يثير إصرار بعض الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي على استغلال القطاعات الحكومية في حملاتها الانتخابية، تساؤلات عميقة حول طبيعة الممارسة السياسية، وحدود الفصل بين ما هو تدبيري وما هو انتخابي، وحول مدى استيعاب هذه الأحزاب للتحولات الدستورية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب، وعلى رأسها ورش الجهوية المتقدمة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فرغم حجم الانتقادات الصادرة عن مختلف الأطياف السياسية، ورغم التنبيهات المتكررة الصادرة عن فاعلين مؤسساتيين ومدنيين، لا تزال بعض الممارسات تعكس تعاملاً مع القطاعات الحكومية وكأنها امتداد تنظيمي حزبي، تُستثمر برامجها ومشاريعها في تسويق انتخابي مبكر، بعيداً عن منطق الحياد الذي يفترض أن يطبع العمل الحكومي. وقد جاء الاجتماع الأخير الذي ترأسه وزير الداخلية، وجمع رؤساء الجهات بوزراء القطاعات الحكومية، ليؤكد بوضوح الإرادة الرسمية في تسريع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، وتجاوز منطق التداخل والارتباك في الاختصاصات، بما يضمن نجاعة أكبر في تنفيذ المشاريع، واحترام مبدأ التدبير الحر، وتحقيق العدالة المجالية. غير أن هذا التوجيه الواضح لم ينعكس، إلى حدود الساعة، على ممارسات بعض القطاعات الوزارية، وفي مقدمتها وزارة التجهيز. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تنكب الوزارة على مهامها الاستراتيجية ذات الطابع الوطني، لا تزال تصر على إنجاز مشاريع طرقية غير مصنفة، وداخل المجال الحضري لمدن لا تدخل، من حيث المبدأ، ضمن اختصاصاتها. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا الإصرار، خاصة في سياق سياسي يتسم بتزايد منسوب التنافس الانتخابي، حيث يصبح الحضور الميداني وتكثيف الأوراش وسيلة لاستمالة القواعد، ولو على حساب احترام الاختصاصات القانونية والمؤسساتية. ويزداد هذا الإصرار إثارة للاستغراب إذا ما استُحضر أن جريدة الاتحاد سبق لها أن أثارت هذه القضية في مناسبتين واضحتين. الأولى تعلقت بتنظيم تدشينات لمشاريع لم تتجاوز بعد مرحلة الدراسة، في ما وُصف آنذاك ب"تدشينات على الورق"، بما يحمله ذلك من تضليل للرأي العام وتسويق لإنجازات غير موجودة فعلياً. أما المناسبة الثانية، فتعلقت بمشاريع طرق قروية حاولت الوزارة بخصوصها فرض اتفاقيات على المجالس الإقليمية، في تجاوز واضح لمنطق الشراكة والتعاقد، ولمبدأ التدبير الحر الذي يخول لهذه المجالس سلطة القرار في نطاق اختصاصاتها. ورغم إثارة هذه الاختلالات إعلامياً، وما رافقها من نقاش وانتقادات، استمر الإصرار على نفس النهج، دون تصحيح يُذكر. ويزداد هذا التناقض وضوحاً حين يُقارن الخطاب بالممارسة. فالوزير الوصي، الذي خرج في تجمعه الحزبي بمناسبة 11 يناير متحدثاً عن سعيه إلى "مغرب يسير بسرعة واحدة"، يجد نفسه، في الواقع، يكرس "مغرب السرعتين": مغرب تُحترم فيه الاختصاصات حين يخدم ذلك منطق الدولة، ومغرب آخر تُتجاوز فيه هذه الاختصاصات حين تفرض الحسابات الحزبية نفسها. مغرب تتسارع فيه وتيرة الإنجاز وفق اعتبارات انتقائية، وتُربك فيه الأولويات حيث يفترض أن تسود العدالة المجالية والتكامل بين الفاعلين. إن الإشكال هنا لا يتعلق بقطاع بعينه أو بشخص معين، بقدر ما يعكس أزمة أعمق في فهم وظيفة السلطة وحدودها. فحين تتحول القطاعات الحكومية إلى أدوات للترويج السياسي، وحين تُقدَّم مشاريع الدولة باعتبارها إنجازات حزبية، فإن ذلك يضرب في العمق مبدأ حياد الإدارة، ويقوض الثقة في المؤسسات، ويفرغ ورش الجهوية المتقدمة من مضمونه الحقيقي. لقد كان من المفترض أن يشكل هذا الورش مدخلاً لتجاوز المركزية المقنعة، وتمكين الجهات والجماعات الترابية من ممارسة صلاحياتها كاملة، وفق منطق القرب والنجاعة. غير أن الإصرار على التدخل في اختصاصات المجالس المنتخبة، وتوجيه المشاريع خارج هذا الإطار، يكشف عن مقاومة غير معلنة لهذا الخيار الدستوري، وعن تفضيل واضح لمنطق التحكم السياسي على منطق الشراكة المؤسساتية. وقد تعتقد بعض الأحزاب أن هذا الأسلوب يحقق لها مكاسب ظرفية، لكنه في الواقع يُراكم كلفة سياسية مؤجلة. فاستغلال الدولة انتخابياً لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الخطاب والممارسة، وتعزيز الشعور العام بأن السياسة لم تعد مجالاً للتنافس على البرامج والرؤى، بل ساحة لتوظيف النفوذ والإمكانيات. وهو ما يهدد ليس فقط صورة الأحزاب المعنية، بل مصداقية العمل الحكومي ككل. إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تصدر المشهد السياسي بأي ثمن، بل في إعادة الاعتبار لأخلاقيات الممارسة الحكومية، واحترام صارم للاختصاصات، والتزام فعلي بتوجيهات الدولة بخصوص تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة. فمغرب السرعة الواحدة لا يُبنى بالشعارات ولا بالتجمعات الحزبية، بل بممارسات منسجمة تحترم المؤسسات، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار حزبي ضيق.