د. محمد كرواوي الخميس 12 مارس 2026 - 13:37 هل ينهي القرار 2817 هجمات الحرس الثوري الإرهابي على دول الخليج والأردن؟ لم يأت إقرار مجلس الأمن للقرار 2817 من فراغ، بل كان استجابة حتمية لضغوط ديبلوماسية مكثفة قادتها دول الخليج والأردن، لوضع حد لنهج الاعتداءات الإيرانية التي بلغت مستويات من الخطورة لم يعد الصمت الدولي تجاهها ممكنا. هذا القرار الذي حظي بتأييد أغلبية ساحقة (13 صوتا مع امتناع روسيا والصين)، يمثل صك إدانة دولي صريح لمحاولات طهران زعزعة استقرار الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، ويضع النظام الإيراني أمام مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية. تأتي أهمية القرار من كونه صدر في ظل توترات إقليمية حادة، شملت هجمات موثقة بالمسيرات والصواريخ الباليستية استهدفت مناطق سكنية وبنى تحتية حيوية في المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومواقع استراتيجية في الأردن. إن اعتراف مجلس الأمن بأن هذه الهجمات تشكل خرقا للقانون الدولي وتهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين ينزع عن طهران أي ذريعة سيادية ويؤطر سلوكها العدواني ضمن فئة الجرائم المهددة للاستقرار العالمي. يعد القرار 2817 بمثابة ضوء أخضر قانوني يعزز من الموقف الدفاعي للأردن ودول الخليج. فمن خلال إدانة الهجمات بأشد العبارات، أرسى المجلس قاعدة قانونية تتيح للدول المتضررة الاستناد إلى المادة 51 من ميثاق الأممالمتحدة، المتعلقة بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس، فرديا أو جماعيا. أبرز ما جاء في ثنايا القرار هو تحميل إيران المسؤولية الكاملة عن الأضرار الناجمة عن هذه الاعتداءات، بما في ذلك الهجمات التي تنفذ عبر الوكلاء. هذا الربط الصريح بين طهران وأذرعها العسكرية في المنطقة ينهي عقودا من الغموض الاستراتيجي الذي كانت تتلحف به إيران للتنصل من المسؤولية المباشرة. كما أن مطالبة القرار بوقف أي تهديد للملاحة الدولية في مضيق هرمز يعكس قلقا دوليا من تحول العدوان الإيراني إلى حرب اقتصادية شاملة تستهدف أمن الطاقة العالمي. سياسيا، كشف التصويت عن انهيار في جدار الحماية الذي كانت توفره القوى الكبرى لطهران. فامتناع روسيا والصين عن التصويت بدلا من استخدام حق النقض (الفيتو) يشير إلى أن حجم الاعتداءات الإيرانية على الأردن والخليج وصل إلى نقطة لا يمكن حتى لحلفاء طهران الدفاع عنها علنا. هذا الانكشاف الدبلوماسي يضع النظام الإيراني في عزلة خانقة، ويعطي زخما للمطالبات العربية والإقليمية بضرورة وجود آلية مراقبة دولية صارمة لمنع تدفق الأسلحة والتقنيات العسكرية للميليشيات التابعة للحرس الثوري. بهذا المعنى، فإن القرار 2817 لا يخاطب إيران كدولة فحسب، بل يضع أنشطة الحرس الثوري الإيراني تحت مجهر الرصد الدولي. وباعتباره المحرك الأساسي لهذه الاعتداءات، فإن الإدانة الأممية تعبد الطريق أمام القوى الأوروبية وبريطانيا لاتخاذ خطوات أكثر جرأة في تصنيف هذا الجهاز كمنظمة إرهابية. يمثل القرار الأممي 2817 حجر الزاوية الذي انطلقت منه رؤية استراتيجية جديدة تتجاوز مجرد التنديد السياسي إلى بناء تحالف صلب يجمع لندن وبروكسل بالعواصم الخليجية وعمان. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إدراك القارة العجوز أن التهديدات الإيرانية للأردن ودول الخليج لم تعد محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل باتت تمس مباشرة أمن الطاقة العالمي والممرات المائية الحيوية التي تعتمد عليها التجارة الأوروبية. بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تبنت بريطانيا سياسة بريطانيا العالمية، والتي ترى في استقرار الخليج والأردن مصلحة وطنية عليا. إن التنسيق البريطاني الخليجي بعد القرار 2817 انتقل من التعاون الاستخباراتي إلى الشراكة الدفاعية النشطة. لندن، التي تمتلك قاعدة إسناد بحري في البحرين وتواجدا عسكريا في سلطنة عمان، بدأت بالفعل في قيادة مبادرات لتشكيل قوة مهام مشتركة تهدف إلى اعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية قبل وصولها لأهدافها. هذا التحالف يمنح دول الخليج والأردن وصولا إلى تقنيات رصد وتشويش متطورة، وفي المقابل يمنح بريطانيا دورا محوريا في إعادة صياغة توازنات القوى في المنطقة بعيدا عن التذبذب الأمريكي. لطالما كان الاتحاد الأوروبي حذرا في تعامله مع طهران، مفضلا القنوات الدبلوماسية، إلا أن القرار 2817 أحدث شرخا في هذا النهج. الاعتداءات الموثقة على الأردن والمنشآت الخليجية دفعت دولا مثل ألمانيا وفرنسا إلى مراجعة موقفها من الحرس الثوري الإيراني. التحالف المرتقب يسعى لفرض إطار قانوني موحد يصنف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، ليس فقط كإجراء عقابي، بل كأداة لقطع شرايين التمويل واللوجستيات التي تغذي الميليشيات العابرة للحدود. هذا التصنيف سيسمح للأوروبيين بمصادرة الأصول وتجميد الحسابات المرتبطة بشبكات تهريب السلاح الإيرانية، مما يضعف قدرة طهران على شن هجمات بالوكالة. إن الحديث عن تحالف بريطاني أوروبي خليجي يتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى إنشاء نظام دفاع جوي وصاروخي متكامل. القرار 2817 وفر الغطاء الشرعي لهذا التحالف للعمل تحت مظلة الأمن الجماعي. تتجلى أهمية هذا التحالف في القدرة على تنفيذ عمليات استباقية لإحباط التهديدات، وتوسيع نطاق المناورات العسكرية المشتركة لتشمل سيناريوهات محاكاة لصد هجمات واسعة النطاق. هذا التعاون الثلاثي يرسل رسالة واضحة لطهران بأن أي اعتداء على دولة خليجية أو على السيادة الأردنية سيواجه برد منسق يتجاوز الجغرافيا الإقليمية ليصل إلى عمق المصالح الإيرانية في القارة الأوروبية. لا يمثل القرار 2817 نهاية المطاف، بل هو البداية لمرحلة جيوسياسية مغايرة تعرف بمرحلة ما بعد التغاضي الدولي. إن الانتقال من الإدانة الورقية إلى الردع الفعلي يتطلب خارطة طريق استراتيجية تتبناها دول الخليج والأردن بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين والبريطانيين، لضمان عدم عودة النظام الإيراني لممارساته العدوانية تحت غطاء حروب الظل. تعتمد استراتيجية طهران على تشتيت الدفاعات العربية من خلال تحريك جبهات متعددة في آن واحد. ما بعد القرار 2817، يتوقع أن يشهد العالم ولادة منظومة إنذار مبكر ومواجهة سيبرانية مشتركة بين الخليج وبريطانيا والاتحاد الأوروبي. هذا التنسيق سيعمل على إجهاض محاولات الحرس الثوري لتهريب المسيرات وتقنيات الصواريخ، ليس فقط عبر الحدود البرية للأردن، بل عبر الممرات البحرية والجوية. إن نجاح هذا السيناريو يعتمد على قدرة التحالف الجديد على تنفيذ ضربات جراحية قانونية ومالية تستهدف الهياكل القيادية للحرس الثوري. القرار الأممي أعطى شرعية دولية لتعزيز القدرات الدفاعية للأردن باعتباره خط الدفاع الأول عن الاستقرار الإقليمي. المرحلة القادمة ستشهد تكاملا عسكريا غير مسبوق؛ حيث سيتم ربط أنظمة الدفاع الجوي الخليجية مع الرادارات البريطانية والأوروبية المتمركزة في المنطقة، لإنشاء مظلة صد منيعة. هذا التكتل الدفاعي سيجعل من أي مغامرة إيرانية انتحارا عسكريا، خاصة مع التهديد بتفعيل آلية الزناد التي تعيد كافة العقوبات الدولية تحت البند السابع. إن قرار مجلس الأمن 2817 هو إعلان عن انتهاء حقبة الاستثناء الإيراني من العقاب. إن تبلور التحالف البريطاني لأوروبي الخليجي يمثل ولادة قطب دولي جديد قادر على فرض توازن القوى في الشرق الأوسط. إن الرسالة الموجهة لطهران اليوم واضحة: أمن الأردن والخليج خط أحمر دولي، والاعتداء عليه لم يعد مغامرة محدودة النتائج، بل هو استدعاء لمواجهة شاملة مع إرادة دولية مسلحة بالشرعية والقوة. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة