نزار بركة: تمكين المرأة سياسيا رهان ديمقراطي لا يقبل التأجيل    الدرك الملكي يحجز مخدرات بالجديدة    حيازة مخدرات توقف شرطيا بأكادير    الدراما الحسّانية تحضر بقوة في رمضان عبر مسلسل "سوق أتاي" على قناة العيون    جلالة الملك محمد السادس يعطي انطلاقة عملية "رمضان 1447" بأفق استفادة أزيد من 4,3 ملايين شخص    اللوجستيك الذكي بالمغرب    الاهتمام بسؤال الهوية    وفاة أربعة عناصر أمن وإصابة 26 في حادث مأساوي بين سيدي إفني وأكادير    المحامي رشيد آيت بلعربي ينتقد بلاغ النيابة العامة في قضية وفاة شاب بمقر الشرطة ويدعو إلى كشف مزيد من التفاصيل    رمضان المبارك ينعش اقتصاد شفشاون ولجان المراقبة تسجل مخالفات وتحجز مواد فاسدة    الموائد في رمضان والبحث عن السردين.. بعد تراجع نسبي في التضخم السنوي بالمغرب مقارنة بالعام الماضي!    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان    الفانوس الرمضاني ينير الذاكرة الشعبية المصرية    "الاتحاد السنغالي" يعبر عن استيائه من الأحكام السجنية الصادرة بحق مشجعيه في المغرب    مليون من أصول مغربية في إسرائيل... فلماذا لا تتجاوز الشراكة التجارية نصف مليار دولار؟    العالم يدعو من قمة نيودلهي إلى ذكاء اصطناعي "آمن ومتين وموثوق" وسط خلافات حول إدارته    20 فبراير : حين اختار المغرب طريق الإصلاح بدل العاصفة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    ذكرى في حاجة إلى الذاكرة    انخفاض مفرغات الصيد البحري بميناء الصويرة    التونسيون يفتقدون فاكهة الموز في شهر رمضان        الصالحي: برنامجنا الرمضاني الحافل يعكس ديناميتنا المتواصلة والاستقلال بتطوان حزب الميدان وليس الانتخابات فقط    باريس سان جيرمان ينهي نزاعه مع كيليان مبابي دون استئناف    سجن عكاشة يوضح ملابسات وفاة نزيل بالمستشفى الجامعي ابن رشد    ميسي يصل إلى "أمسية 900 هدف"    الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي:نحو فلسفة فقهية إسلامية جديدة للعالم الرقمي        الاحتقانات تستمر مع الوزير ميداوي    بسبب "ارتباك" التوقيت في شهر رمضاني.. نقابة تعليمية تطالب بتحديد قانوني لساعات عمل هيئة التدريس    كيف تؤثر شاشات الهواتف على التحصيل الدراسي؟    رحيل الفنان المغربي إسماعيل أبو القناطر عن عمر ناهز 69 سنة    اللاعب المغربي زكرياء لبيض ينتقل إلى كورينثيانز البرازيلي    نيران إسرائيل تطال فلسطينيين بغزة    رئيس الحكومة الليبية يعالج بإيطاليا    إنجاز طبي صيني جديد.. ذكاء اصطناعي يرفع دقة تشخيص الأمراض النادرة إلى أكثر من %70        فوزان متزامنان يضعان المغرب الفاسي والنادي المكناسي في صدارة البطولة الاحترافية    "مطارات المغرب" تطلق حملتها الجديدة "لننطلق"    فعاليات مدنية وحقوقية بسوس تطالب بالتحقيق في شبهات تدبير دعم ثقافي    الصين: نشرة انذارية لمواجهة رياح قوية وعواصف رملية    أرتيتا يطالب لاعبي أرسنال بالهدوء والتركيز للتتويج بالدوري الإنجليزي    هيئة ضبط الكهرباء تحدد تعريفة فائض الإنتاج ابتداء من شهر مارس المقبل        إسماعيل أبو القناطر في ذمة الله بعد صراع مع المرض    القنوات الوطنية تهيمن على نسب المشاهدة في رمضان 2026 ب70.4%    موسم حج 1448ه .. عملية إجراء القرعة من 02 إلى 13 مارس 2026        مسرحية "لافاش": حين تتحول البقرة إلى استعارة للسلطة وسخرية سوداء تفكك منطق التحكم والفساد    وزارة الأوقاف توحّد خطبة الجمعة حول الصيام والتقوى وإتقان العمل    جمعية الفردوس تنظم المهرجان الوطني للطفل والناشئة بجهة الدار البيضاء–سطات    قوالب جاهزة أمرّها قالب السُّكّر !        للحفاظ على جودة العلاجات في طب العيون بالمغرب.. يوم وطني للتشاور ببوزنيقة    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في الخطاب التاريخي للعاهل المغربي خلل القمة الخليجية-المغربية بالرياض
نشر في برلمان يوم 05 - 04 - 2019

خطاب يعري تداعيات استراتيجية “الفوضى الخلاقة ” على النظام الإقليمي العربي
في خطاب تاريخي وجهه العاهل المغربي خلال الجلسة الافتتاحية للقمة الخليجية المغربية يوم 20 ابريل الجاري بالعاصمة السعودية الرياض، دعا العاهل المغربي إلى مزيد من التضامن العربي من أجل التصدي للاختراقات المفتعلة التي يتعرض لها العالم العربي بوسائل مختلفة، أدت في جزء منها إلى تغيير أنظمة، وتقسيم دول وتشريد ملايين وقتل مئات الألاف. لكنها لا تزال تتابع مخططاتها بهدف زعزعة المجتمعات التي حافظت على استقرارها خاصة المغرب ودول الخليج.
تشخيص الحالة العربية:
العاهل المغربي، و بصراحة عهدها كثيرون في تصريحاته، عرض تحليلا دقيقا لمخلفات ما تم تقديمه كربيع عربي، انتهى بالمنطقة العربية إلى قلب أنظمة و محاولات تغيير أخرى و ” تقسيم الدول، كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا . مع ما يواكب ذلك من قتل و تشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي” ، ليخلف يستخلص العاهل المغربي ” خرابا ودمارا ومآسي إنسانية”، وليضع العالم العربي يعيش ” خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز”
تشخيص التهديدات:
انطلاقا من سؤال طالما طرحه المتابعون لأوضاع العالم العربي منذ بداية الاضطرابات الموصوفة ب” ربيع العرب” : ماذا يريدون منا؟ يصف العاهل المغربي الوضع العربي بالخطير، في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف ، ومحاولات الطعن من الخلف.
فالتهديدات تظهر واضحة إذن من خلال ما يحاك من مؤامرات تستهدف المس بالأمن الجماعي للدول التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية، أي دول الخليج العربي و المغرب والأردن.
غير أن هذه المخططات العدوانية يخلص العاهل المغربي ” متواصلة و لن تتو قف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي ، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية للمغرب”
وبربط منهجي استدلالي/ أكسيومي دقيق يخلص العاهل المغرب إلى أن التهديدات المشتركة، تفرض حتما الرد، و المواجهة و الاحتراز الموحد. فهي ليست عابرة، بل هي مبرمجة، و لذا فالركون لوهم الاستثناء لم يعد مجديا في ظل الحالة العربية المأزومة.
و يبرر العاهل المغربي تشخيصه للحالة العربية بكون ” الأمر لا يتعلق بقضية في دولة معينة، وإنما بحاجتنا إلى وعي جماعي بهذه التحديات، وبإرادة حقيقية لتجديد عقدنا الاستراتيجي مع شركائنا، بناء على محددات واضحة المعالم ، تضبط علاقاتنا خلال العشريات المقبلة”.
و الواقع أن التهديدات و المؤامرات التي عرضها العاهل المغربي، تتقاطع بشكل كبير مع استراتيجية الهدم الناعم التي تبنتها نظرية الفوضى الخلاقة الهادفة إلى التغيير الكامل لخريطة الشرق الأوسط، معتمدة في ذلك على أليات إعادة البناء بعد هدم الأسس والتقاليد القديمة و دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة لدول الشرق الأوسط ،و محاولة البحث عن فاعليين محليين و إقليميين يقومون بتنفيذ الخطة بالوكالة بما يسمح إبعاد الجهد الأميركي المباشر والاكتفاء بصياغة وتنظيم بناء النظام السياسي في هذه الدول.
و في قراءة للمشهد العربي منذ دخول الولايات المتحدة للعراق، نجد أن أهم مدخل تبناه أصحاب الفوضى الخلاقة هو تعزيز الصراع الطائفي والعرقي و بث الشرخ الطائفي والعرقي الملازم لتركيبة شعوب ودول المنطقة.
أو بتغذية القيادات العصبية، بما يسمح بضرب مؤسسات الدولة واستبدالها بولاءات عشائرية وحزبية، وهذا ما عكفت عليه وتبنته الإدارة الأميركية في عدد من دول المنطقة، منها ليبيا حالياً، حيث تتحكم بمؤسسات الدولة انتماءات قبلية، و كذلك بالعراق حيث استُبدلت فيه مؤسسات الدولة بتوافقات حزبية ذات صبغة طائفية وقومية.
أما الألية الثالثة فتتمثل في تعميق الاختلالات الأمنية، على اعتقاد أن خلق حالة عدم الاستقرار واليأس واللاعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل استبدال النظام في هذه الدول، وذلك بإطالة أمد الصراع المصحوب بالأسلوب الدموي للقتل والدمار، مما يجعل المجتمع في حالة من اليأس والضغط النفسي، وهو ما قد نراه باليمن أو بسوريا. فكان واضحا كيف أن تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي تم التساهل معه لفترة طويلة، بهدف أن يلعب هو أيضا دورا بالوكالة في إشاعة الفوضى و حالة اللأمن.
و لصد هذه المخاطر الممنهجة، يخلص العاهل المغربي إلى أن الحل لتدبير هذه التهديدات و دفعها تقتضي إعادة بناء النظام الإقليمي العربي على أساس الوحدة ووضوح المواقف، بين كل الدول العربية.
و في توصيف وجودي صريح يستنبط العاهل المغربي أن اللحظة التاريخية التي يفرضها التدافع، تقوم في عمقها على ضرورة فك الارتباط بين معادلة ” ماذا نريد” و “كيف يريد الآخرون أن نكون.”
بناء استراتيجية جديدة لإعادة هيكلة النظام الإقليمي العربي:
التحالف الخليجي المغربي في القيادة:
من الثنائي إلى الإقليمي:
تعرف العلاقات المغربية الخليجية تطورا متناميا منذ عقود أطرتها علاقات تعاون ثنائي بين المغرب و دول الخليج الست، شملت مختلف القطاعات السياسية و الاقتصادية و الثقافية و البشرية و العسكرية و الامنية. و كانت دول مجلس التعاون الخليجي الست قد دعت في ختام قمتها التشاورية بالرياض في شهر ماي من عام 2011 كلا من المغرب و الاردن الى الالتحاق بمنظومة المجلس.
و كان بيان 2011 قد برر ترحيب دول مجلس التعاون الخليجي بانضمام الأردن والمغرب للمجلس بكونه يأتي ” انطلاقا من وشائج القرب والمصير المشترك ووحدة الهدف وتوطيدا للروابط والعلاقات الوثيقة القائمة بين شعوب دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية”. و كذا ” إدراكا لما يربط دول المجلس بالدولتين من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، إضافة إلى اقتناعها بان التنسيق والتعاون والتكامل فيما بينها لا يخدم شعوبها فحسب بل يخدم الأهداف السامية والأمة العربية جمعاء”
و من منطلق وحدوي- برغماتي بررت دول مجلس التعاون دعوتها بكونها تتأسس على النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي وميثاق جامعة الدول العربية اللذين يدعوان إلى تحقيق تقارب أوثق وروابط أقوى.
و على الرغم من اختيار المغرب و الاردن لصيغة الشراكة الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون، دون الالتحاق العضوي بالمجلس، فإن الدعوة أسست لعهد جديد من العمل العربي المشترك المبني على التفاعل والتكامل في كل المجالات يتم تنفيذها ثنائيا أو جماعيا و تؤطرها مؤسسيا اللجن السياسية الثنائية و الاجتماعات السنوية لوزراء الخارجية، و كذا اجتماعات فرق العمل الثنائية.
أما بالنسبة للمغرب تعيينا،فقد كانت فلسفته المبنية على توازن العمل الثنائي و الجماعي هي القاعدة المركزية في تدبيره لشراكاته، و هو ما عبر عنه العاهل المغربي في خطابه التاريخي بقوله ” لقد تمكنا من وضع الأسس المتينة لشراكة استراتيجية، هي نتاج مسار مثمر من التعاون ،على المستوى الثنائي، بفضل إرادتنا المشتركة”. مؤكدا على أن ” الشراكة المغربية الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة. وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير ، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة”.
و لذا تأتي القمة الخليجية-المغربية الاولى ” لإعطاء دفعة قوية لهذه الشراكة، التي بلغت درجة من النضج ، أصبحت تفرض علينا تطوير إطارها المؤسسي، وآلياتها العملية.”
التنوع داخل الوحدة
لكن العاهل المغربي، بوفائه لتعدد اليات الشراكة ، كان حريصا على تأكيد قناعته باحترام ” سيادة الدول” و” توجهاتها في إقامة وتطوير علاقاتها، مع من تريد من الشركاء”، علاوة على ضرورة احترام الاختيارات “السياسية والاقتصادية” لكل بلد.
و على منوال قاعدة لسنا وحدنا في الملعب، حذر العاهل المغربي من وجود ” تحالفات جديدة ، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، و خلق فوضى جديدة ، لن تستثني أي بلد. وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة ، بل وعلى الوضع العالمي.”
مما يعطي للقمة أهميتها الاستراتيجية، باعتبارها من جهة نتيجة طبيعية للتراكم الإيجابي الذي رامته علاقات التعاون والتضامن الخليجي-المغربي، لكنها من جهة أخرى، تأتي قمة استثنائية في ظرف استثنائي تعيشه المنطقة العربية.
التوجه شرقا و تنويع الشراكات: خيار مغربي
ومن جهته فالمغرب رغم حرصه على الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه، قد توجه في الأشهر الأخيرة نحو تنويع شراكاته، سواء على المستو ى السياسي أو الاستراتيجي أو الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، تندرج زيارة العاهل المغربي للهند عام 2015 ثم إلى روسيا خلال شهر مارس من العام الحالي، مع برمجته لزيارة رسمية لجمهورية الصين الشعبية قريبا.
فألية التقارب بين بلد وآخر لم تخضع في تقدير هذه الفلسفة لاعتبارات الحلفاء الغربيين التقليديين الذين رسموا لعقود طويلة معنى متجاوزا للتحالف لم يكن يخدم في اعلب الاحيان الا مصالحهم.
وهو ما يبدو جليا في توضيح العاهل المغربي بأن بلده المغرب ” حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد. وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم” ، و كذا في وضعه القمة الخليجية-المغربية في سياقها باعتبارها ليست موجهة ” ضد أحد بشكل خاص، و لاسيما حلفاءنا . إنها مبادرة طبيعية و منطقية لدول تدافع عن مصالحها ، مثل جميع الدول ، علما أن أشقاءنا في الخليج، يتحملون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية ، التي تعرفها المنطقة” .
الامن المشترك بوصلة النظام الاقليمي العربي الجديد
إعادة هيكلة مفهوم الأمن القومي:
كان تنويه العاهل المغربي بعمق روابط الأخوة و التقدير، وقوة علاقات التعاون والتضامن بين دول مجلس التعاون الخليجي و المغرب إشارة قوية لكون تطور المعطى الجيوستراتيجي يفرض اليوم تغيير المفهوم التقليدي لبناء الكثل الجغرافية، إذ ” رغم بعد المسافات الجغرافية ، التي تفصل بيننا ، توحدنا والحمد لله ، روابط قوية ، لا ترتكز فقط على اللغة والدين و الحضارة ، وإنما تستند أيضا ، على التشبث بنفس القيم والمبادئ ، وبنفس التوجهات البناءة.,,,كما نتقاسم نفس التحديات ، ونواجه نفس التهديدات ، خاصة في المجال الأمني” .
لذا وجب بناء عقيدة امنية جديدة تستجيب لتحولات النظام الدولي، و تبث نفسا جديدا في منظومة الدفاع المشترك للنظام الإقليمي العربي، أو لمكوناته كما هو الشأن اليوم مع التحالف الخليجي-المغربي،. حيث كان العاهل المغربي واضحا في رسم الحدود فوق الحدودية لمفهوم الأمن وهو يصرح بأن ” الدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا، بل هو واحد لا يتجزأ. فالمغرب يعتبر دائما أمن و استقرار دول الخليج العربي ، من أمن المغرب. ما يضركم يضرنا وما يمسنا يمسكم” .
فبالرغم من كون العقيدة الأمنية للتحالف الخليجي-المغربي جديدة في بنائها النظري، إلا أنها تستمد شرعيتها من تراكمات التعاون خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث « حرص على تجسيد(ها) في كل الظروف والأحوال، للتصدي لكل التهديدات، التي تتعرض لها المنطقة، سواء في حرب الخليج الأولى، أو في عملية إعادة الشرعية لليمن ، فضلا عن التعاون الأمني و الاستخباراتي المتواصل”. و بنفس القوة يذكر العاهل المغربي أيضا بمواقف دول الخليج المساندة للمغرب في الدفاع عن سيادته ووحدته الترابية منذ اندلاع هذا نزاع الصحراء المفتعل” .
و للتذكير فقط، فقد لعب المغرب و دول الخليج دورا هاما خلال العام الماضي في إغناء و تعزيز المناقشات التي احتضنتها الجامعة العربية سواء بشأن إنشاء أو بخصوص إنشاء قوات دفاع مشتركة مجلس الجامعة العربية للسلم والأمن, لكن يبدو أن الخلافات السياسية بشأن التحالفات و التدافعات الأمنية و السياسية القائمة على أرض الواقع، لا تزال تعيق استكمال هذا المشروع الذي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الوقت.
ملف الصحراء داخل نسيج الامن الإقليمي العربي العام:
في غمرة هذا التطور الاستراتيجي الخليجي-المغربي، يواجه المغرب تحديات كبيرة في تدبير ملف صيانة شرعيته السيادية على صحرائه. و هي تحديات تتجاوز العتبة التقليدية المبنية على تحريض الجبهة الانفصالية البوليساريو المدعومة من طرف الجزائر. إذ هي تشهد دخول أطراف خارجية تستهدف زعزعة الشق الغربي لشمال إفريقيا الذي حافظ على أمنه و استقراره خلال هزات ما يعرف ب” الربيع العربي”، و ذلك من خلال الدفع نحو ” نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال و أطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادر ة الحكم الذاتي ، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصد اقيتها” .
المنظمة الأممية وأعطاب النظام الدولي الجديد:
و لذا، و كما جاء على لسان العاهل المغربي يبدو ” الوضع خطير هذه المرة ، و غير مسبوق في تاريخ هذا النزاع المفتعل ، حول مغربية الصحراء .”، لأن آليات التآمر بدأت تعمل من داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة التي تم اختراقها، إلى الحد الذي توفقت فيه من ” شن حرب بالوكالة ، باستعمال الأمين العام للأمم المتحدة ، كوسيلة لمحاولة المس بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه ، من خلال تصريحاته المنحازة ،و تصرفاته غير المقبولة ، بشأن الصحراء المغربية” .
فالأمين العام للأمم المتحدة الذي سقط في شباك ” الدعاية المدعومة بدموع التماسيح” التي تم إعدادها بشكل محكم، أبانت بما يكفي أن الرجل لا يملك الحد الأدنى في تدبير الأزمات. فقد وقع ضحية مسرحية محبوكة هندس لها معاونوه الذين كانوا يعلمون مسبقا الإعدادات البروتوكولية التي هيئتها له الحركة الانفصالية البوليساريو عند استقباله. فانتزعوا منه تصريحات غير قانونية و غير لائقة في حق المغرب، ثم ورطوه في مخالفات أدبية كان من المفروض أن يسائل عليها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كقبوله الركوب في سيارة غير سيارة الأمم المتحدة ( التي كانت موجودة حين الاستقبال) ، تحمل علما ل”دولة وهمية” لا تعترف بها منظمة الأمم المتحدة التي يمثلها. ثم تورطه في وقوف و تحية علم دولة وهمية تحت نشيد ” لدولة وهمية” لا تعترف بهما منظمته.
الأمر الذي أثار حفيظة الشعب المغربي الذي خرج منتفضا ضد تصريحات و سلوكات بان كيمون المسيئة لمنظمة الأمم المتحدة قبل أن تسيئ للمغرب.
و طبعا لم تكن هذه المؤامرة الوحيدة، بل هي السياق الذي كشف وجود أيادي خفية تحاول المس باستقرار المملكة المغربية على غرار ما تحاول المس منبأمن دول مجلس التعاون الخليجي، و إن اختلفت الوسائل و الأساليب,
العاهل المغربي كان واضحا و منطقيا في وضع سيادة المغرب على مائدة الشراكات الاستراتيجية و الدفاعية و الأمنية الخليجية المغربية. لأن دول الخليج واضحة في دفاعها المستميت عن سيادة المغرب على صحرائه، كما المغرب منخرط عضويا في الدفاع عن سيادة كل الخليج و أمنها من خلال مواقفه السياسية و تعزيزاته الامنية و العسكرية و الاستخباراتية في خذمة التعاون و التضامن الخليجي المغربي.
خلاصات:
هذا إذا هو المضمون الاستراتيجي الذي يعطي لخطاب العاهل المغرب بالرياض خلال القمة الخليجية المغربية، قوته ووزنه في فهم التهديدات غير التقليدية المتربصة بالمنطقة العربية. ولعله من الهام جدا أن يقرأ الخطاب في سياقه الاستراتيجي العام، لأنه يساعدنا كثيرا على فهم دلالات التضامن الخليجي المغربي الهادف إلى ضخ نفس جديد للنظام الإقليمي العربي و لمنظموته الدفاعية و الأمنية المشتركة مستقبلا.
المرحلة القادمة لما بعد صيف 2016 ستكون ساخنة حتما، و تفرض تشكيل جبهة عربية جديدة للمشاركة في تشكيل المشهد السياسي العالمي بعد رحيل أوباما و بان كيمون و آخرون.
أما مستقبل ليبيا و سوريا و العراق و اليمن و مالي و غيرها فكلها تتوقف على ضرورة الوعي بما يحاك من مؤامرات ضد منطقة الشرق الأوسط من طرف أصحاب نظرية الفوضى.
إذ أنها تقوم على استراتيجية تنزع إلى تركيز الجهد نحو تغيير نمط وسلوكيات ومعتقدات شعوب هذه المنطقة واستبدال ثقافاتها بثقافات تراها ضرورية لبناء مفهومها لنظام عالمي جديد، و هو ما تشير إليه مقولة أحد مهندسي النظرية بالقول: “علينا تدمير الأنماط والنماذج والعلوم القديمة في الأدب وغيرها وهذه مهمتنا التاريخية”
و إذا ما أخذنا ألية استغلال المكون الإثني ، نفهم كيف تلعب هذه القوى المتخفية نحو تحويل التنوع الإثني إلى معطى مؤثر يحول المعطى الاثني إلى لاعب سياسي في التأثير على الاستقرار السياسي و الاقتصادي و الأمني و على مفهوم التلاحم القطري بوجه خاص، سواء عل المستوى الرمزي أو باستهداف تحويله إلى وحدة طائفية تتنازع على التقطيع الترابي

حالات للتدخل الناعم:
المكون الإثني بحمولة عرقية المكون الإثني بمكون مجالي المكون الإثني بحمولة ثقافية المكون الاثني بمشروع سياسي
الألية الطائفية الألية الطائفية الآلية الحقوقية الآلية السياسية
الألية الانفصالية الألية الانفصالية الآلية التعليمية و الإعلامية التعبئة، الدعاية، الترويج الخارجي
التدافع على ارض الواقع
و افتعال شبه البنيات شبه المستقلة
التدافع على ارض الواقع
و افتعال البنيات المستقلة
الدستور، والدعاية الآلية الاحتجاجية وافتعال جماعات لضغط المستقلة
حالات
حالة الأكراد، حالة الشيعة بالبحرين حالة السودان، حالة البوليساريو حالة العراق وليبيا حالة اليمن وسوريا
د.المصطفى الرزرازي (خبير دولي و أستاذ إدارة الازمات بجامعة سابورو غاكوين-اليابان)
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.