"Ne permets pas à ta langue de courir au-devant de ta pensée". Chilon الخشبُ يتكلَّم كم مرة جلستَ أمام الشاشة تَنتظرُ جوابًا واضحًا فوجدتَ نفسك أمام كلام طويل وعريضٍ لا تُمسك بنهايته؟ منْ الذي قرّر أن تتحوّل الجُملة إلى مَتاهة بدل أن تكون طريقًا؟ لماذا تبدو الكلمات واثقة بينما المعنى يتراجع خطوة بعد خطوة؟ ماذا يحدث حين تختفي الأفعال ويذوب الفاعل وتضيع المسؤولية وسطَ مصطلحات مُحايدة؟ كيف صار السّؤال عبئًا وصارت الإجابة مخاطرة؟ ومتى تحولت اللغة من أداة فهم إلى أداة إدارة للانطباع؟ هندسة الغموض في الخطاب العام يُطلّون علينا كل مرة على الشاشات بثقة هادئة، كأنهم يحملون حلولًا جاهزة في جيوبهم. يظهرون بهندام مرتب، ونبرة مطمئنة، وابتسامة محسوبة بدقة. يبدؤون الكلام، فيفهم المشاهد سريعًا أن ما يصل إليه ليس خبرًا ولا تفسيرًا ولا قرارًا. يضعون طبقة جديدة من "لغة الخشب" فوق السؤال، فيختفي السؤال بدل أن يجد جوابًا. يتجنّبون الجمل البسيطة لأنها مكلفة. الجملة الواضحة تُمسك من طرف، وتُقارن بالواقع، وتفتح باب المحاسبة. يختارون بدلها عبارات آمنة لا تُلزم أحدًا ولا تقود إلى نتيجة. يهربون من الدقة إلى التعويم، ومن المعنى إلى الانزلاق الهادئ داخل ألفاظ متعددة المعاني. لا يقولون: "الأسعار ارتفعت"، يقولون: "شهدت المؤشرات دينامية ظرفية". لا يقولون: "أخطأنا"، يقولون: "هناك تحديات تستدعي مزيدًا من التنسيق". يتحول الاعتراف إلى مصطلح، وتتحول الحقيقة إلى صياغة، وتتحول المسؤولية إلى جملة طويلة. تصبح اللغة عندهم درعًا واقيًا لا وسيلة تواصل. تزداد الكلمات، تقلّ الالتزامات. تتكاثر العبارات، يذوب القرار. حين يواجهون سؤالًا مباشرًا يبدأ العرض الحقيقي. يفتتحون الكلام بتمجيد "المجهودات" وتلميع الحصيلة، ثم يوسّعون الإطار إلى "الرؤية الاستراتيجية"، ثم يرفعون شعار "الإصلاحات الهيكلية". بعد ذلك يوزّعون المسؤولية على "التراكمات السابقةط و"الظرفية الدولية" و"المقاربة الشمولية". ينتهي كل شيء بخطاب طويل لا يترك بين يديكَ جوابًا صغيرًا. تسأل عن انقطاع خدمة، فيقدّمون لك درسًا في فلسفة الاستمرارية. تبحث عن سبب أزمة، فيمنحونك نشرة طقس لُغوية: مصطلحات كثيفة تتراكم مثل الغيوم. يخرج المشاهد من الخطاب بذاكرة ممتلئة بالشعارات، وفهمٍ فارغ من الإجابة. المفارقة أن هذا النوع من الكلام لا يهدف إلى إقناعكَ بقدر ما يهدف إلى إنهاككَ. عندما تتعب من متابعة الدوائر التي يدور فيها الكلام، تتوقف عن المطالبة بالمعلومة وتكتفي بالشعور العام: "الأمور تحت السيطرة". وهنا يربح متكلم لغة الخشب أول معركة: ليس لأنه قدّم حقيقة ما، وإنما لأنه نجح في جعل الحقيقة تبدو معقدة إلى درجة لا تستحق السُّؤال. خبراء في الكلام، فقراء في الإجابة يتكرر حضورهم، فيتكرر معه المشهد ذاته. يدخلون الاستوديو بصفتهم "خبراء"، ويغادرونه بعدما يخلّفون غبارًا من الكلمات. يبرعون في هندسة الجملة: افتتاح قوي يشدّ الانتباه، خاتمة مطمئنة تُغلق النقاش. يبدو كل شيء رسميًا ومحكمًا، ويغيب الشيء الوحيد الذي ينتظره الناس: تحديد المسؤولية، تسمية المشكلة، الاعتراف بالخطأ، إعلان خطوة قابلة للقياس. تضيق أفعالهم، وتتسع مصطلحاتهم. يحضر في قاموسهم "العمليات" و"المسارات" و"التنزيل"، وتغيبُ العبارات التي تقول ببساطة: ماذا حدث؟ من المسؤول؟ ماذا سنفعل؟ متى؟ وبأيّ رقم؟ مع الوقت تتحول الشاشة إلى مسرح. نطلب قرارًا، فيرفعون شعارًا. ينتهي البث، ويبقى الناس وحدهم أمام الأسئلة نفسها. يعود متكلم "لغة الخشب" إلى موقعه المريح، موقع تعمل فيه الكلمات بدل الأفعال، وتُدار فيه الحقيقة كما تُدار المؤتمرات، لا كما تُدار الأزمات. يستعمل المتحدث "الخبرة" مثل سلاح ناعم. يرفع منسوب التعقيد عمدًا، لا لكي يقنعك، وإنما لكي يدفعك إلى التراجع. يريدك أن تشعر أن النقاش أعلى منك، وأنك خارج الاختصاص. يمنح نفسه وحده حق توزيع الأوصاف: هذا "واقعي"، هذا "شعبوي". بهذه الطريقة لا يجيب عن السؤال، يغيّر ملعبه، ثم يعلن الفوز بالكلمات. في المحصلة، تصنع لغة الخشب مواطنًا مُرهقًا، لأنها لغة تشتغل بمنطق الاستنزاف: كلام كثير لتقليل الأسئلة، عموميات كثيرة لتقليل التفاصيل، وعود جمّة لتأجيل الحساب. تنطفئ الشاشة ويبقى الواقع كما هو. الأسعار لا تفهم "المقاربة الشمولية"، والانقطاع لا يهتم ب"التنزيل المرحلي"، والناس لا تحتاج مزيدًا من المصطلحات. الناس تحتاج جملة واحدة صادقة، رقمًا واضحًا، واسمًا يتحمّل المسؤولية، وخطة يمكن قياسها. تحتاج من يقول: هذا ما حدث، وهذا ما سنفعله، وهذا موعد النتيجة. متكلم لغة الخشب يعيش خارج عالم الأفعال؛ يعيش في عالم الجمل اللامعة التي تتركك في العتمة. تلميع الفراغ حتى يبدو سياسة تأتي بعدها أجمل كوارث هذه الشاشة: لغة تصنع بطولات وهمية. يتحول المسؤول فجأة إلى ضحية "الظرفية الدولية" و"المناخ الاقتصادي" و"التراكمات" التي ورثها كما لو ورث دُيون الإمبراطورية الرُّومانية. ثم يخرجون "الرقم السحري": رقم بلا سياق وبلا خريطة. يقول لكَ المسؤول: "رصدنا مليارًا"، فتشعر لثانية أن شيئًا كبيرًا حدث، ثم تكتشف أن "الرصد" غير "الصرف"، وأن الرقم بلا قيمة من دون جدول زمني، ومعايير واضحة، وهوية المستفيدين. الرقم عندهم مثل العطر: يرشّ في الهواء ليصنع إحساسًا بالفخامة، لا ليحل مشكلة على الأرض. لغة الخشب تُتقن أيضًا صناعة "الخصم الوهمي". تنتقدُ فيتهمونك بالتّعميم. تطلب توضيحًا فيصفونك بالمزايدة. تسأل عن المسؤول فيقولون إنك تُسَيِّسُ. يحوّلون النقد إلى خطأ أخلاقي بدل أن يعترفوا به كحق طبيعي. يعلّمون الجمهور الخجل من السؤال، ثم يتظاهرون بالاستغراب من انتشار الإشاعات. يغلقون باب المعلومات بإحكام، ثم يفاجئهم أن الشائعات تدخل من النافذة وتملأ الفراغ. يبقى اختبار واحد كاشف في كل مرة يظهر فيها متكلم لغة الخشب: خذ جملة واحدة مما قاله واسأل نفسك: من فعل؟ ماذا فعل؟ كم؟ متى؟ إذا غاب الفاعل، وغاب الفعل الواضح، وغاب الرقم، وغاب التاريخ، فأنت لا تتابع خطابًا. أنت تتابع خدمة "تعقيم الواقع" على الهواء: تنظيف الكلمات من المعنى، وتلميع الفراغ حتى يبدو سياسة. مواطِن يسأل... وخطاب يراوغ كيف نطلب من الناس أن يثقوا ونحن لا نقدّم لهم الحدّ الأدنى من الشفافية؟ من اتخذ القرار؟ ماذا اتخذ؟ متى اتخذه؟ وكم كلّف؟ إلى متى تتحوّل "اللجنة" إلى ذريعة لتأجيل الحل، ويتحوّل "التنسيق" إلى ستار للهروب من تحمّل المسؤولية، فيما تُدار الأزمات بلغة ملتفّة تُكثّر الكلام وتقلّل المعنى وتزيد الغموض؟ ومتى نُعيد ضبط العلاقة على قاعدة بسيطة وواضحة: مواطن يسأل من غير خوف، ومسؤول يجيب بلا دخان ولا مراوغة؟ ومن يملك الشجاعة ليقولها بوضوح ومن دون تلميع: ما المشكلة تحديدًا؟ ما سببها؟ من يتحمّل مسؤوليتها؟ ما الذي سنفعله الآن؟ ومتى تظهر النتائج على أرض الواقع؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.