يذكرني وادي العيون في الجزء الأول للخماسية "التيه" بوادي النكور بالريف، وكيف تحولت جنة النكور إلى مساحات قاحلة ابتلعتها آلات الحفر والتدمير. كطفل، عايشت تلك الحقبة بحسرة وألم. حين أعود اليوم إلى قراءة الخماسية، كأنني أعيش وأستعيد تفاصيل اجتثاث سهل النكور بالريف، الذي احتضن حضارة دمرها الغزاة. لم يعد من الممكن قراءة ما كتبه عبد الرحمن منيف في خماسية "مدن الملح" بوصفه تأملا في لحظة تاريخية مضت، بل باعتباره سردية مفتوحة تستعيد نفسها داخل كل تحول تعرفه منطقة الخليج. فهذه الخماسية لا تقدم فقط تحليلا لولادة المدن النفطية، بل تبني عالما روائيا كثيفا، تتجسد فيه التحولات الكبرى عبر مصائر شخصيات وأمكنة تتآكل وتُعاد صياغتها تحت ضغط النفط والسلطة والاعتماد الخارجي. في قلب هذه السردية تقف لحظة اقتلاع المكان. الواحة التي كانت فضاء للحياة المشتركة، حيث تتداخل الذاكرة بالطبيعة والعلاقات الاجتماعية البسيطة، تتحول فجأة إلى موقع عمل للشركات الأجنبية. الأرض التي كانت تُعاش تُختزل إلى مورد، والناس الذين كانوا جزءا من نسيجها يتحولون إلى فائض بشري يمكن الاستغناء عنه. هذا التحول ليس اقتصاديا فقط، بل هو كسر عميق في العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وهو ما يمنح نص منيف بعده الثقافي المأساوي. الشخصيات في الخماسية ليست أبطالا تقليديين، بل رموز مجتمع يعيش صدمة الانتقال. نرى كيف يتفكك العالم القديم أمام أعينهم دون أن يمتلكوا القدرة على فهم ما يحدث أو مقاومته. بعضهم يحاول التكيف، بعضهم ينهار، وبعضهم يُدفع إلى الهامش. وفي كل الحالات يبقى الإحساس العام هو فقدان الفهم والاستيعاب، وبالتالي انعدام الفعل لوقف النزيف. لم يعد المكان هو نفسه، ولم يعد الزمن يتحرك بالإيقاع الذي اعتادوه. كل شيء أصبح أسرع، أكثر قسوة، وأكثر غموضا. هذه التجربة الروائية تمنحنا مفتاحا لقراءة الحاضر. فمدن الخليج اليوم، بكل ما بلغته من تطور عمراني وتكنولوجي، تحمل في عمقها آثار تلك الصدمة الأولى. صحيح أن الواحات تحولت إلى عواصم عالمية، وأن الصحراء أصبحت موطنا لأكثر المشاريع طموحا في العالم، لكن السؤال العميق الذي طرحته الخماسية لم يُحسم، بل ربما ازداد تعقيدا مع التحولات الجديدة التي تعرفها المنطقة. ففي عالم الخماسية كانت السلطة تتشكل بالتوازي مع دخول النفط، وكانت علاقتها بالمجتمع تمر عبر التحكم في هذا المورد الجديد. اليوم تبدو هذه العلاقة أكثر تعقيدا، لكنها ما زالت تحمل الأثر نفسه. الدولة التي نشأت على توزيع الريع تجد نفسها الآن أمام تحدي إعادة تعريف دورها في زمن لم يعد فيه النفط ضمانة كافية للاستقرار، والمجتمع الذي تشكل في ظل الوفرة يواجه صعوبة في الانتقال إلى أفق مختلف دون أن يفقد توازنه. ما يضفي على هذا المشهد بعدا أكثر توترا هو السياق الإقليمي والدولي الذي يحيط به. ففي الخماسية كان الخارج حاضرا عبر الشركات الأجنبية التي جاءت لاستخراج النفط. أما اليوم فقد أصبح الخارج أكثر تشابكا، يتجسد في تحالفات عسكرية وصراعات إقليمية وتوازنات دولية معقدة. وهنا يتقاطع السرد الروائي مع الواقع السياسي: المكان الذي أُعيد تشكيله بفعل النفط يجد نفسه مرة أخرى داخل لعبة قوى أكبر منه. إذا كانت الخماسية قد صورت لحظة الولادة، فإن الحاضر يكشف عن لحظة اختبار. المدن التي نشأت بسرعة هائلة تجد نفسها اليوم أمام أسئلة لم تكن مطروحة بنفس الحدة من قبل: ليس فقط كيف تستمر اقتصاديا، بل كيف تحافظ على تماسكها في بيئة إقليمية مضطربة، وكيف تعيد تعريف علاقتها بذاتها وبالعالم. وفي هذا السياق، يكتسب الإحساس بانسداد الأفق بعدا ثقافيا عميقا. فهو ليس مجرد نتيجة لتحديات اقتصادية أو سياسية، بل تعبير عن فجوة بين عالمين: عالم تشكل بسرعة تحت تأثير النفط، وعالم جديد لم تتضح معالمه بعد. هذه الفجوة هي نفسها التي عاشتها شخصيات الخماسية في بدايات التحول، لكنها اليوم تتخذ شكلا أكثر تعقيدا، لأنها تتعلق بمستقبل كامل، وليس فقط بصدمة بداية. هنا بالضبط تتجلى قوة السرد عند عبد الرحمن منيف؛ فهو لم يكتب فقط عن حدث تاريخي، بل عن منطق تحول يمكن أن يتكرر بأشكال مختلفة. فاقتلاع المكان، وتفكك العلاقات القديمة، وصعود سلطة جديدة مرتبطة بمورد واحد، ثم الدخول في شبكة من التبعية الخارجية، كلها عناصر لا تزال حاضرة وإن تغيرت أشكالها. إن مدن الخليج اليوم تبدو وكأنها تعيش فصلا متأخرا من تلك الرواية. لم تعد الواحة موجودة لكي تُقتلع، لكن المدينة نفسها أصبحت مهددة بفقدان معناها إن لم تستطع إعادة تعريف شروط وجودها. ولم يعد الخارج مجرد شركة نفط، بل منظومة معقدة من القوى التي تحدد مسارات المنطقة بشكل مباشر أو غير مباشر. بهذا المعنى، لا تبدو "مدن الملح" نصا عن الماضي، بل مرآة ثقافية للحاضر. فهي تكشف أن التحولات التي بدأت مع النفط لم تنته بعد، وأن ما يبدو اليوم كأزمة أو انسداد أفق هو امتداد لمسار طويل من التحولات التي لم تصل إلى توازنها النهائي. وفي هذا الامتداد، يظل السؤال الذي يسكن السردية قائما: كيف يمكن لمجتمع وُلد من طفرة أن يصنع تاريخا؟ وكيف يمكن لمدينة قامت على مورد أن تبني معنى يتجاوز هذا المورد؟ تلك هي الأسئلة التي تجعل من نص منيف نصا حيا، لا لأنه تنبأ بالمستقبل، بل لأنه فهم عمق التحول الذي ما زلنا نعيشه حتى الآن. لاهاي، 17 مارس 2026