عن سن 95 سنة، رحل الشيح حمزة بن العباس بودشيش، شيخ الزاوية البودشيشية، إحدى أكبر الزوايا في العالم، حيث سلم الشيخ روحه بالمركز الإستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، فجر يوم أمس الأربعاء، بعد وعكة صحية ألمت به منذ أسابيع. وأكد منير بودشيش، حفيد الشيخ، والناطق الرسمي باسم الزاوية، نبأ وفاة جده، في اتصال هاتفي مع "أخبار اليوم" وزاد بصوت متأثر بفراق الشيخ، أن جثمانه سيوارى الثرى اليوم الخميس بعد صلاة العصر "لم نتفق بعد ولكن هذا هو الغالب" يضيف نفس المتحدث، مشيرا في هذا السياق إلى أنهم ينتظرون التحاق الناس، وهو ما يؤكد بأن جنازة الشيخ ستكون كبيرة، نظرا لانتشار الطريقة في المغرب والعالم، و إلى عدد المريدين الذين كانوا يحضرون إلى الملتقى السنوي الذي تنظمه الزاوية بمقرها بمداغ ضواحي بركان. أكثر من شهر من المعاناة خلال تنظيم الزاوية البودشيشية لاحتفالاتها بمداغ أواخر السنة المنصرمة، لاحظ المريدون غياب الشيخ حمزة، عن المنصة التي كان يستقدم إليها كل سنة لإحياء "الليلة الكبرى" رفقة مريدي الزاوية، وبسرعة أدرك الجميع بأن المانع هو المرض. ونقل الشيخ إلى المستشفى الجامعي بوجدة، يوما واحدا قبل إحياء الليلة الكبرى، حيث أدخل إلى قسم العناية المركزة، ومكث هناك تحت مراقبة طبية مكثفة، بل إن طاقما طبيا بعث به ملك البلاد لمعاينة حالة الشيخ، حسب حفيده معاذ بودشيش، الذي أدلى في وقت سابق بتصريحات حول الحالة الصحية لجده ل"أخبار اليوم"، وكشف معاذ أيضا حينها بأن جده أصيب بنزلة برد حادة أثّرت على رئتيه، بالنظر إلى سنه المتقدم. وبعدما قضى الشيخ 15 يوما في العناية المركزة، خرجت الطريقة ببلاغ عممته على الرأي العام، كشفت فيه بأن الشيخ قد تعافى حيث قالت في هذا الصدد: "بفضل الله عز وجل، ذي الجود والإنعام، وبفضل العناية الخاصة والمستمرة لمولانا أمير المومنين أدام الله عزه ونصره، وبفضل المهنية العالية للأطباء المغاربة المقتدرين الذين نعتز بهم، فقد تعافى بحمد الله تعالى، شيخ الطريقة العارف بالله، الحاج سيدي حمزة بن العباس، من الوعكة الصحية التي كانت قد ألمت به، حفظه الله تعالى، في مستهل ربيع الأول من هذه السنة". وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه مريدو الطريقة مغادرة شيخهم للمستشفى بعد هذا البلاغ المطمئن، تدهورت من جديد حالته إلى أن توفي أمس الأربعاء. من خصال الشيخ "الشيخ كان بصحة جيدة ومنذ سنة ونصف تقريبا رأيته بأم عيني وهو يستعمل الدراجة الثابتة الرياضية" يقول يوسف الزاكي، وهو إبن أخت الشيخ، وواحد من الذين عرفوه عن قرب، ويضيف نفس المتحدث في تصريح ل"أخبار اليوم" أن الشيخ كان يواظب على المشي صباح مساء رغم كبر سنه. وعن حياة الراحل، قال الزاكي، بأن قوة خاله تكمن في دعمه للشباب الراغب في التعلم "كان يدعم الشباب ليتعلموا وقد تكلف بمصاريف العديد منهم من بداية دراستهم إلى نهايتها حتى أصبحوا أطرا" يقول الزاكي قبل أن يضيف: "لقد أصبح الشباب الذين تكلف بجميع مصاريفهم مهندسين وأطرا، وكذلك أفراد عائلته من الأحفاد وغيرهم، الجميع أصبحوا أطرا بفضل دعمه لتعلمهم". أعمال الشيخ وفق نفس المتحدث لم تكن تقتصر على هذا الجانب فقط، بل كان أيضا يساعد المحتاجين والفقراء، في المناسبات والأعياد ليقول بنبرة كلها حزن "خبر وفاته نزل كالصاعقة". مسار حياة شيخ يقدم الموقع الرسمي للزاوية نبذة عن حياة الشيخ حمزة، حيث أورد عبد العزيز أيت اسي، في الموقع نفسه أن الشيخ ولد سنة 1341ه / 1922م بقرية مداغ، وعن مساره العلمي والتربوي يؤكد أنه "حفظ القرآن الكريم وأنهى دراسته بالسلك الأول من التكوين العلمي، و لم يتجاوز عمره 14 سنة، وتلقى علوم الشريعة الغراء بزاوية أسرته العريقة أولا، فأخذ علوم الفقه و اللغة والنحو عن الفقيه العلامة سيدي أبي الشتاء الجامعي، والفقيه العلامة سيدي محمد بن عبد الصمد التجكاني، والفقيه العلامة سيدي علي العروسي اليزناسني والفقيه العلامة الحاج حميد الدرعي". ويضيف نفس المصدر، أنه تابع التحصيل والتكوين بمدينة وجدة في المعهد الإسلامي، التابع يومئذ لنظام جامعة القرويين، وأخذ فيه عن أعلام منهم سيدي أبو بكر بن زكري، ناظر الأحباس، وسيدي عبد السلام المكناسي وسيدي محمد بن ابراهيم اليزناسني وسيدي محمد الفيلالي وسيدي الحبيب سيناصر". وفي سنة 1940 كشف نفس المتحدث أنه "عاد إلى الزاوية لمزيد النهل من علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية تحت إشراف وتوجيه العلامة المحقق سيدي محمد الكبداني، ويزداد نجمه بزاوية أسلافه الكرام، فيضطلع العالم اليافع بمهمة التدريس والتذكير خاصة في علوم النحو والفقه والسيرة النبوية"، وأضاف نفس المصدر أنه "في سنة 1942م، يشاء القادر الحكيم سبحانه أن يشرع سيدي حمزة مع والده الجليل سيدي العباس في سلوك طريق التربية والتزكية على يد الولي الكبير، العارف الكامل، الشيخ سيدي أبي مدين بن المنور القادري البودشيشي". العبادي: الشيخ حمزة كان رجلا صابرا صالحا "الشيخ كان رجلا صابرا وصالحا" هكذا علق محمد العبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، على وفاة الشيخ حمزة وقال في شهادة قدمها لأخبار اليوم في حق الراحل "أسأل الله عز وجل للشيخ حمزة القادري البوتشيشي الرحمة والغفران، وأشهد أنه كان رجلا صابرا صالحا". وأضاف، عبادي قائلا : "أبني شهادتي على شهادة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله الذي كان يشهد له بالخير والصلاح والفضل، وكذلك الأخوين المرحومين أحمد الملاخ ومحمد العلوي السليماني من قادة العدل والإحسان الذين جالساه، فأنا لم يسبق لي أن جالسته أو شاهدته ولكني أبني على شهادتهم". وكشف العبادي، بأن "الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله كان أول الموقعين في وصية أبيه له بتولي الإشراف على الزاوية وتربية مريديها". من يرث الشيخ؟ بالرغم من أنه لم تنكشف إلى الآن تفاصيل خلافة الشيخ حمزة على رأس الزاوية، إلا أن العديد من المتابعين يرجحون أن يرثه، على رأس أكبر زاوية في المغرب، ابنه جمال الذي لزمه في حياته بالمركز العام للزاوية بمداغ. وما يعزز هذا الرأي وفق العديد من المتابعين، كون الشيخ حمزة ورث هو أيضا قيادة الزاوية عن والده الشيخ العباس الذي يوجد قبره بالمركز العام للزاوية بمداغ. جدل حول الزاوية! رغم أنها هي الزاوية الأكبر استقطابا في المغرب، إلا أن الجدل ظل يرافق الزاوية البودشيشية، خاصة خلال موسمها السنوي الذي تنظمه بمداغ، حيث اتهمت غير ما مرة بممارسات غير لائقة.غير أن الزاوية، كانت ترد في كل مرة عبر حفيد الشيخ منير بودشيش بالقول بأن المريدين لا يقدسون الشيخ، وأن من رأى ليس كمن سمع في إشارة إلى أن الذين يوجهون الاتهامات إلى الزاوية لم يزوروا الزاوية وبالتالي لا يمكنهم الحكم على الزاوية، ويردد أتباع الزاوية دائما عبارة "أن من جهل شيء عاداه" في إشارة إلى ضرورة توفر العلم بالشيء حتى يمكن الحكم عليه. كما أن الزاوية كان لها دور كبير في التعبئة للتصويت لصالح دستور 2011، حيث خرج مريدوها بالآلاف يدعون للتصويت لصالح الدستور، إلى جانب الزوايا الأخرى.