورية للتعاطي مع قضايا الطعون.
- تتنافى عضوية لجنة التحكيم والأخلاقيات مع العضوية في جهاز تنفيذي حزبي على جميع مستويات المسؤولية من الفرع إلى المكتب السياسي، ومع رئاسة مؤسسة منتخبة، ومع عضوية الحكومة أو المجالس الوطنية الاستشارية.
* اللجنة الوطنية لمراقبة المالية والإدارة والممتلكات: تعتبر بمثابة جهاز للتدقيق في الحسابات المالية للحزب، ومطابقتها لقواعد الصرف، وتقدم تقريرا سنويا أمام اللجنة الإدارية في أعقاب نهاية السنة المحاسبية للحزب.
تراقب التدبير المالي لجميع الأجهزة التنفيذية الحزبية التي تتلقى دعما من الميزانية الوطنية، أو إذا طلب منها تدقيق في حسابات جهاز تنفيذي بناء على ملتمس يرفعه جهاز أعلى أو الجهاز التقريري لنفس الجهاز يوقعه ربع أعضائه.
كما تتولى مراقبة التسيير الإداري للحزب، وتمسك جردا بممتلكاته، وتراقب كيفية تسيير هذه الممتلكات.
- تتشكل من سبعة أعضاء تنتخبهم اللجنة الإدارية الوطنية وفقا للشروط والكيفيات التي يقررها النظام الداخلي.
- يشترط في المرشحين لعضوية لجنة المراقبة المالية والإدارة والممتلكات نفس الشروط المطلوبة في عضوية لجنة التحكيم والأخلاقيات، على أن يراعى في بعض أعضائها الخبرة والتجربة في التدبير المالي.
- تتنافى عضوية لجنة المراقبة المالية والإدارة والممتلكات مع العضوية في جهاز تنفيذي حزبي على جميع مستويات المسؤولية من الفرع إلى المكتب السياسي، ومع رئاسة مؤسسة منتخبة، ومع عضوية الحكومة أو المجالس الوطنية الاستشارية.
* المؤسسة الاتحادية الوطنية للتضامن: تعتبر بمثابة جهاز لتدبير صندوق وطني للتضامن، يتم تخصيص اعتماداته من الميزانية العامة للحزب، ويفتح في وجه التبرعات والهبات، ولا تقبل الهبات إلا بقرار من اللجنة الإدارية الوطنية.
- تعتبر اللجنة الإدارية بمثابة المجلس الإداري للمؤسسة، وهي التي تنتخب المكتب المسير للمؤسسة.
- ترصد اعتمادات هذا الصندوق لمواجهة الحالات الإنسانية التي تواجه الاتحاديين وأسرهم من أصول وفروع، كما يمكن للمؤسسة تقديم العون للحالات الإنسانية التي تعرض أمامها بعد إعمال سلطتها التقديرية في كل نازلة.
- تتشكل من سبعة أعضاء يقترح رئيس اللجنة الإدارية لائحة بأسمائهم على اللجنة الإدارية للمصادقة بعد الاستشارة مع الكاتب الأول.
يتولى رئيس اللجنة الإدارية بعد انتخابه الإشراف في نفس الدورة على انتخاب أعضاء المكتب السياسي، وأعضاء لجنة التحكيم والأخلاقيات، وأعضاء لجنة المراقبة المالية والإدارة والممتلكات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.