في ظل تحول مناخي لافت كسر حدة الجفاف التي جثمت على المملكة لسبع سنوات عجاف، دخل سد واد المخازن مرحلة اختبار تاريخية غير مسبوقة، حيث كشف صلاح الدين الذهبي، المدير العام لهندسة المياه بوزارة التجهيز والماء، في إفادة صحفية اليوم الأربعاء، عن وضعية هيدرولوجية استثنائية تعيشها هذه المنشأة الحيوية. وأكد المسؤول أن السد، ورغم الضغط الهائل الناتج عن تجاوز سعته الاعتيادية منذ مطلع يناير الماضي، لا يزال صامدا ومحافظا على سلامته الهيكلية وتجهيزاته التقنية، دون تسجيل أي اختلالات أو أعراض مقلقة حتى حدود اللحظة، رغم أن منسوب المياه بالحقينة ارتفع بمقدار أربعة أمتار فوق أعلى مستوى تاريخي سجل للمنشأة منذ انطلاق استغلالها قبل أكثر من نصف قرن، وتحديداً في عام 1972. وتعكس الأرقام التي أوردها الذهبي حجم الطفرة المائية التي شهدتها المنطقة، إذ استقبل السد منذ فاتح سبتمبر الماضي واردات مائية ضخمة ناهزت 972.9 مليون متر مكعب، والمثير للدهشة أن أكثر من 73% من هذه الكمية تدفقت في غضون الأسبوعين الأخيرين فقط، مما جعل حجم الواردات يتجاوز المعدل السنوي بنسبة كاسحة بلغت 184 في المائة. هذا الاندفاع المائي الاستثنائي رفع مخزون السد إلى 988 مليون متر مكعب بحلول 4 فبراير 2026، لتصل نسبة الملء إلى رقم قياسي قدره 146.85 بالمائة، وهو ما دفع المصالح المختصة إلى مباشرة عمليات تفريغ وقائية واستباقية لتصريف حوالي 372.9 مليون متر مكعب، بهدف خلق توازن بين حماية المنشأة واستيعاب التدفقات القادمة. ومع استمرار التوقعات المناخية التي تنبئ بمزيد من التساقطات، رفعت الوزارة درجة التأهب التقني إلى أقصى مستوياتها، حيث تم الانتقال من نظام القياس الشهري إلى نظام صارم يعتمد فترتين للقياس يوميا، مع الاستعانة بفرق تخصصية لمراقبة أدق التفاصيل الهندسية. وتتوقع الوزارة أن تشهد الأيام السبعة المقبلة ذروة جديدة في الواردات المائية قد تصل إلى 620 مليون متر مكعب، مع احتمال وصول حمولة قصوى للسد تبلغ 3163 متراً مكعبا في الثانية، ما سيتطلب رفع وتيرة تصريف المياه إلى 1377 مترا مكعبا في الثانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف الصبيب الحالي. ولضمان سلامة الساكنة والممتلكات، لجأت الوزارة إلى تقنيات المحاكاة الهيدرولوجية الدقيقة التي تعمل بنظام الساعة، لرسم خرائط استباقية للمناطق المهددة بالفيضانات، آخذة بعين الاعتبار تدفقات الأودية غير المنظمة خلف السد. وعلى نطاق أوسع، يبدو أن الموسم الهيدرولوجي الحالي قد أحدث مصالحة حقيقية مع الموارد المائية الوطنية، حيث سجلت المملكة منذ سبتمبر الماضي تساقطات بلغت 145.5 ملم بفائض قدره 32.5% عن المعدل السنوي، مما انعكس بشكل مباشر على المخزون الوطني الذي قفز إلى 10.37 مليار متر مكعب بنسبة ملء إجمالية ناهزت 61.88 بالمائة، وهو إنجاز مائي لم يتحقق منذ عام 2019. وتكمن خصوصية هذه الواردات في كون 95% منها تدفقت في زمن قياسي لم يتجاوز شهرين، مما استوجب عمليات إفراغ محكومة في عدة سدود، منها سد الوحدة، لخلق سعة احتياطية تضمن استقرار المنشآت. وتواصل وزارة التجهيز والماء، بتنسيق وثيق مع وكالات الأحواض والسلطات المحلية، مراقبة هذا الوضع الاستثنائي على مدار الساعة، مسخرة كافة الإمكانيات التقنية والبشرية لتحويل هذه الوفرة المائية من تحد هندسي إلى مكسب وطني يضمن الأمن المائي مع حماية الأرواح والمنشآت.