عادتْ الفلسفة إلى المدرسة، ولكن روح الفلسفة لم تَعُد. ما زال درس الفلسفة في التعليم الثانوي، بشكل خاص، بين الدروس التي يَرفُضُها التلاميذ، أو يأنَفُون منها. ليس لأنَّ الفلسفة درساً قاسياً وصعباً أو مُغْلَقاً، بل لأنَّ التَّأَخُّر في الوصول إليها، أو غياب ما يُمهِّد للدرس الفلسفي في السنوات السابقة، ساعدَ في حدوث سوء الفهم، هذا، بين الفلسفة والتلاميذ. ما سيجعل الفلسفةَ، عَصِيَّةً وغامِضَةً، في أوَّل لِقاءٍ بها، هو غياب الاستعداد المسبق، أو التمرينات الأولية التي يكون فيها التلاميذ قرؤوا على الأقل تاريخها، أو بعض تاريخها، أو تعرَّفُوا على بعض المفاهيم الأساسية التي يأخُذونَها، في دروسهم المختلفة، أو في حوارات مفتوحة، على شكل «أغُورَا» أو «فُورُوم» يكون جزءاً من دروسهم العامة، أو من أنشطتهم الفكرية والثقافية التي هي تمرينات واستعدادات قبلية، من مثل التعرُّف على بدايات الفكر، أو ما قبل الفلسفة، كالفكر السحري والفكر الأسطوري، أو ما يُعْتَبَر بدايات الفكر الإنساني. فثمَّة نصوص يمكنها أن تكون أرضيةً لهذا الحوار والنقاش، ولهذه «الأغورا» أو «الفُورُوم» الذي يمكنه أن ُيساعِدَ على التَّخفيف من صدمة اللقاء الأول بالفلسفة، أو بأسئلتها المزعجة والمثيرة للحيرة والقلق. الدرس الفلسفي ليس أن يقرأ التلاميذ مجموعة من النصوص، ويقوموا بتحليلها بحضور مُدَرِّسيهِم، وأن يحفظوا مضامين ما يتلقَّوْه من مفاهيم، وهذا ما يجري في الغالب، في هذا النوع من الدروس التي لا يحدث فيها التجاوب اللازم بين الأستاذ والتلاميذ، بل إنَّ أهمية الفلسفة تكمن في جَرّ التلاميذ لروح الفلسفة، للتأمُّل، والمُساءلة، والتَّفَحُّص، ومراقبة الظواهر المختلفة ومتابعتها بنوع من القلق والرغبة في المعرفة، وبالشّكّ قبل اليقين، وباختبار العقل في مواجهة ما يتأمَّلُه ويختبره، وفي فهم دور المفهوم، نفسه، في قراءة الظواهر وتحليلها. نفس الأمر يسري على المنهج، أو المناهج التي نواجه بها ما نحن بصدد دراسته، أو مراقبته. فبدون وعي تأمُّلِيّ نقديّ، وبدون فضول معرفيّ، ورغبة في البحث والتَّقَصِّي، وإعمال العقل والمنطق، لا يمكن لهذه الروح أن تعود للدرس الفلسفي، ولا يمكن أن تحدُث مُصالحَة التلاميذ مع الفلسفة، وهي مُصالحة تفترض تهييئاً سابقاً لبدء العلاقة بين الطرفين، تكون بمثابة التفاوض الأول على قواعد اللقاء، ومعرفة كل طَرف بلغة الآخر، أو بالطريقة التي يُفَكِّر بها، حتى لا يحدث أي سوء فهمٍ منذ البداية. ثمَّة مشكلة أخرى في هذه العلاقة، وهي بين العوائق التي تخلق مسافة سابقة بين الفلسفة ودارسيها، حتى قبل اللقاء، وفي الحجر على روح الفلسفة، وعَرْقَلَة وُصولها للتلاميذ دون أحكام مسبقة، في المدرسة، هو تلك الإشاعاتٍ المُغْرِضَة، بإلحاد الفلسفة وكُفْرِها، وبأنَّ التَّفَلْسُف يعني المُروق والزندقة، وفقاً للعبارة الشهيرة «من تمنطق تزندق»، وهذا أمر فيه تحامُل على الفلسفة، وعلى الفلاسفة، وتحامُل على العقل، لصالح فكرٍ يخشى السؤال والمُراجعة، لأنه فكر تعوَّد على الجواب، وعلى الإيمان الأعمى بكل شيء، مهما تكن سذاجتُه وضحالتُه. نحتاج اليوم لروح الفلسفة، لا لدروس باردة، عقيمة، غالباً ما تجعل علاقة التلاميذ بها، تنتهي، بمجرّد انتهاء الامتحان. فالفلسفة فكر مفتوح على السؤال، وعلى النقد والحوار، وهذا ما نحتاجُه في واقعنا وفي حياتنا، لنخرج، على الأقل، من هذا الجهل الذي انتشر في نفوسنا.