بعد مرور إحدى عشر سنة عن إلغاءه، يعود اليوم قانون التجنيد الإجباري حيز التطبيق، مسيلا الكثير من المداد على الصحف وعددا لا يحصى من التعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي. القرار أصبح رسميا بعد أن صادق عليه المجلس الوزاري برئاسة ملك البلاد محمد السادس مساء أمس الاثنين بالقصر الملكي بالرباط. بيان الناطق الرسمي باسم القصر الملكي أشار إلى أن هذا المشروع تم إعداده تنفيذا لتعليمات الملك، مشيرا إلى أنه “يقر مبدأ إلزام المواطنات والمواطنين البالغين بين 19 و25 سنة بأداء الخدمة العسكرية خلال مدة محددة 12 شهرًا”. ويحدد مشروع القانون المتعلق “بالتجنيد الإجباري” وفق البيان الحالات التي يتم بمقتضاها الإعفاء منه، والإجراءات المترتبة عن انتفاء أسباب الإعفاء، حتى بلوغ أربعين سنة. كما يحدد المشروع أيضا واجبات الأشخاص المجندين خلال مدة الخدمة العسكرية، وكذلك الحقوق والضمانات المخولة لهم، على غرار أفراد القوات المسلحة الملكية. بيان الناطق باسم القصر الملكي أن تطبيق التجنيد الإلزامي يهدف إلى “إذكاء روح الوطنية لدى الشباب، في إطار التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”. لكن ردود الأفعال على مواقع التواصل الإجتماعي تساءلت منذ إعلان القرار في التساؤل عن سبب نزوله في هذا الوقت بالضبط. شقير: البطالة والاحتقان أهم أسباب الرجوع للتجنيد محمد شقير أستاذ القانون الدستوري، والخبير في العلوم السياسية، يعتبر في تصريح خاص ل”برلمان.كوم” أن تحديد تلك الأسباب رهين بالرجوع إلى تاريخ سن هذا القانون لأول مرة، مشيرا إلى أن سنة 1966، كانت أول سنة يقرر فيها المغرب اللجوء إلى هذا القانون. وتذكرنا هذه السنة، يقول شقير، بسنة قبلها وهي سنة 1965 والتي تضمنت أحداث الدارالبيضاء، وكان الهاجس آنذاك الذي جعل السلطة، تلجأ إلى التجنيد الإجباري، هو مسألة أمنية بالأساس، للجم التمرد السائد ولمحاولة ضبط، المكونات الشبابية التي كانت تشكل غالبية الفئة العمرية آنذاك، وشاركت بكثافة في أحداث الدارالبيضاء، “فكان من المفروض على السلطة أن تأخذ بعض الإجراءت لضبط التوجه، ولجأت إلى سن قانون الخدمة العسكرية، والذي استهدف الشباب البالغ من العمر 18 سنة المنقطعين عن الدراسة. واستمرت هذه المسألة إلى حدود الثمانينات، ونظرا لسياسة التقويم الهيكلي الرامية إلى تخفيض نفقات الدولة، تم إلغاء هذه الخدمة إلى حدود حكومة اليوسفي التي أعادت العمل بهذا النظام، الذي بقي مستمرا إلى حدود حكومة إدريس جطو، بعد اعتقال بعض الشبكات المتطرفة، ضمت بعض المجندين العسكريين، وفق تعبير شقير. “حاليا لماذا يتم الرجوع إلى الخدمة العسكرية وعقد اجتماع، حكومي فقط لتدارس هذه النقط؟” يقول شقير متسائلا؛ فيجيب مستطردا “الوضعية الحالية تتميز باحتقان اجتماعي، ونشهد هذا في مقاطعة العديد من المنتوجات، بالإضافة إلى أحداث جرادة والحسيمة وزاكوة”. والملاحظ أن الشباب كانوا هم الوقود والمحرك الأساسي لكل تلك الأحداث السالفة الذكر، يقول شقير، مبرزا أن العديد التقارير الرسمية والدولية، (بنك المغرب، والمندوبية السامية للتخطيط، والمجلس الاجتماعي والاقتصادي) بينت بما لا يدع مجالا للشك أن نسبة البطالة مرتفعة وهذا يخلق تحد كبير للدولة. تظافر تلك الأسباب حسب المحلل السياسي، جعل الدولة تضع الهاجس الأمني، وهاجس التشغيل كأحد اهتماماتها الأولية لامتصاص احتقان الشباب، “وربما هذا ما سرع إلى اللجوء للخدمة العسكرية لامتصاص البطالة، أو على الأقل من أجل تأطير عدد كبير من الشباب الذين يخرجون للشارع بدون تأطير وبدون شغل”. لزرق: ضعف تأطير المدرسة والأحزاب أدى إلى التجنيد ومن جهته، أبرز رشيد لزرق الخبير في القانون الدستوري في تحليل ل”برلمان.كوم“، أن قرار حذف التجنيد الإجباري كان قد خلف الكثير من التساؤلات والاستفهامات، مشيرا إلى أنه وبالعودة لتجارب دولية نجد أن هناك فقط 18 الدولة في العالم لا تعتمد نظام التجنيد الإجباري. وأكد المتحدث أن التجنيد سينجح في تلقين الشباب ما فشلت فيه المدرسة، مشيرا إلى أنه يلقنهم قيم حب الوطن، ويساهم في صقل مواهب الشبان وتهذيب سلوكهم وتقوية روح المسؤولية لديهم وتعويدهم على الانضباط والصبر وقوة الإرادة “وهي صفات وخصال، باتت ضعيفة اليوم بفعل تراجع المدرسة ومؤسسة الوساطة، خاصة الأحزاب السياسية في تأطير والتوجيه والإحاطة”.