أعاد النقاش الذي دار خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب حول وضعية الطرق القروية إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط الضعف التي طبعت تدبير حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، ويتعلق الأمر بغياب رؤية واضحة ومستدامة لصيانة البنية التحتية في العالم القروي، رغم الخطاب الاجتماعي الذي رافق تلك المرحلة. تصريحات وزير التجهيز والماء نزار بركة لم تكن مجرد رد ظرفي على اتهامات حزبية، بقدر ما شكلت إدانة غير مباشرة لمرحلة كاملة من التدبير، حين أكد أن وزارته أطلقت سنة 2024 برنامجا خاصا لصيانة الطرق القروية، وهو ما لم يقدم عليه أي وزير سابق. هذا المعطى يكتسي دلالة خاصة إذا ما تم استحضار أن وزارة التجهيز ظلت لولايتين حكوميتين تحت إشراف حزب العدالة والتنمية، دون أن ينعكس ذلك في سياسات منتظمة لصيانة الشبكة الطرقية بالعالم القروي. فخلال سنوات بنكيران والعثماني، تم التركيز بشكل كبير على إنجاز الطرق والمسالك في إطار برامج فك العزلة، غير أن منطق "التدشين" غلب على منطق "الاستدامة". فبنيت طرق دون تخصيص اعتمادات كافية لصيانتها، ودون وضع آليات للتدخل الاستباقي، ما جعل عددا كبيرا منها يتحول، بعد أول تساقطات مطرية أو ثلجية، إلى نقط سوداء تعيد إنتاج العزلة بدل معالجتها. اللافت في هذا السياق أن الخطاب الحكومي السابق كان يربط تعثر الطرق القروية دائما بالعوامل الطبيعية، من أمطار وثلوج وانجرافات، دون مساءلة الاختيارات التقنية والبرامجية. في المقابل، يصبح الطرح الذي قدمه الوزير نزار بركة اليوم تصورا مغايرا، يقوم على الاعتراف بأن الكوارث الطبيعية لا يمكن التنبؤ بها، لكن يمكن الاستعداد لها، عبر الصيانة الدورية، وإعادة تأهيل المحاور الهشة، وتفعيل فرق التدخل السريع. إحياء فرق التدخل السريع، التي أقر الوزير بأنها كانت معطلة أو شبه غائبة في مراحل سابقة، يفتح بدوره نقاشا أوسع حول نمط الحكامة الذي ميز تلك الفترة. فتعطيل آليات جاهزة، أو تركها دون موارد وفعالية، لا يمكن تفسيره فقط بالإكراهات المالية، بقدر ما يعكس غياب أولوية حقيقية للعالم القروي في السياسات العمومية، رغم ما رافق تلك المرحلة من شعارات حول "العدالة المجالية" و"الإنصاف الترابي". الأكثر من ذلك، أن استعمال ملف الطرق القروية في المزايدات السياسية، كما أشار إلى ذلك بركة، يعكس مفارقة واضحة. فالحزب الذي قاد الحكومة لعشر سنوات، وراكم خلالها سلطة القرار والبرمجة، يحاول اليوم تقديم نفسه في موقع المساءلة، متناسيا مسؤوليته المباشرة عن اختيارات مرحلة كان فيها إصلاح البنية التحتية القروية يدار بمنطق الحد الأدنى، لا بمنطق الاستثمار الاستراتيجي. إن المقارنة بين المرحلتين تبرز تحولا في المقاربة أكثر مما تبرز مجرد اختلاف في الخطاب. فإطلاق برنامج خاص بالصيانة، والاعتراف بأهمية الاستعداد المسبق للتقلبات المناخية، وإعادة تفعيل آليات التدخل، كلها عناصر تشير إلى انتقال من سياسة رد الفعل إلى محاولة بناء سياسة وقائية. وهي مقاربة، وإن كانت لا تعفي الحكومة الحالية من مسؤولية النتائج، فإنها تضعف في المقابل أي محاولة لتبرئة المرحلة السابقة من اختلالات بنيوية واضحة. اليوم، يكشف هذا النقاش أن أزمة الطرق القروية لم تكن نتاج ظرفية مناخية عابرة، بل نتيجة تراكم اختيارات سياسية وتقنية، غلب عليها منطق الإنجاز السريع على حساب الصيانة، ومنطق الخطاب الاجتماعي على حساب التخطيط طويل المدى. وهو ما يجعل انتقادات وزراء حكومتي بنكيران والعثماني اليوم، في هذا الملف بالذات، فاقدة لجزء كبير من مشروعيتها السياسية.