دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة من الدهشة السياسية بعد القرار المفاجئ لعزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار. هذا القرار، الذي وصف بالانسحاب الهادئ، لم يمر دون أن يثير عواصف داخلية بدأت ملامحها تظهر في كواليس مجلس النواب، حيث وجد الحزب القائد للأغلبية نفسه أمام سؤال الوجود : وهو، هل الأحرار مؤسسة حزبية قادرة على الاستمرار، أم أنه كان مجرد ظاهرة انتخابية مرتبطة بكاريزما ونفوذ رجل واحد؟ لقد كشف الاجتماع الأخير للفريق البرلماني للحزب عن شرخ في البنية النفسية للمنتخبين، وهو ارتباك مبرر سياسيا بالنظر إلى أن الحزب تحت قيادة أخنوش انتقل من مكمل للأغلبيات إلى قائد للمشهد ب 102 مقعدا في انتخابات 2021. فالبرلمانيون الذين يعارضون انسحابه يدركون جيدا أن أخنوش لم يكن مجرد رئيس، بل كان صمام أمان يضمن التوازنات المالية والسياسية، وغيابه يعني رفع المظلة الواقية، مما يجعل الحزب مكشوفا أمام خصومه التقليديين مع اقتراب استحقاقات 2026. ويأتي هذا القرار في توقيت حساس يفتح الباب أمام قراءات متباينة؛ فبينما يراها البعض خطوة ديمقراطية نادرة تؤسس لمبدأ التداول في عز العطاء، يرى آخرون أنها خروج آمن يسبق ذروة المحاسبة الانتخابية، مما يسمح للرجل بمغادرة المشهد بصورة المنتصر وتاركا لخليفته مهمة تدبير تركة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. هذا الانقسام في الرؤى يضع مؤتمر مدينة الجديدة المرتقب في 7 فبراير أمام سيناريوهين، إما التوافق على خلافة آمنة عبر أسماء من الحرس القديم لضمان الاستمرارية، أو المخاطرة بفتح باب التنافس الذي قد يفجر الحزب من الداخل. إن أي ضعف قد يعتري الأحرار تنظيميا سيمتد أثره حتما إلى التحالف الحكومي، حيث قد يجد الحلفاء في حالة الارتباك هذه فرصة لفرض شروط جديدة أو إعادة تموقع سياسي استباقي. وبناء عليه، فإن الحزب اليوم أمام اختبار حقيقي للنضج المؤسساتي؛ فإما أن يثبت أنه تنظيم قادر على تجديد جلده والبقاء دون مظلة الرجل الواحد، أو أنه سيؤكد مخاوف خصومه الذين اعتبروه دوما حزبا يتمحور حول الفرد لا الفكرة. المؤتمر القادم لن يختار رئيسا فحسب، بل سيحدد ما إذا كانت "الحمامة" ستواصل التحليق في القمة، أم أنها بدأت فعلياً رحلة الهبوط الاضطراري.