د محمد كرواوي* الخميس 21 غشت 2025 - 23:06 العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية ومعنى انهيار العدالة الكونية لم يكن الإعلان عن العقوبات الأميركية الجديدة ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية حدثا تقنيا أو إداريا عابرا، بل هو لحظة كاشفة تفضح ما ظل يتوارى خلف لغة القانون الدولي وبلاغة الخطاب الحقوقي الغربي لعقود. فمنذ إنشاء المحكمة عام 2002، كان ينظر إليها كخطوة غير مسبوقة في بناء سلطة قضائية عالمية مستقلة، قادرة على ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أينما وقعت، بصرف النظر عن مرتكبيها. لكن ما إن اقتربت يد العدالة من قادة إسرائيل والجيش الأميركي، حتى انكشفت حدود هذه الاستقلالية، وسقط القناع عن حقيقة أن العدالة الكونية تظل مشروطة بإرادة الأقوياء ومصالحهم الاستراتيجية. العقوبات الأميركية، إذن، ليست مجرد تجميد أصول أو منع تأشيرات، بل هي إعلان سياسي صريح: لا عدالة خارج حدود الهيمنة الأميركية، ولا قضاء يتجرأ على محاكمة من تعتبرهم واشنطن جزءا من بنيتها الأمنية أو حلفاءها الاستراتيجيين. ولعل ما يضاعف من خطورة هذا القرار أنه جاء مباشرة بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق شخصيات إسرائيلية على أعلى مستوى، وفي مقدمتها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق باستخدام التجويع كسلاح في غزة واستهداف المدنيين بشكل ممنهج. كان من المفترض أن يقود هذا القرار إلى فتح نقاش عالمي حول شرعية الحروب الحديثة وحدود القوة العسكرية وحقوق المدنيين تحت الاحتلال، لكن ما حدث كان العكس تماما: فقد تحول النقاش من ضحايا الحرب إلى ضحايا العقوبات، ومن غزة إلى لاهاي، ومن دماء الأبرياء إلى أصول القضاة المجمدة. في هذه المفارقة القاسية، يتجسد منطق الهيمنة الذي يجعل حياة آلاف الأطفال الفلسطينيين أقل قيمة في ميزان السياسة العالمية من صورة إسرائيل في الإعلام الغربي، ويحول المأساة الإنسانية إلى مجرد تفصيل ثانوي في معركة النفوذ بين واشنطن ومؤسسة قضائية دولية. الأدهى من ذلك أن هذه العقوبات تكشف عن طموح أميركي يتجاوز مجرد الدفاع عن مواطنيها أو رفض اختصاص المحكمة، ليصل إلى فرض إرادتها على 125 دولة عضو في نظام روما الأساسي. فالرسالة التي تبعثها واشنطن اليوم ليست موجهة إلى لاهاي وحدها، بل إلى العالم كله: من يتجرأ على الاقتراب من ملفات إسرائيل أو الولاياتالمتحدة سيجد نفسه في مواجهة ماكينة العقوبات، بكل ما تحمله من تجميد أصول، وملاحقة مالية، وتشويه إعلامي. وهنا لم تعد المسألة مرتبطة بتفسير قانوني حول الولاية القضائية، بل دخلنا في منطق الإملاء السياسي المباشر، حيث لا مكان لحياد القاضي أو استقلال المؤسسة. وهذا ما يحول المحكمة من كيان قضائي إلى ساحة معركة، ومن هيئة يفترض أن تجسد القانون إلى ضحية تتلقى الضربات لأنها حاولت أن تطبق القانون على من ظنوا أنفسهم فوقه. ولكي نفهم عمق هذا الموقف، علينا أن نعود إلى التاريخ القريب. فالولاياتالمتحدة لم تخف يوما شكوكها تجاه المحكمة، وقد بلغ الأمر بها عام 2002 أن أصدرت قانون حماية أفراد القوات الأميركية المعروف إعلاميا بقانون غزو لاهاي، الذي أجاز للرئيس استخدام كل الوسائل الضرورية لتحرير أي أميركي قد تحتجزه المحكمة. كان ذلك إيذانا واضحا بأن واشنطن لا ترى نفسها معنية بالقانون الدولي إلا حين يخدم مصالحها. الجديد اليوم هو الانتقال من موقع الرفض السلبي إلى موقع الهجوم المباشر: لم تعد واشنطن تكتفي بإعلان عدم اعترافها بالمحكمة، بل باتت تعمل على تحطيمها من الداخل، بإضعاف قضاتها، وتخويف موظفيها، وإفراغ قراراتها من أي أثر عملي. إنها ليست سياسة انسحاب، بل سياسة اجتثاث، هدفها منع أي مؤسسة قضائية من أن تتحول يوما إلى سلطة مضادة لهيمنة الدولة العظمى. وإذا انتقلنا إلى أوروبا، فإن الموقف لا يقل فضيحة. صحيح أن فرنسا سارعت إلى إدانة العقوبات ووصفتها بأنها غير مقبولة، لكن هذا الموقف ظل محصورا في البيانات الدبلوماسية، دون أي استعداد لتحمل تبعات المواجهة مع واشنطن. أما الاتحاد الأوروبي، فبدا مشلولا، ممزقا بين خطابه الليبرالي عن القيم الكونية وواقعه الاستراتيجي الذي يربط أمنه بحلف الأطلسي وعلاقاته بالولاياتالمتحدة. وهكذا ظهرت أوروبا مرة أخرى عاجزة عن إثبات استقلاليتها السياسية، مكتفية بلعب دور المتفرج الذي يتأسف على انهيار العدالة الدولية لكنه لا يملك سوى كلمات الشجب والإدانة. هذا التردد يفضح هشاشة ادعاءات أوروبا بأنها قوة قانونية أو أخلاقية في السياسة الدولية، ويثبت أن القيم الكونية تستحضر فقط حين لا تتعارض مع حسابات النفوذ والمصالح. أما في الجنوب العالمي، فإن الرسالة التي تصل إلى الشعوب أشد قسوة وأكثر وضوحا: العدالة الدولية ليست سوى أداة استعمارية جديدة، تستخدم لمعاقبة الضعفاء وتبرئة الأقوياء. فمنذ تأسيس المحكمة، كانت غالبية القضايا المرفوعة أمامها موجهة ضد قادة أفارقة أو دول صغيرة لا تمتلك شبكة حماية دولية. ولم يطرح السؤال بجدية إلا حين اقتربت ملفات المحكمة من إسرائيل وأميركا. عندها، انقلبت الطاولة، ولم يعد القضاة في موقع القوة بل في موقع الاتهام. وهذا التمييز الصارخ يغذي شعورا عميقا بالظلم في وعي شعوب الجنوب، ويعزز سرديات المظلومية التي ترى في القانون الدولي مجرد غطاء لشرعنة هيمنة القوى الغربية، ويزرع بذور انعدام الثقة في المؤسسات الدولية، بل وفي فكرة العدالة ذاتها. إن الخطر الأكبر الذي تطرحه هذه العقوبات لا يقتصر على المحكمة كهيئة قضائية، بل يطال مفهوم النظام الدولي القائم على القواعد برمته. فحين تختار الولاياتالمتحدة القواعد التي تناسبها وتنسف ما سواها، ينكشف زيف فكرة القانون الدولي كمرجعية عليا محايدة. ويعود العالم إلى منطق الغلبة، حيث تحدد القوة وحدها من يحاكم ومن يعفى، وحيث تصبح العدالة مجرد ورقة في يد الدبلوماسية، تستخدم كأداة للضغط أو كوسيلة للابتزاز. إن انهيار استقلال المحكمة ليس مسألة تقنية، بل هو مؤشر على انهيار مشروع العدالة الكونية نفسه، وعلى عجز المجتمع الدولي عن بناء نظام يتجاوز إرادة الأقوياء ويضع معايير ملزمة للجميع. في المحصلة، تكشف هذه المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية عن مأزق تاريخي يتجاوز القضاة والعقوبات ليصل إلى معنى الشرعية في عالم اليوم. فالضحايا في غزة وأفغانستان وأماكن أخرى لن يجدوا في لاهاي ملاذا ينصفهم، لأن المحكمة نفسها باتت ضحية، والقضاة الذين حاولوا تطبيق القانون صاروا متهمين. والولاياتالمتحدة، التي تقدم نفسها راعية للنظام الدولي، تتحول إلى أكبر مهدد له. إنها لحظة سقوط وهم العدالة الكونية، لحظة انكشاف أن القانون الدولي لم يكن سوى لغة تجميلية تخفي منطق القوة. وفي مواجهة هذا الانكشاف، يجد العالم نفسه أمام سؤال مصيري: هل يمكن أن نعيد بناء مؤسسة قضائية مستقلة بحق، أم إن العدالة ستظل أسيرة ميزان القوى، لا تتجسد إلا حيث تسمح بها الهيمنة وتغيب حيث تبدأ خطوطها الحمراء؟ *كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة