منذ تولي عبد الصمد قيوح حقيبة النقل واللوجيستيك، بدأ يتشكل داخل القطاع إحساس بأن مرحلة مختلفة قد انطلقت، ليس من خلال الشعارات، ولكن عبر قرارات عملية مست ملفات ظلت عالقة لسنوات، وأثرت بشكل مباشر على استقرار مهنيي النقل العمومي للمسافرين والنقل السياحي. هذه الملفات، التي طالما وُصفت بالحساسة والمعقدة، كانت إلى وقت قريب خارج دائرة الحسم، بفعل تراكم إداري وتردد سياسي. أبرز ما ميز المرحلة الحالية هو فتح ورش تغيير مواقيت الرخص، وهو قرار كان ينظر إليه لسنوات باعتباره خطا أحمر، بالنظر إلى تداخلاته القانونية والتنظيمية. غير أن إخراج هذا الملف إلى حيز المعالجة أظهر توجها مختلفا في التعاطي مع الإشكالات الواقعية للقطاع، خاصة أن عدداً من المهنيين يعتبرون المواقيت عاملا حاسما في مردودية الاستغلال واستمرارية المقاولات. وقد انعكس هذا القرار إيجابا على مناخ العلاقة بين الإدارة والفاعلين المهنيين، ولو بشكل نسبي، بعد سنوات من التوتر وعدم اليقين. في السياق ذاته، شرعت الوزارة في معالجة ملفات التجديد السباعي للرخص، وإعادة استغلالها وتحويل ملكيتها، وهي ملفات تعود جذورها إلى سنة 2011، وظلت معلقة دون حسم، ما خلق وضعيات غير متوازنة داخل القطاع، وأفرز شعورا عاما بعدم الإنصاف. فتح هذا الورش أعاد إلى الواجهة مطلبا قديما يتمثل في ضرورة توحيد المعايير وتسريع البت، بعيدا عن منطق الانتقائية أو الحلول الجزئية التي ميزت مراحل سابقة. كما برز، خلال الأشهر الأخيرة، توجه لمعالجة وضعية ملفات الورثة، وهي من أعقد الإشكالات التي عرفها القطاع، لما تحمله من أبعاد اجتماعية وقانونية متشابكة. معالجة هذا الملف، ولو تدريجيا، ساهمت في تخفيف جزء من الاحتقان، وأعطت إشارات على وجود إرادة لإيجاد حلول تراعي خصوصية الحالات، دون المساس بقواعد التنظيم. هذه التحركات لم تكن لتتحقق دون تغيير في أسلوب تدبير الملفات داخل الوزارة، حيث برز تفاعل أكثر انفتاحا من طرف مصالحها، خاصة مديرية النقل، التي وجدت نفسها أمام توجيهات واضحة بضرورة تسريع المعالجة وتجاوز منطق الجمود. ورغم استمرار بعض الاختلالات والتفاوت في وتيرة البت بين الملفات، فإن المقارنة مع المرحلة السابقة تظهر تحولاً في المقاربة أكثر مما تظهر قطيعة تامة. في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن جميع الإشكالات البنيوية للقطاع قد وجدت طريقها إلى الحل، غير أن المؤكد هو أن دينامية جديدة قد انطلقت، قائمة على تحريك الملفات بدل تركها رهينة الانتظار. ويبقى التحدي الحقيقي في مدى قدرة هذه الدينامية على الاستمرار، وعلى التحول إلى مسار مؤسساتي ثابت، يستجيب لتطلعات المهنيين، ويخدم في الآن ذاته حق المواطنين في نقل عمومي أكثر انتظاماً وجودة.