احتضنت مدينة الدارالبيضاء، يوم 7 فبراير 2026، ندوة علمية نظمتها الجمعية المغربية لليتيم، خُصصت لموضوع "نسب الأطفال المتنسلين من علاقة غير شرعية"، حيث قدّم الأستاذ المصطفى الرميد، وزير الدولة السابق، عرضًا مطولًا تناول فيه الأسس الشرعية الكبرى والفرعية التي اعتبرها مؤطرة للنقاش. الشريعة مؤسسة على العدل والمسؤولية الفردية استهل الرميد مداخلته بالتأكيد على أن الشريعة الإسلامية قائمة على مبدأ العدل، مستندًا إلى نصوص قرآنية تجعل من العدل مقصدًا محوريًا في التشريع. واعتبر أن أي اجتهاد يفضي إلى الجور أو تحميل غير المسؤول تبعات فعل غيره، يبتعد عن جوهر الشريعة ومقاصدها. وفي السياق نفسه، أبرز مبدأ المسؤولية الفردية كما قررته نصوص قرآنية صريحة، وعلى رأسها قاعدة: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، مشددًا على أن الطفل لا يتحمل تبعات علاقة لم يكن طرفًا فيها، وأن الثواب والعقاب مرتبطان بالفعل الشخصي لا بأفعال الغير. التحريم الصريح للزنا... دون ترتيب أثر على براءة الطفل أكد الرميد أن تحريم الزنا ثابت بنصوص قطعية، وأنه من الكبائر المغلظة في الشريعة الإسلامية، غير أنه أشار إلى أن النصوص المحكمة لم ترتب أثرًا يمس الطفل المولود نتيجة تلك العلاقة من حيث تحميله وزرًا أو تجريده من كرامته الإنسانية. واعتبر أن القرآن الكريم، رغم تفصيله لأحكام الزواج والنسب والطلاق، لم ينص صراحة على نفي النسب عن الأب في حالة الولادة خارج إطار الزواج، ما يفتح – بحسبه – باب الاجتهاد في ضوء مقاصد العدل والإنصاف. بين "الولد للفراش" وإثبات النسب في حالة انعدام الفراش توقف المتدخل عند قاعدة "الولد للفراش"، الواردة في الحديث الصحيح، موضحًا أنها تتعلق بحالة قيام علاقة زوجية ثابتة، ولا تنطبق – في تقديره – على حالة طفل مجهول النسب الذي لا يقوم في حقه فراش شرعي. وأضاف أن الاستناد إلى هذه القاعدة في غير محلها قد يؤدي إلى حرمان طفل من حقه في الانتساب، داعيًا إلى التمييز بين حالة النزاع في إطار علاقة زوجية قائمة، وحالة عدم وجود فراش أصلًا. الاستلحاق والحمض النووي... نحو قراءة معاصرة استحضر الرميد اجتهادات فقهية، من بينها ما نُسب إلى ابن القيم الجوزية، في القول بإمكانية لحوق النسب بالأب إذا لم ينازعه فيه أحد، معتبرًا أن التطور العلمي، خاصة اعتماد فحص الحمض النووي (ADN)، يوفر وسيلة قطعية لإثبات الأبوة، تفوق في دقتها وسائل الإثبات التقليدية كالقيافة. وشدد على أن من يقبل بالقيافة كدليل ظني، أولى به أن يقبل بنتائج التحليل الجيني كدليل علمي قاطع. الإطار القانوني المغربي: بين مدونة الأسرة وقواعد المسؤولية على المستوى القانوني، أشار الرميد إلى أن مدونة الأسرة المغربية تقر بإثبات النسب في حالات محددة، من بينها الاستلحاق والخطوبة بشروط، لكنها لا تقر حتى الآن بإثبات البنوة للأب خارج العلاقة الشرعية بنفس الكيفية المعتمدة للأم. وفي المقابل، استحضر مقتضيات قانون الالتزامات والعقود المغربي، ولاسيما المادتين 77 و78 المتعلقتين بالمسؤولية التقصيرية، باعتبارهما أساسًا قانونيًا للمطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عن الفعل غير المشروع. كما أشار إلى قرار صادر عن محكمة النقض المغربية بتاريخ 15 أبريل 2025 (عدد 375/1)، قضى بأحقية المولود الناتج عن فعل إجرامي في التعويض، مؤكدًا أن العقوبة الزجرية لا تسقط الحق المدني في جبر الضرر. دعوة إلى مراجعة اجتهادية منصفة وختم الرميد مداخلته بالدعوة إلى مقاربة متجددة لموضوع النسب، تقوم على العدل والإنصاف، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم الأساسية، في أفق ملاءمة التشريع والاجتهاد القضائي مع مقاصد الشريعة وروح الدستور. وأكد أن حماية الأسرة والمجتمع لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق فئة وُجدت دون اختيار منها، داعيًا إلى نقاش علمي هادئ ومسؤول يوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.