تعد العلاقات الجزائرية – المغربية نموذجاً معقداً للتفاعلات الجيوسياسية في منطقة المغرب العربي، حيث تجاوز الخلاف الحدودَ الترابية ووصل إلى مستوى "الصراع الأيديولوجي" الوجودي. فالمملكة المغربية الشريفة تجسد "عدواً أيديولوجياً خارجياً" في العقيدة السياسية الجزائرية، والأدوات التي وُظِّفَت لبناء هذا التصور. فالدولة الجزائرية شرعيتها التاريخية من ثورة تحررية راديكالية تبنت قيم الجمهورية والاشتراكية. في المقابل، يمثل المغرب نظاماً ملكياً تقليدياً تضرب جذوره في التاريخ لأكثر من اثني عشر قرناً، مما خلق تضاداً بنيوياً بين "الجمهورية الثورية" و"الملكية المحافظة". لقد وُظِّف هذا الاختلاف الأيديولوجي لتحويل المغرب إلى "عدو خارجي" وظيفي، يخدم الأجندة الداخلية الجزائرية عبر عدة محاور: قضية الصحراء المغربية كفصل أيديولوجي: بالنسبة للجزائر، لا تتعلق قضية الصحراء بمجرد نزاع حدودي، بل بمبدأ "مقدس" وهو تقرير المصير، مما يجعل الموقف المغربي في السردية الجزائرية تجسيداً لعدو يجب مقاومته. نظرية المؤامرة والتهديد الوجودي: غالباً ما يتم تصوير التحركات الدبلوماسية المغربية (مثل الاتفاقيات الأمنية الدولية) في الخطاب الرسمي الجزائري كجزء من "مؤامرة خارجية" تستهدف استقرار الجزائر وسيادتها، مما يعزز من صورة المغرب كعدو متربص. لقد استخدمت الجزائر عدة أدوات لترسيخ صورة "العدو الأيديولوجي": الإعلام الرسمي: تمارس وسائل الإعلام الحكومية والخاصة في الجزائر دوراً محورياً في شحن الرأي العام، من خلال ربط أي أزمة داخلية (سواء كانت اقتصادية أو حرائق غابات أو حتى فشل المنتخب الجزائري في كأس إفريقيا 2015) ب "يد خارجية" غالباً ما يُشار فيها إلى الجار الغربي أو "المخزن". الدبلوماسية الهجومية: تتبنى الجزائر استراتيجية "عزل المغرب" في المحافل القارية والدولية، معتبرة أن إضعاف المغرب هو حماية للمشروع الأيديولوجي الجزائري الريادي في إفريقيا، باعتبارها "القوة الضاربة" بالمنطقة. فتداعيات "الأدلجة" على الاستقرار الإقليمي أدت إلى تحويل الخلاف من تنافس جيوسياسي إلى صراع أيديولوجي أدى إلى انسداد كامل في قنوات الحوار. ففي عام 2021، وصلت هذه الحالة إلى ذروتها بقطع العلاقات الدبلوماسية، مما جعل من الصعب العودة إلى طاولة المفاوضات دون "تنازلات أيديولوجية". وهكذا، وحتى مطلع عام 2026، تعد العلاقات الجزائرية – المغربية نموذجاً معقداً لتداخل العقائد السياسية مع النزاعات الجيوسياسية، حيث تطور مفهوم "العدو الأيديولوجي" ليصبح ركيزة أساسية في تشكيل الهوية السياسية للدولة الجزائرية وسياستها الخارجية، رغم وجود بعض الإشارات المتقاطعة للمصالحة أو الوساطات الدولية، وبالخصوص أمام الانتصارات التي سجلتها الدبلوماسية الملكية، وآخرها القرار الأممي 2797، والذي يعتبر منعطفاً استراتيجياً لأنه رسَّخ مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد ومفتاح لإيجاد حل سياسي واقعي ودائم لقضية الصحراء المغربية. -أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة الحسن الأول – سطات