وزير الفلاحة..هذه حقيقة إلغاء عيد الأضحى    اليوبي: "نسبة الخطورة ضمن الحالات النشطة لا تتعدى %0.6" .. و15 شخصاً حالتهم حرجة من أصل 2494 مُصاب حالياً داخل المغرب    بايرن ميونخ يقترب من إحراز لقب الدوري الألماني    حارس نادي بورنموث الإنجليزي: الأمر صدمة لم أخالط أحدا لكنني الآن مصاب بفيروس كورونا    زوجة بوبكر بالدموع: لم يكن في وعيه ولا نعرف من صوره ونطلب العفو من الشعب والقضاء    بسبب تضمن خطة عملها عبارة “تفتيش المحامين داخل المؤسسات السجنية ” ، المندوبية العامة لإدارة السجون تعتذر وترجع الأمر إلى خطأ مادي    حصيلة “كورونا” في المغرب خلال 24 ساعة.. 45 إصابة جديدة وحالتي وفاة و107 حالة شفاء    جهة الشرق تنتصر على كورونا.. أقاليمها ال8 خالية من "كورونا" باستثناء حالة واحدة من زايو تخضع للعلاج    على مَسؤوليتكم مَصير المحَامَاة ومُسْتقبل المحاميات والمحَامين و القضاء    "فيديو" يضع رفيق بوبكر رهن الحراسة النظرية    أرباب المقاهي والمطاعم يرفضون فتح محلاتهم ويشترطون تعويض خسائرهم أولا        تمارة: وضع طبيب رهن الحراسة النظرية لتورطه في قضية تتعلق بهتك العرض والتغرير بقاصرين    مفاحأة.. الإعلان عن إنتاج سيارة “كونغو” بسعر منخفض بالمغرب    سعد الجبري: الأكاديمي الذي طارد القاعدة وتحوّل إلى مطارد    وكالة الانباء الفرنسية: ملاحقة صحافي مغربي في قضية اعتداء جنسي    طقس حار و رياح قوية .. المناطق المعنية بالنشرة الجوية الخاصة من المستوى البرتقالي    بعد ''لايف'' مثير على فيسبوك.. النيابة تستدعي رفيق بوبكر والأخير يعتذر (فيديو)    كورونا والخطاب: مقدمات ويوميات لعالم الاجتماع أحمد شراك    مجلس حكومي الخميس المقبل وهذا جدول أعماله    مسؤولة سياسية زامبية سامية: مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الحل الوحيد للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية    تقديرات متفاوتة ومخاوف كبيرة بعد إصابة بالغة لإبراهيموفيتش    خصم الرجاء يستعد لإنشاء ملعبه الخاص    إدارة الجمارك: رصد رسوم ومكوس بحوالي 430 مليون درهم سنة 2019    طاكسيات الرباط تطلب زيادة التعرفة لاستئناف العمل    جائحة كورونا: السعودية تقرر تعديل أوقات التجول والسماح بإقامة صلاة الجماعة بالمساجد    الصحافي "مراكشي" ينهي عقوبة حبسية في الجزائر    المندوبية تكشف عن حصيلة الإصابات بفيروس كورونا بالسجون    عمل فني جديد يجمع تامر حسني والشاب الخالد والجريني (فيديو)    وزارة "أمزازي" تستأنف بث حصص "التعليم عن بعد" عبر القنوات التلفزية    مراكش .. تحريك المتابعة القضائية في حق 9943 شخصا خرقوا حالة الطوارئ الصحية    محاكمة 6001 معتقلا عن بُعد والبت في 2291 قضية خلال خمسة أيام    شاب من البرنوصي ينهي صمود سيدي بنور ضد “كوفيد-19”    الغرب والقرآن 27:في نقد القراءات الإلهية المجازة    كتاب “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور : 27- الدعوة للحفاظ على العقل من طرف الفقهاء دعوة نظرية    قوة الاتحاد الاشتراكي    فرنسا وألمانيا تدعوان لفتح سريع للحدود الأوروبية    حوار شعري مغربي – مصري في فقرة «مؤانسات شعرية تفاعلية»    الاقتباس العلمي بين التناسق الفكري والمقاصد عند الغزالي    تسريع إجراءات التخلي عن "قيود كورونا" بإسبانيا    تعرف على أفضل 10 مدربين في تاريخ دوري أبطال أوروبا    وجدة تخلو من وباء "كورونا" بعد شفاء آخر حالة مصابة بالفيروس    بوزنيقة.. وفاة شخص بالمستشفى كان موضوع بحث تمهيدي في قضية سكر وخرق “الطوارئ الصحية”    بسمة بوسيل تهنئ زوجها تامر حسني بعد حفلة العيد    رئيس النقابة المغربية لمهن الفنون الدرامية يطالب بدعم الفنانين في زمن كورونا    الممثلة المصرية زينة تعتذر مجددا للمغاربة    مفاجأة.. أرباب المقاهي يرفضون إستئناف العمل إلا بهذا الشرط    الحصيلة الصباحية: تسجيل 67 حالة شفاء جديدة بالمغرب    بنك المغرب يضخ 14 مليار درهم لدعم المقاولات الصغرى    أقصبي: كورونا فرصة لمباشرة الإصلاحات "الضرورية والشجاعة"    "التجاري" يتواصل مع الزبناء عبر الذكاء الاصطناعي    نعوم شومسكي: أمريكا تتجه إلى الهاوية في عالم ما بعد "كورونا"    مظاهرات متفرقة لدعم الحراك يومي العيد بالجزائر    وزير الخارجية القطري .. اتفاق الصخيرات هو السبيل الوحيد لانتقال سلس للسلطة في ليبيا    بوليف يهاجم لحليمي: تقريركم الأخير غير واقعي نهائيا    من أسماء الشوارع إلى شطحات المحامي...تجاوزات تقول كل شيء    الغرب والقرآن 26- القراءات السبع المختلفة    ابن الضاوية: رحمة الله تُظلل العصاة .. تُيسّر الأوْبة وتمحو الحَوْبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ممكنات أفول الكتابة لدى كارلوس ليسكانو
نشر في بيان اليوم يوم 19 - 07 - 2019

يكتب الكاتب كي يتوقف عن كونه ذلك الذي هو كائنه، لأنه تحول إلى آخر، ومركز هويته في تحوله إلى كاتب، إذ لا تتحقق للكاتب أدبيته إلا عند تجاوزه من الآخر بعد تغذيته، هذا الآخر الورقي هو المانح لقوة التجسيد والانتظام في تماسكات نصية وانسجامات خطابية للكلمات والجمل والأفكار والصور…، فكل كاتب عندما يكرس نفسه للكتابة يعبر في العمق عن هوية الآخر الكامن والمستغرق فيه، فالكاتب هو فعل ابتكار ابتكرته شخصية الكاتب، وكل ادعاء لصفة كاتب، يرتبط أيما ارتباط بابتكاره الآخر وجنونه به، فأن تكون كاتبا معناه أن يبتكرك الفرد الذي سيقوم بالكتابة، لأن وضع الكاتب قبل أن يبتكره الخادم لا وجود له، ذلك هو أساس أطروحة كتاب “الكاتب والآخر” للأديب والكاتب كارلوس ليسكانو من الأوروغواي، إذ يرى في منجزه الأدبي المذكور، أن الكاتب دوما اثنان: ذلك الذي يشتري الخبز والبرتقال، ويجري الاتصال الهاتفي، ويذهب إلى عمله، ويدفع فاتورة الماء والكهرباء، ويحيي الجيران. والآخر ذلك الذي يكرس نفسه للكتابة، الأول يسهر على حياة المبتكر العبثية والانعزالية. إنها خدمة يؤديها بكل سرور، لكنه سرور ظاهري فقط، لأن التوق إلى الاندماج يظل موجودا. فأن تكون اثنين ليس أسهل من أن تكون واحدا”.
يتقصى هذا التمرين الأدبي تأمل ممكنات فعل تجربة الكتابة لدى ليسكانو وحيثيات قلق جفاء وأفول الكتابة، وأسرار استحالتها وعدم الإقواء عليها، وعجز الكاتب عن خط أي كلمة أو صفحة ذات سمات تمييزية وأصيلة وذات قيمة من أجل المجتمع، بالرغم من قراره الاستراتيجي بأن يكون كاتبا حتى قبل أن يشرع في عملية الكتابة، لأن سقف شعوره وهو معتقل عسكري من قبل سُلطات الأوروغواي لمدة 13 سنة، حيث كان عضوًا في حركة التوبمارو “Tupamaro” المعارضة للحكم العسكري القمعي الديكتاتوري، وهو ما أدى إلى اعتقاله سنة 1971؛ حيث حكم عليه بالسجن وهو في الثانية والعشرين من عمره، هذه المدة السجنية دفعت بليسكانو الى الجرأة القوية في أن يكون “آخر”، ضمن شروط قاهرة من الوحدة والصمت الرهيب وغياب العلاقات الإنسانية، كان يروي هناك في الزنزانة الفردية لنفسه حياة تروقه، وبأنه يمثل شيئا ما، وأن عنده ما يقوله للآخرين، وفي غمرة هذا الهذيان المتواصل والعزلة الشديدة، حيث “لا نور ولا ماء ولا شيء للكتابة، لم أكن أحدث أحدا، فقررت كتابة رواية ذهنية، وقد كان ذلك هذيانا، لكنه أيضا كان سبيلي إلى الهروب من الجو المضني للمعتقل”.
يقول لسكانو إنه “بعد عدة أشهر من الاعتقال، حين تمكنت من الحصول على أوراق وقلم، كتبت فعلا رواية، بعدها اعتبرت نفسي أديبا! رغم أني لم أبح بالأمر، إلا أن ذلك ساعدني على قضاء سنوات الأسر الخمس التي تَلتْ. عند ما خرجت من السجن أردت أن أصبح كاتبا، لم أكن أرغب في أي شيء آخر”سوى آلة كاتبة لرقن ما تخيلته من أعمال أدبية وتجسيدها في متواليات لغوية دالة على ما كنته، وبحسب كارلوس ليسكانو فإن ظاهرة أفول الكتابة وتخطيها له هي انجذاب للعدم والموت، وموضوع تأمل موجع للجفاف الأدبي، يعتري الكاتب، وتجعل كلماته في دائرة مغلقة غير قابلة للتطوير والبلورة، وتستحيل القدرة لديه على التفكير في الكتابة، بله كتابة صفحة واحدة، كما تغدو الكلمة شحيحة وصعبة التجلي، فيما يظل الكاتب محل انتظار عقيم أمام الورقة البيضاء، يصاب بالذعر والدهشة مع تمام الاعتراف بالعجز والتوقف عن الكتابة، قائلا: “من ليلة إلى ليلة، أنتظر أن يحدث شيء. أعرف أنه لن يحدث، ولكنني إن لم أنتظر فلن يحدث بالتأكيد. وبحلول ليلة جديدة مماثلة لسابقتها، لم يحدث فيها شيء، أدرك أن ما حدث حقا هو أنني على مر تلك الساعات التي مضت قد انتظرت، وهذا في حد ذاته شيء، إنه الجسر الذي يسمح بالعبور من ليلة إلى أخرى، إذ ثمة ليال أسوأ؛ ليال بلا انتظار”. ويرفع ليسكانو سقف عدم الاستطاعة على الكتابة بعد أن كان يكتب منذ أكثر من عشرين عاما، واصفا شعوره بأنه لم يعد في وسعه القيام بذلك، وبالكسل العظيم أمام ابتكار قصة، وجعلها قابلة للتصديق، والبحث عن تفاصيل لها، لكنه كان بحاجة دوما لأن يبتكر “ليسكانو” الكاتب الذي لم يعد موجودا بمجرد ما ابتكره ليسكانو، وأعده للكتابة وسماه بالآخر المبتكر. وتساوقا مع هذا، يشدد ليسكانو على ابتكارية الكتابة من حيث هي خلق وإبداع الآخر قائلا: “لا أعرف كيف أخرج من التكرار. أقول لنفسي إن الطريقة الوحيدة للخروج ليست أن أفكر، بل أن أكتب؛ أن أكتب ما يجري لي. مستحيل أن أكتب ما يجري لي دون أن أروي لنفسي ما كان قد جرى أو ما أعتقد أنه قد جرى”.
من خلال هذا البوح الحميمي عن ثنائية فعل الكتابة ونفورها، يعتبر ليسكانو أن “الأدب مركز حياته” وأنّ الأدب والحياة شيء واحد، وأن استحالة الكتابة تغدو استحالة عيش. وأن لا مناص من “أن أكتب دون أن أسأل لماذا أمضي قدما في الكتابة؟ وما فائدة ذلك؟ يقول ليسكانو: “ينبغي أن نترك الكلمات في مكانها، وأن لا نستثمر في الكتابة عن الحياة، بل أن نكرس أنفسنا للحياة”، ومن ثم كانت الكتابة لدى ليسكانو حديثا مع النفس وخلاصا فرديا من كل إزعاج ومعاناة، مع عدم تأكيده أن الكتابة تعلمه الحديث عن الآخرين، ومن ثمة كانت الحياة والتجارب لا غنى عنها في فعل الكتابة “الكتابة هي تشييد عُزلة لا يمكن اختراقها”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.