في سياق وطني يتسم بالعديد من التحديات الاجتماعية وتنامي الانتظارات المجالية، تبرز جهة الشمال، وعلى رأسها محور طنجة–تطوان–الحسيمة، كفضاء استراتيجي يعكس دينامية سياسية ونقابية متجددة، تتجسد في التلاقي الرمزي بين الاحتفاء باليوم الأممي للعمال فاتح ماي، وأشغال المؤتمر الجهوي الثالث للحزب، بحضور الأخ الكاتب الأول إدريس لشكر، والكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل يوسف إيدي. هذا التزامن لا يمكن قراءته كحدثين منفصلين، بل كترجمة سياسية واضحة لمرحلة إعادة بناء اللحمة الاتحادية، التي تعيد الاعتبار لوحدة الفعل السياسي والنقابي والاجتماعي، في أفق ترسيخ الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وإعادة الاعتبار للمشروع الاتحادي الديمقراطي اليساري المنحاز للطبقة العاملة والشغيلة. يشكل فاتح ماي في السياق الاتحادي محطة نضالية بامتياز، يتم من خلالها تجديد الارتباط التاريخي بقضايا الطبقة العاملة، والدفاع عن حقوق الشغيلة في الشغل اللائق والحماية الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وفي المقابل، يأتي المؤتمر الجهوي الثالث كفضاء لإعادة ترتيب الأولويات التنظيمية والسياسية، وتقييم مسار الفعل الحزبي داخل الجهة، وتعزيز قدرته على الترافع وصناعة البدائل. ويكتسي هذا الحدث بعداخاصا بالنظر إلى اختيار مدينة طنجة كمحطة مركزية للاحتفاء بفاتح ماي، وهو اختيار يحمل دلالات سياسية ونقابية عميقة. فطنجة ليست فقط قطبا اقتصاديا صاعدا أو بوابة جغرافية استراتيجية، بل هي أيضا فضاء اجتماعي حيّ تعكس فيه الحركة العمالية حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد. كما أن جعلها مسرحا مركزيا لهذه المحطة الأممية يعكس تقديرا لدورها كحاضنة لطبقة عاملة واسعة، وكتجسيد حيّ لقضايا الشغل، وللتوترات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، ولرهانات النموذج التنموي. إن هذا التلاقي يعكس بوضوح أن المشروع الاتحادي الديمقراطي اليساري يظل وفيا لمرجعيته الاجتماعية، المنحازة للطبقات الشعبية، في مواجهة مختلف الاختلالات التي تفرزها التحولات الاقتصادية، والتي تميل في جزء منها إلى تقليص الدور الاجتماعي للدولة وتوسيع الفوارق. وفي قلب هذا النقاش، تبرز جهة الشمال كفضاء مجالي متنوع، لكنه ما يزال في حاجة إلى تعميق العدالة الترابية وتكريس مبدأ التكامل المجالي، بما يضمن توزيعاً أكثر إنصافا لثمار التنمية بين مختلف الأقاليم. فالتنمية المجالية أضحت الآن شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتماسك الترابي. فإقليمالحسيمة، بما يحمله من مؤهلات طبيعية وبشرية، يظل في حاجة إلى تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية، وفك العزلة عن عدد من مناطقه القروية، وتعزيز فرص التشغيل لفائدة الشباب. أما إقليمشفشاون، بما يختزله من طابع جبلي وسياحي متميز، فيحتاج إلى دعم أكبر للبنيات الاقتصادية المحلية، وتثمين مؤهلاته السياحية والبيئية في إطار تنمية مستدامة تحافظ على خصوصيته. وفي إقليموزان، تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الخدمات الأساسية، وربط المنطقة بشكل أفضل بالديناميات الاقتصادية الجهوية والوطنية. أما إقليمتطوان، ورغم ديناميته الحضرية والثقافية، فإنه بدوره مطالب بمواصلة تعزيز العدالة الاجتماعية داخل مجاله الحضري، وتقليص الفوارق بين مراكزه وأحوازه، بما يضمن تنمية متوازنة وشاملة….إلى غير ذلك . إن هذه الأقاليم، رغم اختلاف خصوصياتها، تلتقي في حاجة مشتركة إلى نموذج تنموي جهوي مندمج، يقوم على التكامل بدل التنافس، وعلى التضامن المجالي بدل التفاوتات، في أفق جعل جهة الشمال فضاء متوازنا في التنمية والفرص. وفي هذا السياق، تبرز اللحمة الاتحادية كخيار استراتيجي، يقوم على التكامل بين الحزب والنقابة والقاعدة الاجتماعية، حيث تتداخل الأدوار بين التأطير السياسي، والدفاع النقابي،والترافع المؤسساتي إنطلاقا من رصد الحاجيات والبحث عن سبل التنمية وسد الفجوات ومحاربة كل أشكال الهشاشة التي من شأنها أن تؤخر اللحاق بركب التنمية وكذلك الانخراط في هموم المواطنين اليومية. ويكتسي حضور القيادات الاتحادية والنقابية، وفي مقدمتهم الأستاذ إدريس لشكر ويوسف إيدي، دلالة سياسية واضحة تعكس إرادة في توحيد الرؤية بين الفعل الحزبي والنقابي، بما يعزز موقع التنظيم الاتحادي كفاعل أساسي في النقاش العمومي حول الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية. فتزامن فاتح ماي مع المؤتمر الجهوي الثالث لا يكتسي فقط دلالة تنظيمية، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن الفعل الاتحادي مستمر في التموقع داخل قضايا المجتمع، وأن رهانه الأساسي يظل هو تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقوية الدولة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق الطبقة العاملة باعتبارها جوهر المشروع الاتحادي. وهكذا، تؤكد طنجة اليوم أنها ليست فقط مدينة تحتضن حدثا نقابيا أو مؤتمرا تنظيميا بل فضاء سياسي حيّ يعاد فيه بناء المعنى الاتحادي، وتجديد العهد مع الطبقة العاملة، وتثبيت خيار الدولة الاجتماعية، في أفق مغرب أكثر عدلا وإنصافا وتوازنا بين مجالاته وجهاته.