ربما تجاوز العالم تدبير الموقف الأخلاقي والقانوني من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إلى قراءة معطيات الحرب وأهدافها المعلنة. وقد وضعت تل أبيب وواشنطن عنوانين كبيرين معلنين، على الأقل، هما: تدمير النظام النووي والترسانة الصاروخية، إضافة إلى تغيير النظام. بخصوص النقطة الأخيرة في جدول الأعمال، لا يبدو الأمر موضوع تقدير يسير من طرف المحللين وأصحاب القرار في المنطقة. أولا، لا شك أن الضربات قد أصابت الصف الأول في النظام، بما يعادل إصابة المنشأة السياسية الأكبر فيه، وهو المرشد علي خامنئي والقيادات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الأساسية، وهو ما يمكن للمهاجمين اعتباره نصرا في تفكيك سلسلة القيادة، وزعزعة القرص الصلب للأجهزة ، ومقدمة لخلق شروط انتقال داخلي، وعليه، اعتباره بداية جيدة في مخطط تغيير النظام. وبخصوص هذا الاستنتاج هناك اعتراضان أساسيان، وهما أن التاريخ المتعلق بالحروب، لا سيما في المنطقة، أثبت أن ضربات السماء لا تغير بالضرورة النظام في الأرض، بالرغم من العديد من النقاط التي توحي بذلك، ومنها – طول مدة الحصار الذي تعرض له الشعب الإيراني ونظامه. التحركات الاحتجاجية الغاضبة في الداخل. تخلي البازار، الذي شكل دوما الحاضنة الاجتماعية والاقتصادية للثورة والنظام معا، عن الدعم اللامشروط. بالإضافة إلى التطلعات التي نبتت خلال 47 سنة من عمر الجمهورية الإسلامية… الدخول في اختلاف حربي مع دول الجوار وحدودها، والتي اعتبرت بأن القضية تهم المستقبل الذي سيكون غير قابل للاقتسام مع نظام يسعى إلى تقويض أنظمتها. كل هاته العناصر لا يمكنها أن تجعل سقوط النظام سهلا. أولا، لأن الضربات من الأعلى لا يمكن أن تكون ذات أثر إذا لم يستتبعها عمل بري ووجود قوات برية تزحف نحو قواعد النظام وعاصمته ومؤسساته. وهو أمر لا أحد في أمريكا يدعو إليه، بل يمكن القول إن المغامرة محفوفة بالمخاطر في الحالة الإيرانية لاعتبارات عديدة منها الخارطة الشاسعة للبلاد وتضاريسها، العنصر الوطني العقائدي لدى الإيرانيين، واحتمالية طول أمد الحرب، بما لا يحتمله الأمريكيون الذين تعاقدوا مع دونالد ترامب على الحروب الخاطفة وعدم الزج بالبلاد في نزاعات طويلة الأمد، وهو ما شكل برنامجه الانتخابي ضد الحزب الديموقراطي … وفي هاته الحالة سيكون على القوات الأمريكية أن تبحث عن بديل من داخل إيران، وعن تنظيمات معارضة مسلحة، لها قاعدة واسعة وقادرة على حرب الشوارع، ويمكن أن تجد لها بعض الامتدادات الإثنية والاجتماعية داخل المجتمع، ولحد الساعة لا يطفو على السطح سوى ثلاث مكونات متعارفة : مريم رجوي والمجلس الوطني الديموقراطي الإيراني، أو قطبه مجاهدو خلق، ثم الأحزاب الشيوعية. «عودة» الشريك السابق للثورة وضحيتها وهو يرفض التدخل الأمريكي الإسرائيلي، ثم هناك ابن الشاه رضى بهلوي، والذي يلقى معارضة من طرف الشعب لماضي والده، والذاكرة القمعية لجهاز «السافاك» الحاضرة بقوة في السردية الوطنية، والذي تعتبره قطاعات واسعة من الإيرانيين الوجه الآخر لنظام الملالي في إيران من هاته الناحية الاستبدادية… في غياب هذا البديل نعود إلى :ما العمل؟ ، السؤال الذي طرحه لينين في 1905»؟ الدمار وتصعيد الحرب وتكثيف الجحيم فوق بلاد فارس أو البحث عن شريك من داخل النظام القائم نفسه؟». الدمار الشامل، هو أيضا رغبة إيرانية للاستمرار، وقد كان المسار الذي اتخذته طهران هو توسيع دائرة الحرب لكي تثبت بأن النظام ما زال قادرا على القيادة والمتابعة، وأيضا لخلق شروط الفزع الشامل من أجل البقاء، وإنضاج شروط مواجهات شاملة ودخول فاعلين إقليميين ودوليين آخرين، لاسيما الصين… ويدرك المهاجمون لاسيما الإسرائيليون بأن تغيير الهدف من تدمير البنيات الصاروخية والنووية إلى تغيير النظام مسألة معقدة ، كما عبر عن ذلك هرتسي هليفي رئيس أركان إسرائيل، لا سيما وأن الحرب دخلت منطقة التوسيع في الجهات وفي النطاق. بالنسبة للبحث عن شريك يبدو الوضع حاليا متوقفا على الحوار مع طهران نفسها، وفي هذا تبدو النشرات متناقضة، من جهة تصريحات وزير خارجية إيران بأن الأمريكيين يعرفون العنوان إذا أرادوا الحوار، ومن جهة ثانية تصريحات ليل لاريجاني، رئيس الأمن القومي الذي قال إن «ايران أعدت نفسها للحرب الطويلة»، في حين صرح «مستشار المرشد» أن «إيران تعلن رفض التفاوض مع واشنطن واستعدادها الاستمرار في الحرب «، وغير معروف، بناء على تصريحات الوزير الأمريكي روبيو، ما إذا كان الهجوم سيضعف أو يقوي النظام، بل كان التعبير عن «الأمل في العثور على مخلص» واضحا بين السطور . في كل الحالات، فإن الوقائع تضيق من وجود البدائل، ولكنها توسع من وقت الحرب واتساعها واشتعالها، الذي يهدد المنطقة كلها… بل يهدد العالم كله، كما سبق لملك البلاد أن قال في خطابه التاريخي أمام القمة المغربية الخليجية 2016.