خلف قرار الحكومة حصر "المناطق المنكوبة" جراء الفيضانات الأخيرة في أقاليم الغرب واللوكوس، واستثناء أقاليم جبلية تابعة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة كإقليم شفشاون، موجة من التساؤلات والاستياء في صفوف الساكنة المحلية والمتتبعين، الذين اعتبروا أن الضرر الذي لحق بالبنية التحتية وعزل الدواوير في الجبال لا يقل فداحة عما شهدته السهول. في الدواوير الجبلية، لم يكن المشهد أقل قسوة: طرق مقطوعة بفعل الانجرافات، جسور صغيرة جرفتها السيول، وانقطاع متكرر في خدمات الماء والكهرباء، ما عمق شعور العزلة لدى ساكنة تعتمد أساسا على مسالك قروية هشة. ورغم غياب صور "بحيرات" مائية شاسعة كما في السهول، فإن الأثر الاجتماعي كان حادا، خصوصا مع تعطل الدراسة وصعوبة الولوج إلى المراكز الصحية والأسواق الأسبوعية. ولفهم الخلفيات التي تحكمت في هذا "الفرز الجغرافي"، يرى الدكتور سعيد شكري، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية، أن الأمر لا يتعلق ب"إقصاء متعمد" بقدر ما هو خضوع ل"معايير تقنية" تعطي الأولوية للخسائر القابلة للقياس المادي المباشر. ويوضح شكري، في قراءة خص بها هذا الملف ضمن تصريحات نشرتها صحيفة "وطن 24" الإلكترونية، أن هناك "اختلاف بنيوي" في طبيعة الكارثة بين المنطقتين. ففي سهول الغرب واللوكوس، تتخذ الفيضانات طابع "امتداد واسع" يغمر آلاف الهكتارات الفلاحية دفعة واحدة. هذا النوع من الضرر يمس "كتلة اقتصادية" ضخمة ومركزة، مما يجعل خسائرها قابلة للقياس الكمي والمالي بشكل دقيق وسريع، وهو ما يفسر سرعة التدخل الحكومي لتصنيفها. في المقابل، تتميز الأضرار في المناطق الجبلية كإقليم شفشاون بطابع "فجائي وموضعي" (انجرافات تربة، انهيار مقاطع طرقية، عزل دواوير). ورغم قسوة هذه الأضرار اجتماعيا، إلا أنها "مشتتة" جغرافيا وأقل تركيزا من الناحية الاقتصادية الصرفة مقارنة بالأحواض الفلاحية الكبرى. ويعتقد الخبير البيئي أن المعايير الحكومية الحالية لا تزال تميل إلى "النجاعة الاقتصادية"، حيث يتم توجيه الدعم الاستعجالي للمناطق ذات المردودية الفلاحية العالية المتضررة. ويضيف شكري: "استثناء شفشاون لا يعني غياب الضرر، بل يكشف محدودية آليات التقييم التي تعتمد على حجم المساحات المغمورة أكثر من اعتمادها على مؤشرات الهشاشة الاجتماعية والعزلة". ويرجح المتحدث ذاته أن يكون إعلان المناطق المنكوبة في السهول مجرد "خطوة مرحلية" لإنقاذ الموسم الفلاحي، على أن يتم التعامل مع أضرار المناطق الجبلية ضمن برامج فك العزلة وإصلاح الطرق وإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة. ومع ذلك، يشدد شكري على ضرورة تجاوز هذا المنطق التقني مستقبلا، داعيا إلى اعتماد "مقاربة مندمجة" وتطوير معايير مركبة تجمع بين "حجم الخسارة الاقتصادية" و"درجة الهشاشة الاجتماعية"، لضمان عدالة مجالية تنصف ساكنة الجبل وتدعم قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية، بدلا من تركها رهينة انتظار البرامج الاعتيادية.