دانون.. تيد.. أرييل وجيب.. كلها أسماء نستخدمها في حياتنا اليومية بدون أن نقصد الإشارة إلى منتجات العلامات التجارية التي تحملها. فأصبحنا نطلق اسم شركة دانون الفرنسية على جميع أنواع الياغورت.. أما شركتي تيد وأرييل فماركتهما التجارية أضحت لصيقة بمساحيق الغسيل، وبغض النظر عن اسمها التجاري الأصلي. أما جيب فصارت اسم عَلَم لكل سيارة دفع رباعي.. حتى وإن لم تكن تحمل شعار الشركة الأمريكية. هذا النجاح الاستثنائي للعلامات التجارية في فرض ذاتها على وعي المستهلك هو هدف لكل المعلنين. هدف تبرره الأرباح الطائلة التي تحققها هذه المنتجات، ويُبرر بدوره المبالغ والجهود المتطرفة أحياناً التي يبذلها المعلنون في الترويج لبضائعهم وإغراق المستهلك بأسمائها وشعاراتها، حتى أصبح مجتمعنا يعاني من مشاكل عويصة مع أمراض الحضارة كالسمنة والسكري والإدمان على التدخين، و كلها مرتبطة مباشرة بسيل الحملات الإعلانية التي تغمرنا، ومحاولة الشركات الكبرى تدعيم خططها الإعلانية بتقنيات أكثر تطوراً وتركيزاً من شأنه أن يزيد من قبضتها على المستهلك العادي. وخلال الأعوام الأخيرة ابتكرت هذه الشركات العملاقة مرحلة جديدة وجريئة قد تنقلها من مخاطبة حواس المستهلك: بصره وسمعه وذوقه، إلى المركز المتحكم بهذه الحواس كلها والمسؤول عن اتخاذ قرار الشراء النهائي: الدماغ! وأصبح طموح هذه الشركات هو التفكير في إقناع المخ مباشرة بجدوى منتجاتها.. ففي الدول الغربية ظهر تخصص علمي كامل بات يعرف بـ الاقتصاد العصبي Neuroéconomie يعتمد على فهم وخلق المؤثرات العقلية التي من شأنها أن تدفعنا لأن نشتري ونبيع ونقيّم الأسعار. ففي فرنسا مثلا، طلبة الماستر في تخصص العلوم العصبية Neurosciences بجامعة إيكس مارسيليا يتلقون دروسا في التسويق العصبيNeuromarketing . وتثير تقنيات التسويق العصبي الكثير من الجدل بين مؤيد ومُعارض منذ أن سلطت عليها أضواء الإعلام قبل بضع سنوات. ويعزز هذا الجدل الاهتمام الحقيقي الذي تحظى به هذه التقنيات من قبل كبريات الشركات التجارية التي تنفق مبالغ طائلة لاستكشاف المزيد حول تطبيقات التسويق العصبي، إضافة إلى ظهور مؤسسات ربحية تروج لهذه الإستراتيجية التسويقية وتوفر خدماتها الاستشارية. ومن الضروري الإشارة إلى ثمة جدلا أخلاقيا قديما حول الفرق بين الرغبة والحاجة عند المستهلك.. فلطالما اتهم الإعلان التجاري بأنه يعزز رغباتنا فيما لا نحتاج له حقاً.. وهو ما يكسب التسويق العصبي نقمة المطالبين بتحرر إنسان القرن الحادي والعشرين من مرض الخضوع للإعلانات التجارية.