قدمت واشنطن الخبَر الرسمي، عن لقاء مدريد الذي ملأ الدنيا وشغل الإعلام ، في ما يبدو أنه خبر دون تفاصيل، لكن يكفي الرجوع إلى القرار الأممي المذكور في البلاغ الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية، باسم البعثة الأمريكية لدى الأممالمتحدة لإدراك كل ما يجب إدراكه، وما يلزم فهمه منه. الإخبار فيه الثوابت : 1 – المعنيون: وهم الأطراف الأربعة نفسها الواردة في القرار الأممي الصادر يوم 31 أكتوبر 2025، أي: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو. 2 – الإطار الدولي للحل: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما في القرار 2797. 3 – الإشراف الدولي: أمريكي أممي مشترك. 4 – المكان: مدريد بإسبانيا، البلد الذي احتضن في زمن مغربي سابق الاتفاق الثلاثي بين موريتانيا والمغرب وإسبانيا حول إنهاء الاحتلال، بل كانت إسبانيا إلى عهد قريب، البوابة التي يتسلل منها الخصم في الجزائر لتعقيد الحل والتشويش عليه، وهي البلاد التي أرادت الجزائر أن تظل هي ورقتها في تعطيل السيادة المغربية بدعوى أنها» القوة المديرة» للصحراء، التي تحمل إلى جانب دورها السياسي عقدتها التاريخية إزاء «شعب وتقرير مصيره»، اخترعتهما في مختبراتها الفاشية أيام فرانكو.. كل هذا موضوع آخر. ما يهم كذلك هو أن البلاغ تحدث عن أمرين لا يمكن المرور مرور الكرام عليهما: – وفود رفيعة المستوى ويمكن أن نخمن أن الأمر يتعلق بالوفد الأمريكي ممثلا بمسعد بولس ، مستشار الرئيس الأمريكي، والسفير مايك والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأممالمتحدة. الوفد المغربي، بعضوية ناصر بوريطة وممثل المغرب في الأممالمتحدة عمر هلال. الوفد الجزائري بوجود وزير الخارجية أحمد عطاف وعمار بنجامع ممثل الجزائر في الأممالمتحدة. الوفد الموريتاني، الذي تمثل في رسميين عن الخارجية. جبهة البوليساريو، نعرف منها وجوها مثل يسلم بوسات، الذي يمثل وزير خارجية جمهورية تندوف، ولا شك أن ممثلها في نيويورك، مولود سعيد، الذي يقودها في الأممالمتحدة، كان حاضرا، إضافة إلى القائم بالتنسيق مع بعثة المينورسو، محمد عمار. – الأمر الثاني يتعلق بتيسير المحادثات… كما قلنا إن التنفيذ لا يسير مع المفاوضات، بل بالمحادثات التي تتطلع إلى مناقشة تفاصيل التنزيل العملي والملموس للقرار القاضي بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. البلاغ ..المعنى من آخره هذا البلاغ لا يُفهم إلا إذا قُرئ من آخر جملة فيه، وهي الجملة الأهم في البلاغ المقتضب التي تتضمن كلمة «تنفيذ القرار»، وعليه لم يتعلق الأمر لا بالنقاش حول القرار ولا في إعادة تعريفه أو البحث في معانيه، يمكن القول» قضي الأمر الذي فيه تستفتيان»، أو الذي كنا فيه نستفتي. الآن وقد توفَّر العنصر الخبَري الحاسم الذي يسمح ببعض التحليل الملموس للواقع الملموس، يمكن القول، إن تولي البعثة الأمريكية إصدار بلاغ يخص محادثات مدريد لم يمله شرط الحفاظ على السرية فقط بل هو فعل ديبلوماسي سياسي تفاوضي يفيد بأن المعلومة الخاصة بالموضوع من اختصاص واشنطن، والتي تصبح صاحبة الكلمة الفصل، باعتبار أنها حاملة القلم، وهي لا تقف عند إصدار القرار ، بل تسهر على تنفيذه. بالتالي نحن أمام حصول منعطف أمريكي في تنزيل الحل وليس فقط صياغة ديباجة قراراته… بهذا المعنى تكون البعثة الأمريكية هي المعتمدة أمميا في البداية والنهاية، وهي المصدر في كل شيء يتعلق بالتفعيل والتنفيذ والتطبيق… ومن هذه الزاوية فإن حضور وفد رفيع المستوى يعني الأهمية، كما يعني أن الولاياتالمتحدة لا تترك للمبعوث ديميستورا مهمة توضيح ما يجري، لاسيما وأنه لم يكن دوما وفيا لروح القرارات، الشيء الذي كان يقلق المغرب مرارا وتكرارا وبمنطق أوسع: التنفيذ سيتم عبر دور فعال وحاسم لواشنطن لا يخضع للتخطيط الأممي المعروف… وخلاصة القول الأولى: – واشنطن تضع بصمتها على تنزيل القرار عمليا ولا تترك مجالا لتأويله، وهي تنقل الموضوع من منطق مسلسل التفاوض الأممي إلى آلية التنفيذ «التقني»، والدخول في صلب الموضوع…لهذا كان حضور بولس برعاية حامل القلم في القرار والتز، ممثل واشنطن في مجلس الأمن… بمعنى آخر، أمريكا تضع الإطار العملي لتنفيذ القرار 2797 الذي هو مكسب مغربي تاريخي. أمريكا وحضورها ودورها امتداد للموقف الأمريكي منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو امتداد لما هو منتظر منها حسب القرار الأممي نفسه. وفي هذا السياق نذكر أنه نص على ترحيبه بدور أمريكا من خلال القول إنه» يعرب عن تقديره للولايات المتحدة لاستعدادها لاستضافة المفاوضات تعزيزاً لمهمة المبعوث الشخصي في التوصل إلى حل». كما سبق ذلك تصريحات وزير الخارجية وممثل ترامب عن «الانخراط الفعلي» في تيسير الوصول إلى الحل. المغرب .. تقديم العرض المفصل ويمكن أن نستنتج بسهولة أن حضور المغرب هذا اللقاء لم يكن استكشافيا ولا تشاوريا ولا دلاليا، ولا يمكن أن نغفل أن المغرب يحضره بعد حدثين أساسيين : أولا ، الخطاب الملكي الذي أعلن فيه جلالته يوم 31 أكتوبر عن «تحيين خطة الحكم الذاتي وتفصيلها»، وهو نفسه المطلب الذي كان قد ورد على لسان ستيفان ديميستورا، «بالانتصار عليه فقط «، وهو القائل « تم الطلب من المغرب فحوى خطة موسعة ومحدثة للحكم الذاتي وفق ما طلبتُ في خطابي أمام مجلس الأمن في 16 أكتوبر 2024، وكما أعلن جلالة الملك محمد السادس في خطابه مؤخرا». ثانيا، الحوار الطويل الموسع الذي طلب فيه جلالته، بعد أسبوع من خطاب 31 أكتوبر، تقديم المقترحات التي تراها القوى الحية ضرورية لإنجاح العملية… وعليه، فإن مسودة الحكم الذاتي، سواء في صيغتها الأولى أو التفصيلية، يجب أن يشملها عرض السيد بوريطة، بحيث يغطي البناء المؤسساتي، والعدل، والأمن المحلي، والقضاء المحلي، والبعد الاجتماعي، وغيرها. وهو ما يعني مواصلة امتلاك المبادرة، في تحديد الإطار المرجعي لمناقشة الحل، ويعني كذلك تعبيد طريق واحدة للحل المغربي وتقليص هامش مناورة الأطراف الأخرى… نضيف إلى ذلك أن المغرب فرض مرجعيته في الحل، ولعل عرض بوريطة كان تفصيليا، يشكل أرضية للنقاش التقني الذي سيستمر من بعد، ويفتح المجال «للتحكيم « الأمريكي الأممي.. في حال أي خلاف تفصيلي.. رسالة إلى من يهمه الأمر مما لا شك فيه أن في نشر الخبر، رسالة للعواصم في العالم التي تتابع الوضع، لاسيما الأوروبية والإفريقية، وللمبعوث الشخصي ستيفان ديميستورا، الذي حضر اللقاء وعرف تفاصيله ويعرف معنى النشر… وإذا كان لابد من انتظار مواقف العواصم المعنية الأربعة الرباط ، الجزائر ، والجزائر مكرر، ونواكشوط…. ثم العواصم ذات الصلة، فإن بعض المواقف العلنية التي صدرت في تندوف والجزائر، سواء بلاغات الجبهة الانفصالية أو تصريحات تبون، تبين أن هناك توترات مصاحبة للواقع الجديد، وبعض الإصرار على تسويق مواقف سابقة من قبيل الجزائر بلد «مراقب فقط»، ومن قبيل الحديث عن «تقرير المصير» عوض الحكم الذاتي، الذي بات يعكس دوليا الشكل المتوافق عليه دوليا لتقرير المصير، وليس الاستفتاء الذي تريده الجبهة وراعيها الجزائري. ولعل بعض هاته المواقف كانت صدى لما يكون قد حدث في قاعة المحادثات في سفارة أمريكا في مدريد، من تباين بين وفد عطاف ووفد الجبهة- كما نخمن- ومحاولة أيضا التعبير عن الاختلاف مع أطراف المحادثات، من خارجها وليس أمام الدولة الراعية للمحادثات. ولعل في التدبير الأمريكي حضورا ملتزما بالسعي لإيجاد الحل من خلال الفعل على الواجهة الجزائرية، وفي هذا السياق نقرأ تدوينة مسعد بولس التي نصت على الحل الواعي المقبل، وتدوينة جو ويلسون الذي كان وراء تحريك الكونغريس حول تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية، والذي دعا الجزائر إلى اغتنام الفرصة والدخول إلى المنطق الجيوسياسي الجديد الذي تشيده أمريكا في المنطقة. وعلى كل، فإن الجوار السياسي المغربي الجزائري برعاية أمريكية قد بات ضروريا، سواء من خلال ما أعلن عنه ستيف ويتكوف أو ما رسمه الحوار في مدريد ، أو دعوات مسعد بولوس، حوار لتأمين تنزيل الحل، دون مفاجآت من داخل نظام اعتاد أن يفجر تناقضاته كلما كانت هناك منعطفات قاسية في المنطقة، أو يفجر الحرب الأهلية كلما كان جناح ما في السلطة قد تقارب مع المغرب… ما هي الخطوات المقبلة؟ أبريل مغاير ل50 أبريل سابق لقد بدأت مرحلة جديدة وتحت أعين مجلس الأمن والراعي الأمريكي، ويتم أمامنا اختبار مدى استعداد كل طرف من الأطراف وحسن نيته وروح مسؤوليته والتزامه بتقديم مساهمته في بناء الصرح المغاربي، مع ذلك لا يمكن أن نغفل السؤال المنطقي الآن: ماذا بعد مدريد، وما هو الأفق الذي ارتسم في إسبانيا ؟ علينا انتظار تفاصيل أخرى في الساعات أو الأيام القادمة، لكن هناك مسلسل إجرائي معلن رسميا في القرار 2797، وهو مرتبط بالموعد التاريخي لشهر أبريل من كل سنة، وفيه محطة الإحاطة غير الرسمية، بدون قرارات، حول تقدم المسلسل السياسي. وشهر أبريل يجب أن يشكل لحظة أممية علنية للمنعطف النهائي قبل محطة الوصول، ولعلها المرة الأولى التي لن يكون هناك اجتماع مشابه لاجتماعات سابقة منذ 50 سنة. ثم شهر مايو القادم الذي سيعرف، كما يروج، مرحلة التوقيع على اتفاق إطار بلغة الديبلوماسية للحل النهائي، وقد أشارت الفقرة 5 من القرار الأممي إلى أن « قاعدة الحل في هذا الباب أن مجلس الأمن .. يطلب من الأمين العام تقديم إحاطات إلى مجلس الأمن بانتظام، وفي أي وقت يراه مناسبًا خلال فترة الولاية، ويطلب كذلك من الأمين العام، في غضون ستة أشهر من تجديد هذه الولاية، تقديم مراجعة استراتيجية بشأن ولاية بعثة الأممالمتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» المستقبلية، مع مراعاة نتائج المفاوضات.» ونحن أمام أمرين: -مراجعة استراتيجية بشأن الميونورسو، ولا يمكن أن تكون إلا مراجعة تعيد النظر في مهمتها:لا استفتاء لا وقف إطلاق النار، بل مصاحبة الحكم الذاتي وتنفيذه.. مراعاة النتائج المتمخضة عن المشاورات، حديث هنا عن المفاوضات ، وبذلك تقديم تقرير عما حدث وتحقق. ومن بعد ذلك، سنصل إلى ما يروج عن توقيع اتفاق إطار سياسي بين الأطراف المعنية. ولعل المرحلة المقبلة ستكون ذات طبيعة أمنية محضة، قد تتولاها الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها الأجهزة الاستخباراتية للدول الأساسية، من بينها المخابرات الأمريكية، والمديرية العامة للدراسات والمستندات بالمغرب، وجهاز الاستعلامات الخارجية الجزائري برئاسة يونس بن جمعة. وهو المستوى الثاني المرتبط، وفق الخطة المغربية، بملفات من قبيل نزع سلاح الجبهة، وعودة المحتجزين، وتنظيم الانتخابات، وغيرها من القضايا ذات الطابع التنفيذي، وهو موضوع قادم.