تُعد سلا اليوم واحدة من أبرز الساحات السياسية التي تعكس، بشكل مكثف، تحولات المشهد الحزبي مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. فهذه المدينة ذات الكثافة السكانية المرتفعة والتنوع الاجتماعي الكبير، تحولت إلى مختبر حقيقي لصراع التزكيات داخل التنظيمات السياسية، حيث لم يعد التنافس مقتصرًا على مواجهة الخصوم، بل امتد ليشمل صراعات داخلية حادة حول من يحق له تمثيل الحزب في الدوائر الانتخابية. في عدد من الدوائر بسلا، بدأت ملامح هذا الصراع تطفو إلى السطح مبكرًا، من خلال بروز لوبيات داخلية، وتكثيف التحركات الفردية، ومحاولات فرض الأمر الواقع عبر استمالة القواعد أو استثمار شبكات النفوذ المحلية. ولم تعد التزكية تُقدَّم دائمًا باعتبارها نتيجة لمسار نضالي أو كفاءة سياسية، بل أصبحت في كثير من الأحيان محكومة بتوازنات دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع منطق الولاءات. هذا الوضع يطرح إشكالاً عميقًا يتعلق بطبيعة الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، حيث يُفترض أن تكون التزكيات محطة لترسيخ مبدأ الاستحقاق، لكنها تتحول في بعض الحالات إلى مصدر توتر وانقسام. وهو ما ينعكس سلبًا على صورة العمل السياسي، ويُضعف ثقة المواطنين في جدية الخطاب الحزبي، خاصة حين يلاحظ الناخب أن نفس الوجوه تُعاد إنتاجها بطرق مختلفة، أو أن الكفاءة تُقصى لصالح اعتبارات أخرى. كما أن خصوصية سلا، باعتبارها مدينة تضم دوائر انتخابية متعددة ومجالًا حضريًا متباينًا، تجعل من عملية اختيار المرشحين تحديًا مضاعفًا. فكل دائرة لها تركيبتها الاجتماعية وخصوصياتها، ما يفرض على الأحزاب تقديم مرشحين قادرين على فهم هذه الديناميات والتفاعل معها. غير أن ما يحدث في الواقع يُظهر أحيانًا نوعًا من الارتجال، حيث يتم إسقاط أسماء لا تمتلك ارتباطًا فعليًا بالمجال، فقط لاعتبارات ظرفية أو تنظيمية. وفي خضم هذا الصراع، يغيب النقاش حول البرامج والتصورات، ليحل محله سباق محموم نحو نيل التزكية، وكأنها غاية في حد ذاتها وليست وسيلة لخدمة المواطنين. وهنا يكمن الخلل الجوهري: حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى مجرد تنافس على المواقع، تفقد العملية الانتخابية جزءًا كبيرًا من معناها. إن ما يجري في سلا اليوم لا يختلف كثيرًا عما تعرفه مدن أخرى، لكنه يكتسب دلالة خاصة بحكم وزن المدينة ورمزيتها. فإما أن تشكل هذه المرحلة فرصة لإعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد، من خلال اعتماد معايير واضحة وشفافة في منح التزكيات، أو أن تستمر نفس الممارسات التي تُفرغ الانتخابات من مضمونها. في النهاية، يبقى الرهان معلقًا على قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز منطق الصراع الضيق، والانخراط في دينامية إصلاحية حقيقية، تجعل من التزكية بداية لمسار خدمة الصالح العام، لا مجرد محطة في سباق نحو المقاعد.