شهد البيت الأبيض، اليوم الاثنين، حدثا تاريخيا تمثل في استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع، في أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى واشنطن. وتأتي الزيارة في ختام عام حافل بالتطورات السياسية في سوريا، التي بدأت تتعافى تدريجيا من عزلتها الدولية بعد مرحلة انتقالية عاصفة أطاحت بنظام عائلة الأسد أواخر عام 2024. وأكد الرئيس ترمب، عقب لقائه نظيره السوري، أن العلاقات بين الجانبين تسير في اتجاه إيجابي، معربا عن ثقته في قدرة الشرع على قيادة بلاده نحو الاستقرار وإعادة الإعمار. ومن جهتها، أعلنت الرئاسة السورية أن المباحثات ركزت على تعزيز العلاقات الثنائية وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الاقتصاد والأمن ومكافحة الإرهاب، إلى جانب مناقشة ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك. وضم اللقاء وفدين رفيعي المستوى من البلدين، إذ شارك وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في جلسة مباحثات وصفت ب"المثمرة والبناءة". واعتبرت وكالة الأنباء السورية أن الزيارة تمثل "محطة مفصلية" في مسار إنهاء العقوبات المفروضة على سوريا منذ سنوات. وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية السوري أن اللقاء جاء تتويجا لتحضيرات دبلوماسية مكثفة امتدت لأشهر، مشيرا إلى أنه جرى التأكيد على دعم وحدة سوريا واستقلال قرارها الوطني، والمضي قدما في جهود إعادة الإعمار وإزالة العقبات أمام تعافيها الاقتصادي. كما كشفت وزارة الخارجية السورية أن الولاياتالمتحدة جددت دعمها للتوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، في إطار مفاوضات تجري بوساطة أميركية ومشاركة تركية، تمهيدا لترتيبات أمنية جديدة في المنطقة. وتعد زيارة الشرع إلى واشنطن الثانية له للقاء الرئيس ترمب، بعد لقائهما الأول في الرياض في ماي الماضي بوساطة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي شهد إعلان واشنطن نيتها رفع العقوبات الأميركية المفروضة على دمشق. وفي خطوة لافتة، نقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مسؤول أميركي أن الإدارة الأميركية قررت تعليق العمل ب"قانون قيصر" لمدة 180 يوما، تمهيدا لإلغائه نهائيا، لتمكين الاقتصاد السوري من التعافي وفتح المجال أمام الشركات الأميركية والدولية للاستثمار في البلاد. وأوضح المسؤول أن وزارات الخزانة والخارجية والتجارة الأميركية ستصدر توجيهات جديدة لتخفيف القيود الاقتصادية وتسهيل عودة النشاط التجاري، إضافة إلى السماح لسوريا بإعادة فتح سفارتها في واشنطن. كما أشار المصدر إلى أن دمشق ستنضم رسميا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، في خطوة تعكس تقاربا استراتيجيا متزايدا بين البلدين في ملف مكافحة الإرهاب. ويذكر أن الرئيس أحمد الشرع، البالغ من العمر 42 عاما، تولى السلطة نهاية عام 2024 بعد إطاحة نظام بشار الأسد، ليقود مرحلة سياسية جديدة شهدت تحولات كبرى في تحالفات سوريا الإقليمية، مع ابتعاد تدريجي عن إيران وروسيا واقتراب أكبر من الغرب وبعض الدول العربية. ويرى مراقبون أن زيارة الشرع إلى واشنطن تمثل منعطفا حاسما في مسار العلاقات السورية الأميركية، وتفتح الباب أمام مرحلة من الانفتاح الاقتصادي والسياسي، في وقت تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار سوريا تتطلب أكثر من 200 مليار دولار. لكن التحديات لا تزال قائمة، إذ تشهد البلاد توترات داخلية وأعمال عنف متفرقة أودت بحياة أكثر من 2500 شخص منذ سقوط النظام السابق، ما يثير تساؤلات حول قدرة القيادة الجديدة على تحقيق المصالحة الوطنية وإرساء الاستقرار الشامل بعد 14 عاما من الصراع.