يقول عالم الاجتماع الفرنسي " بيير بورديو " : "أخطر ما يهدد الفكر، ليس الخطأ، بل الوهم بأننا نملك الحقيقة". ثمة ضجيجٌ لا يصدر عن معرفة، بل عن رغبة في الظهور. ضجيجٌ يرتدي قناع التحليل ويتكلم بلهجة الواثق، لكنه حين تمسّه من قريب لا تجد تحته شيئاً؛ لا نصاً قرأه، ولا تجربةً عاشها، ولا حتى ذلك الحد الأدنى من التواضع المعرفي الذي يجعل الإنسان يتوقف لحظةً قبل أن يُصدر حكمه. وهذا النوع من "النقد" لم يعد استثناءً في فضائنا الرقمي، بل صار ظاهرةً لها وجوهها المتعددة وسياقاتها المتكررة، ولها في المقابل ضحاياها الصامتون الذين يتساءلون في سرّهم: لماذا أتعب نفسي إذا كان الجواهل والعارفون يُعامَلون بنفس الطريقة؟ في السياق المغربي، حيث صارت مواقع التواصل فضاءً مفتوحاً لكل الأصوات دون تمييز، لم يعد الفرق واضحاً بين من يقرأ ليُضيء، ومن يتكلم فقط ليُرى. يكفي مقطع مبتور أو صورة معزولة حتى تنطلق محاكمات جاهزة، لا تنتظر فهماً ولا تتحرى سياقاً. خذ مثلاً ما وقع مع أستاذة في التعليم الابتدائي وهي تحكي عن تجربتها داخل القسم؛ استعملت تعبيراً دارجاً بسيطاً لتقريب صورة حيّة لتلاميذها وهم يتسابقون للإجابة، فقالت إنهم "ينبطحون على بطونهم". عبارة عفوية، تُفهم داخل الفصل الدراسي وتترجم حيوية المشهد التربوي بكل صدق. لكن المقطع، حين اقتُطع من سياقه، تحوّل إلى مادة للسخرية، بل إلى "دليل" عند بعضهم على انحطاط الخطاب التربوي. والغريب أن كثيراً ممن أصدروا أحكامهم القاطعة لم يشاهدوا المداخلة كاملة، ولم يعيشوا يوماً داخل فصل دراسي، ولم يسألوا حتى عن طبيعة اللغة الشفهية التي تُستعمل مع الأطفال. وخذ مثالاً آخر من المجال الأدبي لا يقل دلالة. كاتب ينشر قصة موجّهة للأطفال، بلغة بسيطة وصور واضحة تراعي سنّ المتلقي وتخاطب عالمه. يأتي من يعلّق باطمئنان: "النص سطحي، لا عمق فيه". حكم يبدو صارماً ويُقدَّم بثقة الخبير، لكنه في الحقيقة يكشف سوء فهم جوهري لطبيعة الكتابة للطفل. فالنص لم يُكتب أصلاً ليُقاس بمعايير الرواية الفلسفية، ولا ليُخضع لانتظارات قارئ راشد يبحث عن التعقيد؛ إنما كُتب ليؤدي وظيفة تربوية وجمالية داخل أفق محدد. وحين ننتزعه من هذا الأفق نكون كمن ينتقد كتاباً مدرسياً لأنه "لا يقدّم حبكة مشوّقة". في الحالتين نحن أمام نفس الظاهرة: نقد يتجاهل السياق، ويستعجل الحكم، ويُسقط معايير لا تنتمي إلى الموضوع أصلاً. وهذا ما يجعل هذا النوع من "النقد" خطيراً، ليس لأنه يُخطئ فقط، بل لأنه يُربك المتلقي ويُشوّش المعايير ويمنح الانطباع بأن كل رأي، مهما كان سطحياً، يمكن أن يُقدَّم باعتباره حقيقة صالحة للتداول. وعلم الاجتماع يملك ما يقوله في هذه المسألة، لأن ما نعيشه ليس مجرد انطباع عابر، بل ظاهرة لها جذورها البنيوية. بيير بورديو حين تحدث عن الرأسمال الثقافي ميّز بوضوح بين من يمتلك أدوات الفهم والتحليل ومن لا يمتلكها. في المجتمعات التقليدية كان هذا الرأسمال يحدد من له شرعية الكلام في موضوع معين. لكن مع انتشار وسائل التواصل انهارت هذه الحدود، وأصبح بإمكان الجميع التعبير بنفس الدرجة من الحضور حتى وإن لم تتوفر لديهم نفس الأدوات. هنا يظهر ما يشبه وهم الكفاءة؛ حيث يشعر الفرد بأنه قادر على النقد لأنه يمتلك منصة، لا لأنه يمتلك معرفة، ويغدو الفرق بين الاثنين في عيون كثيرين غير ذي بال. ثمة أيضاً ما يسميه علماء الاجتماع دمقرطة التعبير، وهي في أصلها قيمة إيجابية كسرت احتكار النخب للكلام، لكنها في المقابل أنتجت نوعاً من الفوضى حيث لم تعد هناك معايير واضحة تميز بين الرأي المبني على معرفة والرأي المبني على انطباع سريع. في السياق المغربي يتضاعف هذا الأمر بسبب غياب ثقافة نقدية مؤسساتية راسخة سواء في المدرسة أو في الإعلام، فنشأت أجيال تعبّر بحرية لكنها لم تتعلم كيف تُفكّر قبل أن تتكلم. ويزيد الأمر تعقيداً ما رصده غي ديبور في مفهوم مجتمع الفرجة؛ إذ تصبح القيمة لما هو مثير وسريع وقابل للتداول لا لما هو عميق ودقيق، فتجد تعليقاً ساخراً أو حكماً قاسياً ينتشر أكثر بكثير من تحليل هادئ ومتوازن. النقد هنا لا يُنتج من أجل الفهم، بل من أجل التفاعل، وهذا الفرق الصغير في الغاية يصنع هوّةً ضخمة في النتائج. ولا يمكن إغفال البعد النفسي الاجتماعي في كل هذا؛ فبعض الأفراد يمارسون هذا النوع من النقد كتعويض رمزي أو كطريقة لإثبات الذات داخل فضاء مزدحم بالأصوات. النقد يتحول إلى وسيلة للظهور لا أداة للفهم، وهو في جوهره صرخة "أنا هنا" تُلبَس لبوس التحليل. وحين يُفهم الأمر على هذا النحو يصبح مفهوماً لماذا لا تُجدي المعرفة دائماً في إقناع أصحاب هذا النوع من النقد؛ لأنهم لم يبدأوا من المعرفة أصلاً. النقد في جوهره فعل مسؤول. هو قراءة عميقة وتأويل واعٍ وانخراط في النص أو التجربة من داخلها لا من خارجها. هو أن تُنصت قبل أن تحكم، وأن تفهم قبل أن تعارض، وأن تُدرك أن لكل مجال لغته وأدواته وسياقه الذي لا يمكن اختزاله في مقطع أو جملة. أما حين يتحول النقد إلى رد فعل سريع أو إلى رغبة في تسجيل موقف أمام الآخرين، فإنه يفقد معناه ويصير مجرد ضجيج إضافي في فضاء يعاني أصلاً من فائض الأصوات وقلة الفهم. والحقيقة المرّة التي نتجاهلها في خضم هذا كله هي أن ثقافة النقد بلا أهلية لا تضرّ المُنتقَد وحده، بل تضرّ النقد ذاته. حين يصبح كل صوت مُسموعاً بنفس الثقل، يُفقد الصوت الحقيقي قيمته، ويتساوى الجاهل بالعارف في الأثر إن لم يتفوق عليه في الانتشار. وهذا هو أشد ما في الظاهرة خطورةً؛ ليس أنها تنتقد، بل أنها تقتل النقد الحقيقي، ذلك النقد الذي يبني ولا يهدم، والذي يفتح أفق الفهم بدل أن يغلقه بجملة ساخرة أو حكم متسرّع لم يكن يحتاج صاحبه إلى أي جهد ليُطلقه، وربما لهذا السبب بالضبط أطلقه.