يحرم الكثير من الأطفال المغاربة من فرصة الاستمتاع بطفولتهم بخروجهم المبكر إلى سوق الشغل بهدف الحصول على مبالغ مالية مهما كانت بسيطة لإعالة أسرهم التي تتخبط في الفقر والإقصاء . أنهم أطفال يدخلون عالم الكبار في وقت قياسي بعد ان تنتهي بهم السبل داخل ورشات لحرف شاقة تفوق قدراتهم الجسمانية وتعرضهم للخطر في غالب الأحيان ، ومن خلال هذا الربورطاج نقدم بعض المظاهر من بلدية ازيلال . " يصرفون على أسرهم " هم أطفال شاء لهم القدر ان يحرموا من طفولتهم ،ومن الاستمتاع بها ،فدخلوا عالم الكبار في سرعة قياسية ،ليتحولوا إلى " أرباب " اسر لم يكونوها ،ومعيلين لها بمبالغ مالية لا تكفي حاجياتهم الشخصية في الوقت الراهن ،عاملين على كبت رغباتهم الطفولية في سبيل توفير مصروف بسيط يعني الكثير لأسر لا معيل لها إلا أطفالها الصغار . يستيقظ في الصباح الباكر ،يرتدي ملابسه التي تحمل أوساخ العمل الذي يمارسه ،يتناول إفطاره البسيط المكون من قطعة خبز وكوب من الشاي ،ثم يغادر المنزل مغلقا الباب خلفه ودعوات والدته مازالت تتردد على مسامعه . طفولة شقية يوسف ذو الخامسة عشرة ربيعا من أسرة فقيرة تقطن بحي صفيحي ،يبدأ برنامج يومه قبل الساعة السابعة حيث يتوجه صوب العمل في احد "الكاراجات " الخاصة بالحدادة لأنه يسبق " المعلم " كل صباح ليقوم بفتحه وتنظيف محيط المحل في انتظار قدومه . دأب يوسف على التردد على هذا المحل قبل عامين تقريبا حين امسكه والده من يده وتوجه به إلى "المعلم " علي طالبا منه تعليم ابنه حرفة يعيل بها نفسه في المستقبل بعد ان فشل في متابعة الدراسة لكن القدر شاء ان يخطف الموت الوالد ومعيل الأسرة الوحيد الذي كان بائعا للخضر . الأسرة التي تتكون من ثلاثة أطفال رابعتهم الأم لم يعد لهم معيل بعد وفاة الأب لان أمهم البدوية لم يسبق لها العمل ،ولم تعتد الخروج من البيت وكانت تعول بشكل كلي على زوجها الذي سرقته المنون. يوسف كان اكبر أخواته .لذلك وجد نفسه مضطرا لتحمل المسؤولية "باللي كاين " وبالمبلغ المالي البسيط الذي كان يتقاضاه نهاية كل أسبوع والذي لم يكن يتعدى 200 درهم يتقاضاها في نهاية الأسبوع على سبيل " التدويرة " لأنه مازال يتعلم أبجديات الحرفة ولم يتمكن من إتقانها بعد : بالرغم من ضعف الأجر الذي يتقاضاها يوسف إلا انه كان يضعه تحت تصرف والدته بالكامل "مستغنيا عن كل متطلباته التي تحتاج للمال ،اقتناعا منه بان أسرته في حاجة ماسة لكل درهم يحصل عليه لكن العاملين اللذين قضاهما مع "المعلم علي " والظروف القاسية التي كان يمر بها ،ثم "صغورية الراس " ورغبته في نهل أبجديات الحرفة على يد معلمه ،شفعت له عند رب عمله كي يزيد من أجره الأسبوعي ليصبح 300 درهم . يوسف الذي حرم من عيش طفولته كباقي الأطفال ،كان ينتابه إحساس بالنقص كلما رأى أطفالا في مثل سنه يرافقون آباءهم ويلهون مستمتعين بالحياة دون إحساس بالمسؤولية في الوقت الذي يشقى فيه هو من اجل توفير مصروف قد لا يسد حتى رمق أفراد أسرته . طفل " عقلو كبير " غادر مقاعد الدراسة مبكرا لعجز والده عن تدبير مصاريف دراسته فقد كان الطفل يدرس في حالة مزرية ،بلا لباس ولا أدوات مدرسية تليق بتلميذ وتحفزه على الاستمرار في الدراسة لحصد المزيد من النتائج المرضية . كان والد كريم مقتنعا ان الدراسة " مابقاتش كتوكل الخبز " لذالك كان يصر على ان يذهب الطفل الصغير " باش يتعلم صنعة تنفعو" بدل ان يحفزه على اتمام دراسته لتحسبن مستواه المعيشي في المستقبل . كريم الذي يبلغ اليوم السابعة عشر من العمر ،كان يساهم منذ البداية بجزء من المبلغ في مصروف البيت ،لكنه بعد مرض والده اضطر إلى المسؤولية بدلا عنه ،حيث وجد نفسه في " وجه المدفع " لكونه اكبر اخواته ،ولانعدام من يقوم مقام الأب في هذه الحالة . مصاريف الأسرة وعلاج الأب كلها كان يتحملها كريم بدخله المتواضع الذي كان يحاول ان يدبر به أمور أسرته ويرضي جميع أفرادها ،ناسيا نفسه كطفل مازال في حاجة إلى الرعاية فهو لم يكن طفلا عاديا " حيث "هز الهم قبل الوقت " وحرم الاستمتاع بطفولته. إحساس كريم بالحرمان وقساوة ظروف الحياة عليه ،لم يزيداه إلا صلابة وقوة وجعلاه يفكر بمنطق الكبار ، لأنه يحس انه " حرق المراحل " ودخل عالم الرجال من بابه الواسع قبل الأوان .بالرغم من المعاناة التي عاشها فهو محظوظ لأنه لو لم يكن يزاول حرفة النجار لكان مصير الأسرة مغايرا لما هو عليه ألان . يحاول كريم استغلال صغر سنه في مساعدة والديه وتحمل مصاريفهم في انتظار ان يكبر اخواته ويقتسم معهم الحمل الثقيل الذي مازال يتحمله لوحده في انتظار الفرج .