في الوقت الذي تستعد فيه مدينة مكناس لاحتضان الدورة المقبلة من المعرض الدولي للفلاحة، تعيش المدينة على وقع وضع بيئي مقلق، يتجلى أساسا في تراكم الأزبال بمختلف الأحياء والشوارع، في مشهد يسيء إلى صورة مدينة تاريخية يُفترض أن تكون في أبهى حللها قبل أقل من شهر من هذا الموعد الدولي الهام. لقد تحول ملف تدبير قطاع النظافة، الذي يشرف عليه المجلس الجماعي برئاسة عباس لومغاري، إلى نقطة سوداء في سجل التدبير المحلي، خاصة بعد الجدل الكبير الذي رافق صفقة التدبير المفوض مع شركة «ميكومار» بمنطقتي حمرية والزيتونة بين مكونات المجلس وفي صفوف الأغلبية على وجه الخصوص. فبعد رفض أولي من طرف وزارة الداخلية التأشير على الاتفاقية بسبب كلفتها المرتفعة، والتي قاربت 10 مليارات سنتيم، تم تقليصها بحوالي 600 مليون سنتيم.هذا القرار، الذي تم في إطار ضيق كون هاجس الزمن، واقتراب موعد المعرض الدولي، عجلا بتمرير الاتفاقية والتأشير عليها. غير أن ما يثير القلق أكثر هو أن الوضع الميداني لم يشهد أي تحسّن يذكر، رغم شروع الشركة في مباشرة عملها. فما تزال المدينة تعيش تحت وطأة الاختلالات ذاتها، وبالآليات القديمة نفسها، في خرق واضح لمقتضيات دفتر التحملات، الذي ينص صراحة على سحب جميع الشاحنات والسيارات والمعدات المستعملة و…. ووضعها رهن إشارة الجماعة بعد انتقال ملكيتها إليها، وتعويضها بأسطول جديد يستجيب لمتطلبات القطاع. ويُسجل في هذا السياق أن المجلس الجماعي لم يُحسن تدبير المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتهاء صلاحية الاتفاقية متم دجنبر 2024، حيث جرى تمديدها لسنة إضافية، وهي مدة كانت كافية لإعداد دراسة دقيقة، واستحضار ملاحظات وزارة الداخلية، واتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة، إلى جانب تتبع الملف لدى الجهة الوصية، بما يضمن تمكين الشركة نائلة الصفقة من تجديد شامل لأسطولها الذي يشمل شاحنات جمع وضغط النفايات، ومكانس الشوارع الآلية، وشاحنات غسل الحاويات، ورافعاتها، فضلاً عن المعدات اليدوية والكهربائية المتنقلة، بما يواكب متطلبات التنظيف العميق ويُحسّن جودة الخدمات المقدمة للساكنة. غير أن الواقع، مع كامل الأسف، يكشف عن مجلسٍ غارق في صراعات داخلية بين أعضائه، تلاحقه اتهامات بالفساد والابتزاز من داخل أغلبيته نفسها. وهو ما جعل أولوياته تنحصر أساساً في احتواء الخلافات، وجبر الخواطر، ورأب الصدع، وتلطيف الأجواء، تفاديا لأي انفجار قد يعصف بكل شيء. وفي خضم هذا الانشغال، تعطلت قدرته على مواكبة انتظارات الساكنة والاستجابة لمطالبها؛ ويزداد هذا الوضع حدة بالنظر إلى أن رئيس المجلس، كان ولا يزال المسؤول المباشر عن التدبير المفوض لقطاعات حيوية، من قبيل النظافة، والنقل الحضري، والمساحات الخضراء، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة الحكامة المعتمدة ومدى تحمل المسؤولية في هذا الملف. هذا الواقع يعزز الانطباع بأن الخلل لا يقتصر على أداء الشركة المفوض لها، بل يمتد إلى ضعف التتبع والمراقبة من طرف المجلس الجماعي. وفي مقابل هذا التقصير، يبرز مشهد يثير الكثير من الاستغراب، يتمثل في الانتشار اللافت لعدد من السيارات الفاخرة المستغلة من طرف الرئيس ونوابه وبعض المحظوظين من الموظفين، سواء كانت لهم علاقة مباشرة بالمصلحة أم لا. وأمام هذا الوضع، يجد سكان مكناس أنفسهم أمام مشهد يومي بئيس: حاويات مهترئة، أزبال متراكمة، وروائح خانقة تزكم الأنوف. حاويات أرضية مفتوحة، ظلت جاثمة في أماكنها لأزيد من نصف سنة دون أن تشتغل، وكأنها أُبقيت لتُضفي على المشهد الحضري «لمسة جمالية» ساخرة. أما الأزبال المتكدسة حولها، فقد تكفلت ب»تزيين» الأزقة والشوارع، فيما أكملت الروائح الكريهة هذا المشهد العبثي الذي لا يليق بمدينة بحجم وتاريخ مكناس. إنه وضع يلخص، بسخرية مُرّة، فشل مجلس جماعة مكناس في تدبير قطاع النظافة، حيث أصبح التسيب سمة بارزة، والإهمال سياسة قائمة بذاتها، في وقت يفترض أن تتسابق فيه كل الجهات لتأهيل المدينة استعداداً لاستقبال ضيوف المعرض. وفي هذا السياق، لم يكن عبثاً أن يعقد عامل عمالة مكناس اجتماع 10 مارس، الذي أفرز إحداث لجان خاصة تعنى بعدة قطاعات حيوية تروم استقبال ضيوف المعرض الدولي للفلاحة في أحسن الظروف. ورغم وجاهة هذه الخطوة وراهنيتها في ظل إكراهات المرحلة، فإنها تظل إجراء مكملا لا يمكن أن يحجب الخلل الجوهري المتمثل في فشل المجلس الجماعي في تدبير هذا القطاع، على غرار ما يشهده أيضاً ملف النقل الحضري( سنخصص له ملفا خاصا) فالأولوية الحقيقية تظل في تمكين المجلس من الاضطلاع بأدواره الأساسية في إطار التدبير العادي، عبر آليات التتبع والمراقبة والمحاسبة. أما اللجوء إلى لجان استثنائية، فلا يعدو أن يكون حلا ظرفيا لتدارك اختلالات كان من المفروض معالجتها ضمن الاختصاصات الأصلية للمجلس. وأمام هذا الواقع، يطرح بإلحاح سؤال جوهري حول جدوى وجود مجلس منتخب، إذا كانت مهامه اليومية في تدبير الشأن المحلي تُسحب منه بشكل غير مباشر، وتُفوض عملياً إلى هياكل مؤقتة تتولى ما عجز عن القيام به. إن واقع مكناس اليوم، بما يعرفه من تدهور في المساحات الخضراء، وضعف في الإنارة العمومية، واهتراء في الطرقات، وتراكم للأزبال، وغياب للتشوير، يعكس بوضوح فشل مقاربة تدبيرية لم ترقَ إلى تطلعات الساكنة، ولا إلى حجم التحديات التي تفرضها استضافة تظاهرة دولية من حجم المعرض الدولي للفلاحة. وفي ظل هذا الوضع، يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: كيف ستستقبل مكناس ضيوفها من داخل المغرب وخارجه، وهي غارقة في الأزبال؟ إن ما يحدث اليوم لا يحتمل مزيداً من التبرير أو التأجيل، بل يتطلب تحمّل المسؤولية السياسية كاملة، واتخاذ إجراءات عاجلة تعيد للمدينة حدها الأدنى من النظافة والكرامة، وتنقذ صورتها قبل فوات الأوان.