تُعد تجربة وحدة المدينة في الرباط من أبرز التحولات التي شهدها نظام التدبير الجماعي بالمغرب، خاصة بعد الإصلاحات التي همّت التنظيم الجماعي، والتي هدفت إلى تجاوز التشتت الإداري وتعزيز النجاعة في اتخاذ القرار. غير أن هذه التجربة، التي تقوم على توزيع الاختصاصات بين مجلس المدينة والمقاطعات، تثير اليوم نقاشًا واسعًا حول مدى فعاليتها في تحقيق التنمية المحلية وضمان القرب من المواطن. أولاً: مجلس المدينة... بين الاختصاصات الواسعة وإكراهات التنزيل يضطلع مجلس مدينة الرباط باختصاصات استراتيجية تشمل التخطيط الحضري، تدبير المشاريع الكبرى، جلب الاستثمارات، وتنسيق السياسات العمومية على مستوى العاصمة. وقد مكّن هذا الدور المركزي من إطلاق عدد من المشاريع المهيكلة، خصوصًا في إطار برامج تأهيل العاصمة، مما عزز مكانة الرباط كواجهة حضارية وإدارية للمملكة. غير أن هذا التركيز للسلطة والاختصاصات يطرح إشكالاً حقيقيًا يتعلق بمدى قدرة المجلس على الاستجابة الفورية لحاجيات الأحياء، خاصة في ظل تعقيد المساطر وتداخل المتدخلين. كما أن ثقل البيروقراطية أحيانًا يبطئ من وتيرة الإنجاز ويؤثر على جودة الخدمات المقدمة. ثانياً: المقاطعات... تدبير القرب بإمكانات محدودة تتكون مدينة الرباط من عدة مقاطعات، من بينها مقاطعة أكدال الرياض، مقاطعة حسان، مقاطعة يعقوب المنصور، مقاطعة اليوسفية ومقاطعة السويسي. وتُناط بهذه المقاطعات مهام تدبير الشأن المحلي اليومي، كالنظافة، الإنارة العمومية، صيانة المساحات الخضراء، والحالة المدنية. ورغم أهمية هذا الدور، فإن المقاطعات تعاني من محدودية الموارد المالية والبشرية، فضلاً عن ضعف استقلالية القرار، حيث تظل رهينة تحويلات مجلس المدينة وتوجيهاته. هذا الوضع يجعلها في كثير من الأحيان عاجزة عن الاستجابة السريعة لانتظارات المواطنين، مما يؤثر سلبًا على صورة التدبير المحلي. ثالثاً: وحدة المدينة... بين الرهان النظري والواقع العملي قامت فلسفة وحدة المدينة على تحقيق الانسجام في التخطيط وتفادي التفاوتات المجالية بين الأحياء، إلا أن الواقع يكشف عن استمرار بعض الفوارق، سواء على مستوى البنيات التحتية أو جودة الخدمات. ففي الوقت الذي تعرف فيه بعض المناطق، خصوصًا ذات الطابع الإداري والسياحي، تطورًا ملحوظًا، تعاني أحياء أخرى من خصاص في التجهيزات الأساسية، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة توزيع الاستثمارات داخل المدينة. كما أن التنسيق بين مجلس المدينة والمقاطعات لا يزال دون المستوى المطلوب، في ظل غياب آليات فعالة للتكامل، ما يؤدي أحيانًا إلى تضارب في الاختصاصات أو بطء في تنفيذ المشاريع. رابعاً: تقييم الحصيلة... مكاسب لا تخفي الاختلالات يمكن القول إن تجربة وحدة المدينة في الرباط حققت بعض المكاسب، من أبرزها: توحيد الرؤية الاستراتيجية للتنمية الحضرية. تحسين جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة. إطلاق مشاريع كبرى ذات أثر وطني ودولي. لكن في المقابل، برزت مجموعة من الاختلالات، أهمها: ضعف تدبير القرب على مستوى المقاطعات. بطء تنفيذ بعض المشاريع المحلية. محدودية إشراك المواطن في اتخاذ القرار. استمرار الفوارق المجالية داخل المدينة. نحو نموذج أكثر توازناً أمام هذه المعطيات، يبدو أن نجاح تجربة وحدة المدينة في الرباط يظل رهينًا بإعادة النظر في توزيع الاختصاصات بين مجلس المدينة والمقاطعات، بما يضمن تحقيق التوازن بين النجاعة في التخطيط والقرب في التنفيذ. كما أن تعزيز الديمقراطية التشاركية، وتقوية الموارد المحلية للمقاطعات، يظل مدخلاً أساسياً لتحسين جودة التدبير الجماعي والاستجابة الفعلية لانتظارات ساكنة العاصمة.