بقلم : علي طالب يضعنا المشهد الميداني الذي أفرزته الفيضانات الأخيرة أمام حقيقة سياسية لم تعد تقبل التأويل، حيث تجلت بوضوح هيمنة الإدارة الترابية على زمام المبادرة، مقابل تراجع مخجل لمؤسسات المنتخبين التي بدت عاجزة عن مسايرة إيقاع الأزمة. ولعل جولة الوالي محمد اليعقوبي، وهو يقطع الكيلومترات مشيا على الأقدام ب "بوطه" الميداني، لم تكن مجرد إجراء تقني لتفقد نهر سبو، بل كانت بيانا مرئيا يكرس سطوة "التعيين" في تدبير اللحظات الحرجة، تزامنا مع غياب تام لأصحاب الوعود الانتخابية الذين اعتادوا الظهور في المهرجانات الخطابية وتواروا عن الأنظار حين ارتفع منسوب المياه. وعلى المنوال نفسه، جاءت زيارة يونس التازي، والي جهة طنجةتطوانالحسيمة، لمدينة القصر الكبير المنكوبة لتعمق الفوارق الجوهرية بين منطق الدولة ومنطق الأحزاب. فبمجرد تلقيه تعليمات صارمة من الإدارة المركزية، قطع التازي عطلته وعاد ليرابط في أحياء المدينة الغارقة، في حركة رمزية تؤكد أن المسؤول المعين يظل في حالة استنفار وجودي حتى وهو خارج الحدود، بينما يغط المسؤول المنتخب في سبات عميق خلف أسوار مجالس عجزت حتى عن تطهير قنوات الصرف الصحي. وعلى الرغم من الميزانيات الضخمة والصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المجالس الجماعية، إلا أن "زلزال" الفيضانات كشف هشاشة البنية التحتية التي يُشرف عليها هؤلاء المنتخبون، مما دفع وزارة الداخلية إلى استرجاع مفاتيح التدبير الميداني بشكل كامل. وبناء على ذلك، تحركت "أم الوزارات" بمنطق التعليمات التي لا تقبل الجدل، حيث وجد العمال والولاة أنفسهم مضطرين لاستبدال بذلاتهم الرسمية بملابس الميدان، في خطوة تعكس الانضباط الصارم للإدارة الترابية، مقابل الترهل الذي أصاب نخب الصندوق التي وجدت نفسها خارج التغطية وسط صراخ الساكنة المحاصرة بالسيول. وفي السياق ذاته، يبرز تكليف الوالي خالد الزروالي بملف القصر الكبير، مدعوما بزيارة الوالي التازي، كإعلان رسمي عن إفلاس النخب المحلية في تلك المدينة، إذ كيف يمكن لمسؤول منتخب أن يقنع المواطنين بجدوى وجوده، وهو الذي غاب عن المشهد بينما تتولى السلطات المعينة إقامة الخيام وتدبير الإيواء وتوزيع المساعدات؟ ومن هنا، يتضح أن الفوارق لم تعد تقتصر على الصلاحيات فقط، بل امتدت لتشمل العقيدة المهنية؛ فبينما يرى الوالي نفسه جنديا محكوما بواجب النتيجة، يرى المنتخب منصبه تشريفا زمنيا ينتهي بمجرد إغلاق مكاتب التصويت والظفر بالكرسي. علاوة على ذلك، فإن نجاح الإدارة الترابية في احتواء غضب الساكنة عبر التدخل المباشر للقوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، زاد من حدة التساؤلات حول جدوى الديمقراطية المحلية في صيغتها الحالية. وبدلا من أن تكون الجماعات الترابية خط الدفاع الأول عن المواطن، تحولت إلى عبء ثقيل يحتاج بدوره إلى إنقاذ من طرف العمال والولاة، مما يكرس فكرة الدولة الراعية التي تتدخل لترميم ما أفسده التدبير الحزبي القائم على الحسابات الضيقة والانتهازية السياسية التي تفضل الاستلقاء في زمن الغرق. وتأسيسا على ما سبق، يظهر أن "سياسة البوط" قد انتصرت في معركة الشرعية الميدانية، تاركة "شرعية الصندوق" تتخبط في أوحال الفشل والنسيان. فالمواطن الذي يرى الوالي يقطع عطلته ليعود لخدمته، أو يرى اليعقوبي يقطع 15 كيلومترا وسط الأخطار لتأمين عيشه، لن يكترث مستقبلا لبرامج أحزاب لا تتقن سوى لغة الهروب إلى الأمام. وهكذا، يسدل الستار على فصول هذه النكبة بحقيقة مرة وهي أن الدولة قوية برجالاتها المعينين الذين يتركون راحتهم خلف ظهورهم، وضعيفة بمؤسساتها المنتخبة التي أثبتت أنها مجرد ظاهرة صوتية تغرق مع أول قطرة مطر.