روبورتاج الناظور: بناء "مغرب الكرامة والتقدم" يجمع شبيبة "حزب الأحرار"    البيت الأبيض يعلن خروج بايدن من الحجر الصحي بعد شفائه من كورونا    بينهم 15 طفلا.. ارتفاع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة إلى 41 "شهيدا"    فاجعة.. انتحار أستاذ بالشارع العام بمراكش    "مفرقعات عاشوراء" تتحدى القانون بتحويل شوارع المغرب إلى "ساحات حرب"    هيئة الصحة في غزة تعلن ارتفاع قتلى الفلسطينيين إلى 36 شخصا بينهم 11 طفلا    "أمنستي" تأسف لردود الفعل الغاضبة من تقريرها حول أوكرانيا المنحاز لروسيا وتؤكد تمسكها بمعطياته    الجديدة..خلاف ينتهي بجريمة قتل بشعة ذهب ضحيتها رب أسرة    توجيه خاص من رئاسة الحكومة لجميع الموظفين والموظفات يهم اللباس بمقرات العمل.    "البيجيدي": بلاغ الخارجية تراجعي ساوى بين المعتدي والضحية والتطبيع لا يبرر السكوت عن إدانة العدوان الصهيوني    تويتر تكشف عن ثغرة أمنية هددت باختراق حسابات الملايين من مستخدميها    ڤيديوهات    المغرب يسجل 121 إصابة جديدة وحالة وفاة واحدة ب"كورونا" خلال 24 ساعة    فن اللغا والسجية.. سلطان الآلات/ بلجيكا/ المهرجان الدولي للعود (فيديو)    وزارة الثقافة تفتح باب الترشيح لجائزة الحسن الثاني للمخطوطات للعام 2022    البطولة العربية للملاكمة (شبان) .. المغرب يحرز 7 ميداليات من بينها ذهبيتان    كأس إفريقيا لكرة القدم الشاطئية.. إنسحاب المنتخب الايفواري من إتمام مباراته أمام المنتخب المغربي    الزغوطي يهدي التايكواندو المغربي برونزية    تصدعات في البيت الداخلي لحزب لشكر واحتمال "انشقاق" داخل الحزب    الجيش الإسباني ينطلق في تحطيم معالم جزيرة النكور المحتلة    أخنوش يعد بزيادة أجور العاملين بالقطاعين العام والخاص    الهيدروجين الأخضر.. ملاذ المغرب أمام تقلبات أسواق الطاقة    الملك محمد السادس يهنئ رئيس جمهورية الكوديفوار بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني    الاتجار بالمخدرات يطيح بجانح عشريني في يد الشرطة    فيديو: رئيس جماعة أملن يحتج على " الإهانة" التي تعرض لها المجلس من قبل الإدارة الجهوية ل "ONEP"    اقترحتها مصر.. إسرائيل وافقت على هدنة في غزة    قيادي فلسطيني: الموقف الأمريكي مما يقع في غزة يعكس الانحياز الأعمى ل"إسرائيل"..    10 حالات بسوس ماسة.. تفاصيل التوزيع الجغرافي لإصابات كورونا الجديدة بالمغرب    بوطازوت تثير الشكوك بشأن حملها للمرة الثانية -صور    حكيمي يكشف عن وضعه مع ميسي ونيمار في باريس سان جيرمان    تسجيل 121 إصابة جديدة بكورونا وإجراء 24880311 عملية تلقيح بالمملكة    المغرب يرصد 121 إصابة جديدة ووفاة واحدة بكورونا خلال 24 ساعة    كورونا سوس ماسة: تفاصيل الحالة الوبائية في الجهة    قانون مالية 2023.. الحكومة تلتزم بتقديم دعم مباشر للسكن وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية    بالتقسيط.. أسعار أهم المواد الغذائية الأساسية بأسواق الجهة    أقدم سد فالمغرب حبس الما على الفيرمات والفلاحين كبد خسائر مالية كبيرة لماليه.. ومصدر بوزارة الماء ل"كود": الاولوية للماء الصالح للشرب وكازا كتعيش سكتة مائية    فضل يوم عاشوراء وكيف نحييه في هذه الأيام ؟    توخيل يرسل رسالة مشفرة لزياش في الجولة الافتتاحية للدوري الإنجليزي    بطولة العالم لألعاب القوى للشباب.. صلاح الدين بن يزيد جاب برونزية للمغرب    الجزائري بوبكر جديد انتدابات الوداد    الفاعل الاقتصادي رشيد كوسعيد في ذمة الله    "اتصالات المغرب " تتصدر التداولات الأكثر نشاطا في بورصة البيضاء برقم معاملات تجاوز 66 مليون درهم    إشبيلية الإسباني يتعاقد مع إيسكو قادماً من ريال مدريد لموسمين    رئيس الفريق الاشتراكي يدعو إلى مشروع قانون مالية 2023 بالتوافق بين الحكومة والمعارضة    واش بسباب الفساد وكثرة الإجراءات؟..الوزير الجزولي: كثر من 90 فالمائة من تحويلات مغاربة العالم مكتمشيش للاستثمار.. وها التحفيزات لي دارت الحكومة    ميزانية 2023…أخنوش يدعو للتقليص من نفقات اقتناء السيارات وتنظيم الحفلات والمؤتمرات    البيجيدي: مجلس المنافسة يتعامل بانتقائية مع المؤسسات وتأخر في التفاعل مع ملف المحروقات    في الذكرى الخامسة لرحيله .. الرفيق حسن الصوابني الملتزم – المبتسم دوماً    المغرب يتابع بقلق بالغ ما تشهده الأوضاع في قطاع غزة    توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    10 أخطاء تعرقل خسارة دهون الكرش.. لا ترتكبها!    ماضوروش العام مع بعضياتهم.. كيم كاردشيان تفارقات مع صاحبها الجديد    تأمل في قائمة الابتلاءات والمصائب التالية..!!    الريسوني يتحدث عمن يمثل الإسلام بشكله الصحيح ..    مهدي مزين وحاتم عمور يشعلان حماس مهرجان "RAB' AFRICA" الصيفي بالرباط -فيديو    تأجيل الدورة السابعة لمهرجان السعيدية السينمائي    الأمثال العامية بتطوان.. (203)    ذ.قاسم اكحيلات: العلاج بالطاقة جاهلية جديدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دروب البحث عن الهوية
نشر في المساء يوم 16 - 09 - 2008

في سنة 1960 سيتم إنشاء معهد السوسيولوجيا بالرباط، وهو المعهد الذي سيؤشر على ولادة منطق جديد في مأسسة حقل العلوم الاجتماعية المغربية، وإعطائها نفسا جديدا، كما أن المعهد جسد بداية البعد الأكاديمي في الدراسات الاجتماعية بحكم اندراجه ضمن مؤسسات الدولة وتحديدا في منظومة التعليم العالي من دون أن تفقد السوسيولوجيا حسها النقدي والمعرفي بحكم ذاك الارتباط. في هذا السياق كان على السوسيولوجيا المغربية بقوة الواقع أن تخوض «نضالا» من أجل إثبات الذات والدفاع عن مشروعها ومشروعيتها في آن واحد. أمام السوسيولوجيا في مثل هذه المنعطفات التاريخية برأي عبد الكبير الخطيبي، مهمة نقدية ذات بعدين: تقتضي المهمة الأولى تهشيم المفاهيم وليدة المعرفة والخطاب السوسيولوجي الذي أنتجه الآخر حول مجتمعنا والمميز بنوع من الاستعلاء الغربي وبإيديولوجيا مركزية الذات، كما تقتضي المهمة الثانية -وفي الوقت ذاته وبموازاة المهمة الأولى- نقد الخطاب والمعرفة اللذين أنتجهما المجتمع حول نفسه. ومن ثم كان موقف الخطيبي إزاء الاستشراق (جاك بيرك أحد تعابيره) وتراكم المعرفة التي خلفها الإرث الكولونيالي، متسما بنوع من الحدة كما هو جلي في النص الذي كتبه سنة 1983، كاشفا متاهات المعرفة الاستشراقية حول المجتمع.
لقد تميزت، إذن، مرحلة معهد السوسيولوجيا -وهي مرحلة شهدت أيضا نشأة جمعية البحث في العلوم الاجتماعية وتحديدا سنة 1965- ما يمكن وصفه باتجاه يدعو إلى سوسيولوجيا من الداخل كنوع من الحاجة إلى تطبيع علاقة السوسيولوجيا بالمجتمع أو بصيغة عبد الكبير الخطيبي الذي كان يدافع عن إحلال التاريخ محل الإثنولوجيا وتفعيل اللغة الأم لوضع قواعد الأجهزة المفاهيمية المتطابقة مع لغة المجتمع ذاته.
مع أن هذا الطموح بقي مجرد أمنيات. استقطب معهد السوسيولوجيا خلال 1965 – 1966 عددا من الطلبة قدر ب: 266 طالبا، لقد كانت النزعة الماركسية تمثل حينها خلفية البحث في مجال العلوم الاجتماعية ولم يكن بالإمكان لمعهد السوسيولوجيا أن يشذ عن هذه القاعدة، ما جعل الأبحاث حينها -وأبحاث بول باسكون منها على الخصوص- تندرج في سياق معرفي يصل البحث في مجال العلوم الإنسانية بالحركة الاجتماعية، ولذلك كان الخطاب السوسيولوجي لهذه المرحلة متماهيا مع المبادئ والشعارات السياسية، بل امتدت الانتماءات السياسية لبعض المنتمين لهذه التجربة لتشمل تيارات سياسية عرفت براديكاليتها (حركة 23 مارس والحزب الشيوعي على سبيل المثال).
تقاطعت مرحلة التأسيس للسوسيولوجيا مع الصعود السياسي للاتجاهات اليسارية وتنامي مد الحركة الطلابية في الجامعات المغربية التي عرفت تسييسا قويا خلال تلك الحقبة انتهت بإقفال معهد السوسيولوجيا سنة 1970 بقرار من السلطات العليا، وهو القرار الذي سيترتب عنه أفول التقليد السوسيولوجي في الجامعة المغربية. ومنذ ذلك الحين بقيت السوسيولوجيا تخصصا منبوذا وغير معترف به بل ينظر إليه كما لو أنه علم القلاقل والعصيان.
في يناير 1973 تأسست الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، تكون مكتبها الوطني في حينه من: عبد الله حمودي، بول باسكون، محمد جسوس، عبد الكبير الخطيبي، محمد المعروفي، حميد الطاهري. وبينما كان السوسيولوجيون المغاربة يخوضون «نضالا» من أجل ترسيخ تقاليد سوسيولوجية مؤسساتية، كان على زملائهم العرب الانتظار حتى منتصف الثمانينيات لتأسيس جمعية لسوسيولوجيي العالم العربي سنة 1985.
لكن برغم التضييق بقيت الممارسة السوسيولوجية مستمرة بأشكال متنوعة منها على الخصوص إصدار المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع المعروفة اختصارا ب: BESM، وهي المجلة التي استمرت في نشر الدراسات وبقيت متنفسا للباحثين في ميدان العلوم الاجتماعية، سيعمل عبد الكبير الخطيبي فيما بعد (تحديدا سنة 1988) على إصدارها تحت اسم جديد: Signes du présent، كما بقيت أسئلة السوسيولوجيا متضمنة في تخصصات علمية أخرى كنوع من اللجوء الأكاديمي والمعرفي في انتظار رفع الحصار الصادر والمطبق بقرار سياسي في حق حقل علمي.
سوف تعرف السوسيولوجيا ومعها العلوم الاجتماعية عامة بداية من الثمانينيات إعادة مأسسة حذرة ومتوجسة لأن تجربة السبعينيات مازالت ذكراها حية في عقول أصحاب القرار، كما أن السوسيولوجيا في هذه المرحلة لم تكن لتطمح إلى الاستقلالية، إذ بقيت مندمجة في الجامعة المغربية ضمن شعب الآداب والقانون والاقتصاد.
وفي هذا السياق، تم تأسيس المعهد الجامعي للبحث العلمي IURS تقلد إدارته عبد الكبير الخطيبي، غير أن هذا المعهد لم يتمكن من منح مهنة الباحث الاجتماعي هوية تميزه، وقد بقيت مساهماته بعيدة عن متطلبات النهوض بالسوسيولوجيا في المغرب.
كما بقي الإنتاج السوسيولوجي محصورا ومحاصرا خاضعا في الأغلب الأعم للعوامل الموضوعية، كما أن الأطروحات الجامعية التي تندرج ضمن تخصص السوسيولوجيا لم تكن ترى طريقها إلى التتويج إلا في مناسبات نادرة مقارنة مع باقي التخصصات، وقد بقي الوضع على حاله حتى أواخر التسعينيات من القرن الماضي.
صحيح أن دينامية جديدة عرفها الإنتاج السوسيولوجي المغربي في مطلع القرن، غير أن هذه الدينامية مازالت في بداياتها الأولى وهي بالإضافة إلى ذلك مرتبطة بنوع خاص من السوسيولوجيا، إذ تندرج بشكل أساسي ضمن الأبحاث القطاعية التي تستجيب لمتطلبات الأجهزة والمؤسسات الدولية أو الرسمية المحلية. وهي بهذا المعنى أبحاث لا تستجيب لاستراتيجية السوسيولوجيا ذاتها، وإنما تشتغل لحساب استراتيجيات ظرفية ومملاة، مما يجعل السوسيولوجيا لا تتحكم ببرنامجها وبمشروعها بقدر ما تؤول إلى سوسيولوجيا تحت الطلب في إطار منطق التأقلم مع مقتضيات السوق وليس في إطار الانسجام مع مقتضيات المجتمع.
وإن كنا لا ننكر أهمية بعض أوجه هذا النوع من التوجه في البحث السوسيولوجي، إلا أن التوجس يبقى مشروعا من ذوبان السوسيولوجيا النقدية والتفسيرية والتحليلية واستبدالها بسوسيولوجيا مؤقتة وظرفية وتبريرية في خدمة مصالح وإيديولوجيات لوبيات القرار السياسي والاقتصادي والتجاري والمالي. وأن ترتد هذه السوسيولوجيا على نفسها وتبيع مناهجها ومعرفتها مقابل تحصيل مكاسب وهمية وأنانية.
ولذلك لم تنعتق بعد السوسيولوجيا ولم تتحرر بالكامل، فمازالت تفكر وتنقب في المواضيع المسموح بها، وتنقصها الجرأة والفعالية اللازمتان لممارسة تقليد معرفي يفضح كل أنواع الخدع والدجل التي تمارس باسم المجتمع لتهيمن عليه. مازال القرار السوسيولوجي مُهَرّبا (بضم الميم)، لمصلحة من يجهلون فوائد السوسيولوجيا أو من يخشون وجودها، وطالما بقيت استقلالية البحث الاجتماعي رهينة مؤسسات لا تعترف للسوسيولوجيا بوظائفها المجتمعية فسيستفحل عجزها وهامشيتها. سلاح السوسيولوجيا هو منهجها ومعرفتها، صدقيتها في مدى قدرتها على ممارسة التفسير الذي يحتاجه المجتمع في لحظات التحول. وإلا فلا فائدة ولا جدوى من السوسيولوجيا.
* باحث في السوسيولوجيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.