في عالم لم تعد فيه الحروب تخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل بالمعلومة والتوقع والاستباق، أصبح العمل الاستخباراتي أحد الأعمدة الأساسية لحماية الدول وضمان استقرارها. والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتقاطعه مع رهانات أمنية واقتصادية كبرى، لم يكن استثناء من هذا التحول، بل اختار منذ سنوات الاستثمار في مقاربة أمنية قائمة على العمل الهادئ والمؤسساتي. الاستخبارات المغربية ليست جهازا يعمل في الظل فقط، بل مكون أساسي في منظومة الدولة الحديثة، إذ لا يقتصر دورها على مواجهة التهديدات الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى فهم التحولات الإقليمية والدولية، واستباق المخاطر، ودعم القرار العمومي بمعطيات دقيقة. هذا الدور المتعدد يعكس وعيا متقدما بأن الأمن لم يعد شأنا تقنيا ضيقا، بل شرطا من شروط التنمية والسيادة. وقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة، في بناء علاقات تعاون أمني مع عدد من الدول الشريكة، في مقدمتها تلك المعنية بمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. هذا التعاون لم يكن على حساب استقلالية القرار الوطني، بل تم في إطار شراكات متوازنة، جعلت من المغرب فاعلا موثوقا في قضايا الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما ساهم في تعزيز صورة البلاد كجزيرة استقرار في محيط إقليمي مضطرب. وبالتالي لا يمكن فصل هذا العمل عن تأثيره المباشر على الحياة اليومية للمواطنين، على اعتبار أن الاستقرار الأمني هو ما يجعل الاستثمار ممكنا، والسياحة مزدهرة، والبنية التحتية محمية. كما أن الرصد المبكر للمخاطر، سواء كانت أمنية أو اقتصادية، يساعد الدولة على تفادي أزمات مكلفة، ويمنحها هامشا أكبر للتدخل في الوقت المناسب. في القضايا الكبرى التي تمس السيادة الوطنية، يظل العمل الاستخباراتي دعامة أساسية للدبلوماسية، فالمعلومة الدقيقة، حين توضع في يد القرار السياسي، تصبح أداة قوة لا تقل أهمية عن الخطاب الرسمي أو التحرك الدبلوماسي. وهذا التداخل بين الأمن والسياسة الخارجية بات اليوم سمة من سمات الدول التي تدير مصالحها بعقلانية وهدوء. وتكمن الميزة الأساسية في التجربة المغربية في اعتمادها على منطق المؤسسات بدل منطق الأشخاص. على اعتبار أن النجاح في المجال الأمني لا يقاس بالظهور الإعلامي، بل بالقدرة على العمل بصمت وتحقيق نتائج ملموسة دون إثارة الضجيج. وهو خيار يعكس فهما عميقا لطبيعة هذا المجال، حيث يكون الغياب عن الواجهة في كثير من الأحيان دليلا على الفعالية لا العكس. وبالتالي، قد لا يرى المواطن تفاصيل ما تقوم به الأجهزة الاستخباراتية، لكن أثر عملها ينعكس في شعوره بالأمان، وفي استقرار بلاده، وفي قدرتها على مواجهة عالم سريع التغير. وفي زمن تتسارع فيه المخاطر وتتبدل فيه التحالفات، يبقى الاستثمار في العمل المؤسساتي الهادئ أحد أهم عناصر قوة الدولة، وأحد شروط استمرارها بثبات وثقة.