يكفي أحيانا أن تدرج نقطة واحدة في جدول أعمال إحدى دورات المجلس الجماعي، حتى تتحرك الأقلام، وتعلو الأصوات، ويخرج من له الصفة ومن ليست له الصفة ليعلنوا رفضهم، كل من زاويته، رافعين شعارا هز مواقع التواصل الاجتماعي قبل سنوات: «مكناس ليست للبيع». غير أن المفارقة الكبرى برزت في إحدى دورات المجلس الحالي، حين تساءل المستشار الاتحادي محمد قدوري، بصوت واضح داخل القاعة: «هل مكناس الآن للبيع؟» ... فكان الجواب صمتا جماعيا مطبقا. صمت ما زال يتردد صداه اليوم، ونحن نتمعن في نقط جدول أعمال دورة فبراير 2026، حيث يطفو السؤال نفسه من جديد، لكن هذه المرة محمّلا بأكثر من علامة استفهام. فجدول أعمال الدورة ليومه الخميس 5 فبراير الجاري، يتضمن نقاطا تشم منها رائحة حملة انتخابية سابقة لأوانها، من خلال اتفاقيات شراكة ظاهرها ثقافي وفني، وباطنها – في نظر ساكنة مكناس ومتتبعي الشأن المحلي – سياسي وانتخابي بامتياز، لا يترك مجالا كبيرا للشك حول الجهة المستفيدة ومن يقف وراءها. هي اتفاقيات تقدم بواجهة ناعمة، لكنها تثير الريبة في توقيتها وأهدافها، وفي غياب نقاش عمومي شفاف حول مضامينها وجدواها. الأخطر من ذلك أن جدول الأعمال، من النقطة 41 إلى 46، يتضمن بيع عقارات في ملك الجماعة، لا لإنجاز مشاريع ثقافية أو رياضية أو اجتماعية لفائدة الساكنة، بل لفائدة خواص، يجهل العديد من أعضاء المجلس كيف تم اختيارهم، ولا ما هي المعايير التي اعتمدت في انتقائهم دون غيرهم، ودون الإعلان عن طلب عروض أو فتح باب المنافسة الشفافة. بيع يطرح أكثر من سؤال حول الحكامة، وتكافؤ الفرص، وحماية المال العام. ويأتي هذا في سياق فشل الجماعة في استخلاص مستحقاتها، حيث ارتفع « الباقي استخلاصه « بشكل مهول، في ما يشبه سياسة « عين ميكة « لاستمالة الموالين في أفق الاستحقاقات المقبلة. فمئات المقاهي والمطاعم وقاعات الحفلات تشتغل دون رخص، أو برخص مشكوك في قانونيتها، دون أثر لها في سجلات الجماعة، وهو ما أكدته جريدة الاتحاد الاشتراكي في عددها 13978 تحت عنوان: « 300 مقهى ومطعم وملبنة دون رخصة استغلال بمكناس. وفي مقابل هذا الواقع، تغيب الأولويات الحقيقية للمدينة. أحياء تعيش في ظلام دامس بسبب ضعف الإنارة العمومية، وطرقات مليئة بالحفر لا تستثني حيا ولا شارعا ولا زنقة، ازدادت سوءا مع التساقطات المطرية التي كشفت حقيقة منح تراخيص البناء وشهادات المطابقة دون احترام شروط تعبيد الطرق وإرجاعها إلى حالتها الأصلية. أما المساحات الخضراء والحدائق التاريخية التي ورثناها عن عهد الحماية، فتبدو من آخر اهتمامات هذا المجلس. والبنية التحتية مهترئة، والأزبال متراكمة بجانب الحاويات، وروائح كريهة تزكم الأنوف، مع انتشار ملحوظ للحشرات قرب البنايات السكنية والمؤسسات التعليمية. مشاهد يومية تمس حق الساكنة في بيئة سليمة وصحة عامة مصونة، كما يضمنها الدستور. ويضاف إلى ذلك استمرار الشركة المفوض لها تدبير النفايات في استعمال آليات الجماعة، التي كان من المفروض أن تعود إلى المرآب بعد انتهاء مدة العقد. وفي المقابل، يغيب التفكير الجدي في إعادة تشغيل الأسواق الجماعية، وتسوية الوضعية القانونية للمستفيدين، وتنظيم النشاط التجاري داخلها، مع استخلاص واجبات الجماعة وترشيد استهلاك الماء والكهرباء. كلها ملفات كان من شأنها تقوية مداخيل الجماعة بدل الارتهان لبيع العقار. كما يغيب الاهتمام بإحداث دور للثقافة أو للشباب، وفضاءات لألعاب الأطفال، مقابل كراء مساحات لشركات بعينها، وتشويه جمالية الأسوار التاريخية للمدينة العتيقة، ضدا في المشروع الملكي لتأهيلها، وكذا بحي مرجان التي انتفض العديد من الأعضاء ضد استغلالها قبل أن يدخلوا «جواهم» لغاية في نفس يعقوب، وتجاهل أزمة النقل الحضري، رغم الوعود بإنهاء العمل مع الشركة ذات الأسطول المتهالك نهاية دجنبر 2025. أمام كل هذا، يظل السؤال قائماً وبإلحاح: يتخبط المجلس الجماعي في صراعات داخلية بين مكوّنات أغلبيته الهشة، بعدما خرج جزء منها ليشكل فريقا أطلق على نفسه اسم «فريق الكرامة»، احتجاجا على إقصائه من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تهم ساكنة مدينة مكناس. فهل مكناس للبيع فعلا؟ من المستفيد من هذه البيوعات؟ وأين هي سلطة الرقابة في اتفاقيات الشراكة وبيع العقار الجماعي؟ أسئلة مشروعة، لا تحتاج إلى صراخ... بل إلى أجوبة واضحة ومسؤولة.