سؤال منطقي لا بد منه، هل ستسلم الجزائر بالمرحلة الجديدة بنفس السلاسة التي توحي بها تسريبات لقاءات مدريد، أو التي تضمنتها التصريحات والبلاغات التي تصدر عن الراعي الأمريكي؟ يمكن أن نقول بأن المغرب غير معني، على اعتبار أنه حسم ملف السيادة على الأرض، والباقي تفاصيل، وأن الحكم الذاتي وسيلة، لا أقل ولا أكثر، وموقف الجار وجوده من عدمه لا يهم، وهذا المنطق، يجيب عن نفسه، باعتبار أن المغرب، لا يلغي من حساباته ضرورة ترسيم هذا المكسب في الأوراق الدولية، وكتابته في النصوص بعد أن تكرس في الذهنيات العالمية وفي الوقائع الميدانية… والمغرب هو الذي كان يخلق الانفراج دوما، كلما وجدت الأممالمتحدة نفسها في مأزق: كما حدث عند قبول الاستفتاء وإعلانها استحالة تنفيذه ثم إعلان الحكم الذاتي … وقام من بعد بتوفير الاحتضان الدولي الواسع له، وبتوفير الشرط الوطني الداخلي لتفعيله وتحيينه. والمغرب ذاته، اعتبر على لسان رئيس الدولة، في خطاب رسمي، بأن ما حصل يوم 31 أكتوبر لا يعتبره انتصارا بل يريد أن يضعه في خانة لا غالب ولا مغلوب… إذن، نحن معنيون بتصرفات الجزائر، سواء كشريك في السلام أو كخصم، لا بد من استقراء حساباته، ونريد أن نذكر في هذا السياق، أنه ومنذ البداية وضعت الجزائر نفسها في منطق مناهض للقرار 2797 وضد الإجماع الحاصل حوله… أولا، اختارت عدم المشاركة في التصويت. ثانيا: سعت إلى استصغار القرار بدعوى أنه لن يغير معادلة القضية في تقديرها. ثالثا، سعت إلى عرقلة الترجمة السياسية عبر عرقلة الترجمة اللغوية، بادعاء وجود طرفين في المشكلة عوض أطراف، كي لا تكون ضمن طاولة المحادثات . ولحد الساعة، وحسب ما يتسرب من معلومات عن لقاء مدريد، ما زالت تقنع نفسها وتقنع العالم بأنها في وضع المراقب ليس إلا ( وهو وضع معاكس تماما لمواقفها في محكمة العدل الدولية ثم إبان لقاء مدريد الثلاثي في 1975 الذي أفضى إلى الاتفاقية الشهيرة، وسنعود إلى ذلك بالتفصيل ). في الواقع، وحسب ما اجتمع لدينا من معطيات، مع صدور القرار وبعده، فإن صاحب القرار المركزي في بلادنا لا تغيب عنه أمور عديدة في هذا الباب، ومنها: أن المفاوضات أو المحادثات ستعرف مشاكل كبيرة في ترتيب التنزيل العملي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية الأممية بحيث تصبح المبادئ رهينة بكيفية تطبيقها.. أن القضية لا تحكمها فقط المعادلة الديبلوماسية، بقدر ما لها بعد «وطني» داخلي للآخرين وليس نحن فقط، باعتبارها بناء للمشروعية الذاتية لهم على تقويض الشرعية الترابية للمغرب ولهذا تحولت المساطر إلى آليات حربية ضد الحق المغربي… أن الأطراف الفاشلة في الملف لا يمكن أن تظل مكتوفة الأيدي، ولا بد من أن تخطط وتهيء ردودها بما تراه مناسبا لخوض جولات جديدة من تحت سقف القرار 2797. وفي سياق مواز، هناك بوادر قد تبدو مثيرة للهزل، لكن لا يمكن أن نسقطها من المناخ النفسي والتفاعلي الذي يتحكم وسيتحكم في ردود الفعل. وقد يمكن تلخيصها في القول بأن الجزائر ما وراء العبث والانحناء، لا يمكن أن نغفل بالمطلق أن المنعطف الحالي قد يفتح عندها شهيات التصفية أو الحرب الأهلية، أو أي سيناريو مظلم لا قدر الله. ذلك أن نصف النظام يلتهم النصف الآخر عند أي منعطف، وهو نظام لا يتورع المتصارعون فيه عن إشعال الحريق في بلادهم، والدخول في حروب أهلية طاحنة واغتيالات من أجل أمور أقل بكثير من صراع الصحراء الذي بنى النظام شرعية وجوده عليه، طوال نصف قرن، يمكن أن تنفجر تناقضات النظام، الموحد خلف نظرية «العدو التقليدي «، ويقع توتر دموي يفوق بكثير ما عرفه المغرب منذ استقلاله، كما حدث إبان مواجهات أكتوبر الدامية في 1988، ثم الحرب الأهلية في 1992 على إثر نتائج الانتخابات وبروز قوة سياسية من خارج حزب جبهة التحرير، وكلفت البلاد ما لا يقل عن 200 ألف جزائري … علاوة على ذلك، هناك مترادفات جيوسياسية لا تغفلها العين المراقبة، حيث يكمن، وراء قضية الصحراء و»البيغ بانغ» الجيوستراتيجي الذي ستخلفه، أمر جوهري كذلك: ما تخافه الجزائر من حسم القضية هو أن يحقق المغرب عمليا تسليم العالم به كقوة فاعلة في القارة، باعتباره ناظما إقليميا(régulateur régional )في حوض المتوسط، وهو الحلم الذي ظل نظام العسكر يتحرك على أساسه منذ عهد وزير الصناعة عبد السلام بلعيد، حلم الجزائر التي أرادوها «بروسيا إفريقيا ويابانها» … كما أن خطاطتها الجيوسياسية، التي تشكل جوهر وجودها منذ أيام بومدين، تتركز على انهيار اقتصادي مغربي يساعد في شل البلاد وفصلها عن عمقها الإفريقي وزعزعة استقرارها السياسي، على أن يشتغل ذلك كله في أفق واحد هو إجبار المغرب على القبول بالحدود الموروثة عن الاستعمار والتسليم بالوصية الاستعمارية في الشمال الإفريقي والفضاء المغاربي، الشيء الذي يفسر ترنحاتها حول بناء مغرب من ثلاث دول (هي وتونس وليبيا ). كيف ستدور الأمور؟ أعتقد أن نظام المغرب العاقل يدبر جاره باستمرار. حدث ذلك في منتصف التسعينيات مع انهيار معسكره الشرقي ثم في الربيع العربي، ولم يلعب أي لعبة تدفعه إلى اليأس، كما أظن أنه يستحضر ضرورة تدبيره الآن، أكثر من أي وقت مضى، ولا يغيب عن عقل قوة إقليمية مثل المغرب تطمح إلى موقع في مجلس الأمن.. الدولي بعد القاري، ضرورة التأمين السياسي للذين يوقعون الاتفاق الإطار حول الحكم الذاتي في الأشهر القادمة، كما يقال، رفقة القوى الدولية الأمريكية الفرنسية والإسبانية، وربما الروسية. لهذا ظلت الحكمة تقتضي مد اليد ، عشر مرات… ولهذا، لا بد من التأكيد أن أحسن ما هو معروض على الجزائر هو ما قدمه ملك المغرب.. لا غالب ولا مغلوب.. ولا يجب أن يغيب عنا هذا الأمر الجلل !