كشفت معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية أن عدد المقاولات التي تم إحداثها بالمغرب بلغ 109.656 مقاولة مع نهاية سنة 2025، غير أن هذا الرقم الذي يعكس دينامية واضحة في خلق المقاولات يخفي في المقابل واقعا أكثر تعقيدا يتعلق بتسارع وتيرة إفلاس المقاولات وخروجها من السوق. فبينما تستقبل السوق سنويا عشرات الآلاف من المقاولات الجديدة، تشير المعطيات المهنية إلى أن النسيج الاقتصادي فقد في المقابل أكثر من 148 ألف مقاولة أعلنت إفلاسها خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهو رقم يقارب في حجمه عدد المقاولات التي يتم إحداثها في سنة واحدة. وتوضح الأرقام أن حالات الإفلاس التي لم تكن تتجاوز في السابق عتبة 10 آلاف حالة سنويا، ارتفعت بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت حوالي 25 ألف مقاولة سنة 2022، ثم ارتفعت إلى نحو 33 ألف حالة في 2023، قبل أن تتجاوز 40 ألف حالة في 2024، مع توقعات ببلوغ حوالي 50 ألف مقاولة مفلسة خلال سنة 2025. وتعكس هذه الأرقام تسارع وتيرة خروج المقاولات من السوق في وقت يتواصل فيه إحداث شركات جديدة بوتيرة مرتفعة، ما يطرح إشكالية استدامة النسيج المقاولاتي وقدرته على الصمود في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التكاليف وضعف التمويل. وبالعودة إلى معطيات خلق المقاولات خلال سنة 2025، يتضح أن 78.622 مقاولة تم إحداثها في شكل شركات معنوية، مقابل 31.034 مقاولة فردية. كما تكشف البيانات أن الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشريك وحيد تستحوذ على 64,8 في المائة من مجموع المقاولات المحدثة، تليها الشركات ذات المسؤولية المحدودة بنسبة 34,4 في المائة، وهو ما يعكس هيمنة المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة ذات رأس المال المحدود. وتبرز القراءة القطاعية أن التجارة ما تزال تستقطب الحصة الأكبر من المقاولات الجديدة بنسبة 35,7 في المائة من مجموع الإحداثات، متبوعة بقطاع البناء والأشغال العمومية والأنشطة العقارية بنسبة 19,65 في المائة، ثم الخدمات المختلفة بنسبة 17,63 في المائة. أما قطاع النقل فيمثل 7,79 في المائة، والصناعة 7,01 في المائة، في حين تبلغ حصة الفنادق والمطاعم 5,71 في المائة. وفي المقابل تبقى القطاعات ذات المحتوى التكنولوجي محدودة الحضور، حيث لا تتجاوز حصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال 2,89 في المائة، بينما تمثل الأنشطة المالية 1,86 في المائة، والفلاحة والصيد البحري 1,78 في المائة فقط. وتشير المعطيات المهنية إلى أن نحو 99 في المائة من المقاولات التي تغادر السوق بسبب الإفلاس تنتمي إلى فئة المقاولات الصغيرة جدا، وهي الفئة التي تمثل في الأصل حوالي 98,4 في المائة من مجموع المقاولات في المغرب. وتواجه هذه المقاولات صعوبات متراكمة تتعلق أساسًا بصعوبة الولوج إلى التمويل وتراكم الديون وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، إضافة إلى تأثيرات الأزمات المتتالية التي شهدها الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة. وبين رقمين كبيرين – 109.656 مقاولة أُحدثت في سنة واحدة و148 ألف مقاولة أعلنت إفلاسها خلال أربع سنوات – تتضح ملامح مفارقة بنيوية في النسيج الاقتصادي المغربي، حيث تستمر دينامية خلق المقاولات بوتيرة مرتفعة، لكن جزءا مهما منها يجد صعوبة في الاستمرار داخل السوق، ما يجعل التحدي الحقيقي لا يقتصر على تشجيع الإحداث، بل يمتد إلى ضمان شروط الاستدامة والقدرة على الصمود بالنسبة لآلاف المقاولات الصغيرة التي تشكل القاعدة الأوسع للاقتصاد الوطني.