استنفار بمحيط فندق كاليفورنيا وسط طنجة بعد تهديد شاب بإلقاء نفسه من شرفة غرفة    أمستردام.. إفطار جماعي لفائدة أفراد الجالية المغربية يعزز روح التقارب والتآخي في شهر رمضان    أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    شركتان أمريكيتان تقيّدان "صور الأوسط"    انفجارات تدوي وسط العاصمة القطرية    طومبولا جزائرية!    الجيش يتعادل مع بيراميدز المصري في ذهاب ربع نهائي أبطال إفريقيا    الجيش الملكي يهدر فوزاً ثميناً بالرباط    السعدي يبرز "النموذج المغربي الفريد" في التعايش بين الحضارات والثقافات    اكتشاف ديناصور عملاق في البرازيل    زاكورة تودع الطفل يونس العلاوي    مضيق هُرمز يوسع ارتجاجات العالم .. "عنق البحر" الذي يمسك برقبة الاقتصاد    استعدادًا للاستحقاقات القارية والدولية... برنامج حافل لمباريات وتجمعات المنتخبات المغربية للفئات السنية خلال توقف مارس 2026    إفطار رمضاني بإشبيلية يبرز دور الصناعة التقليدية المغربية في تعزيز الحوار والتعايش    ميناءا سيدي افني وأسفي يستقبلان كميات قياسية من الأسماك خصوصا السردين    إفطار رمضاني بإشبيلية يبرز دور الصناعة التقليدية المغربية في تعزيز الحوار والتعايش    لقجع ووهبي يجتمعان بموهبة ليل أيوب بوعدي لحسم مستقبله الدولي    محكمة الحسيمة تدين رجلاً وامرأة في قضية مخدرات وإعداد محل للدعارة    حكيمي يوجه رسالة مساندة لأكرد بعد خضوعه لعملية جراحية    عين الحبيب تنطق بما في الجيب !    مديرية الضرائب تذكر بإلزامية إيداع التصريح المتعلق بآجال الأداء قبل فاتح أبريل    رئيس هيئة الأركان الأمريكية: بيئة مضيق هرمز "معقدة تكتيكيا" يصعب تأمينها        بلغ إليها من أحب سلامي    قضايا في النصإصدار كتاب قضايا في النص الرحلي عن منشورات الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة للرحلي    أكثر من 600 طن من الأسماك تعيد الحيوية لمينائي سيدي إفني وأسفي    محاكمة مشجعي منتخب السينغال تحت مجهر الملاحظة الحقوقية...المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تصدر تقريرها وترصد احترام معايير المحاكمة العادلة    عيد الفطر.. الصندوق المغربي للتقاعد يعلن تقديم تاريخ أداء المعاشات وصرفها ابتداء من 18 مارس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    عطلة استثنائية يوم الإثنين 23 مارس 2026 بمناسبة عيد الفطر المبارك    بورصة البيضاء تنهي التداول بتراجع    واشنطن تعلن مقتل كافة أفراد الطاقم ال6 لطائرة سقطت بالعراق    السيادة الوظيفية في عالم متعدد الأقطاب بعد الحرب على إيران: المغرب والجزائر نموذجا    الدوري الفرنسي: أكرد يبتعد عن الملاعب لعدة أسابيع بسبب الجراحة    المركز السينمائي المغربي يقرر حماية كتاب السيناريو بشرط جديد للدعم العمومي    تعزيز الحماية القانونية للفئات الخاصة.. دورية جديدة من رئاسة النيابة العامة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    افتتاح معرض "المصاحف الشريفة للمكتبة الوطنية"    استشرافا للاستحقاقات المقبلة .. «الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي باكادير ترسم خارطة طريق تنظيميا وسياسيا»    14 سنة سجنا نافذا لمتهمين في قضيتي ترويج الكوكايين بالحسيمة    تأجيل قمة لمجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية بسبب حرب الشرق الأوسط    "التوجه الديمقراطي" تتهم وزارة التربية الوطنية بالتسويف في تنزيل الاتفاقات وترفض تعميم "مدارس الريادة"    اتحاد تواركة يطيح بزمرات ويعين مختاري        حادثة سير تودي بحياة شخصين بإقليم شفشاون    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    الدراما الحسانية... الفن لا يتعارض مع القيم والخصوصية الثقافية    عمرو خالد يكشف سرّ سورة قرآنية وكيف تفتح أبواب الحياة المغلقة    شذرات وومضات    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    عندما يخفي الفشل بذور النجاح -19- فيلم «برازيل» لتيري غيليام : من من الرفض الأولي إلى التكريم    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    الحمل ومرض السكري.. تفكيك الأفكار الخاطئة في المجتمع المغربي    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تزمامارت الخروج من الهاوية والجنون
نشر في هسبريس يوم 01 - 10 - 2009

سجن تزمامارت أكثر من مجرد بناية وسط منطقة نائية جرداء محاصرة بسديم الرعب ورهبة حراس شرسين جفت قلوبهم من رأفة الحياة، وربما لا يعرفون من هذه الأخيرة غير جوانبها الشقية المرعبة، المسربلة بتعذيب مجموعة من المساجين صدرت في حقهم أحكام بالسجن تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، لكن بعد قضاء مدة العقوبات، لم يتم إطلاق سراحهم بل نقلوا الى سجن تزمامارت.. كان هذا هو مسرح رواية الطاهر بن جلون والتي كتب عنها السجين السابق احمد المرزوقي وهو من بين ضحايا هذا السجن (...ان الطاهر بن جلون يسعى دائماً للكتابة على أريكة مريحة، فهو كاتب خمائلي يكتب بعيدا عن منغصات السلطة، وان كان لا يكتب تحت أوامرها طبعا لكنه في المقابل يكتب وفق موضة الاهتمامات الغربية وتحت تأثير المواضيع الحارة التي يضعها الإعلام الأوروبي في واجهة اهتماماته..) ""
حصل الطاهر بن جلون على جائزة إمباك الأدبية لدبلن التي تعد واحدة من أهم الجوائز الأدبية في العالم وذلك عن روايته "تلك العتمة الباهرة" التي أصدرها باللغة الفرنسية عام 2001 وكان الطاهر بن جلون قد كتب قبل ذلك رواية عن العنصرية بعنوان (العنصرية كما شرحتها لابنتي)، وحصلت هذه الرواية على انتشار وشهرة كبيرة خاصة في دول أوروبا، ومن روايته كذلك لا ننسى رواية (ملجأ الفقراء) التي صدرت في سنة 1999.
كان هذا احد أهم أسباب الجدل الذي أثير حول توقيت الرواية او ( تلك العتمة الباهرة) فقد قوبلت بنوع من الفتور في المغرب خاصة من طرف الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان والتي عابت على بن جلون صمته المطبق عن معاناة معتقلي تزمامارت على مدى نحو ثلاثة عقود من الصمت والوقت. فيما كان للكاتب مصطفى الزارعي رأي خاص في هذا قائلا: لم يكتب الطاهر بن جلون شيئاً عن الاعتقالات السياسية في المغرب خلال الستينات والسبعينات، لم يكتب عن القمع الذي مورس خلال هذه السنوات، ولا عن تزمامارت.
ويؤكد دعاة هذا المأخذ حسب الكاتب مصطفى الزارعي أن على الروائي ألا يكتب في الوقت الذي ينتهي فيه الجميع من الكتابة وان يصبح ما كان مغلقا بالأمس وحصرا على الكتابة، مشرعا اليوم وبتفاصيله المشبعة بالتفكيك والتناول، وان الطاهر بن جلون إذا لم يكتب عن تزمامارت وعن سجنائها خلال السبعينات والثمانينات ولم يجهر بها في وسائل الإعلام من قبل فلا داعي للكتابة عنها اليوم فكل كاتب أيا كان شأنه وكيف ما كانت الأجناس الكتابية التي اختارها للتعبير عن أفكاره ومواقفه فإن الالتزام بروح الإنسان وبقضاياه وشقائه ومآزقه شرط لكل إبداع حقيقي."
في الزمن القريب القادم ستكون السجون العربية مسرحا مثاليا للروايات الجادة، الروايات التي تتنفس أحرفها بعد فتح الأبواب حتما ليس قبل هذا.
في (سجن تزمامارت) استطاع الطاهر بن جلون ان يصنع حكاية للتاريخ، ربما غدا، وبعد غد سنكون أمام تيار روائي جديد يليق به ان يكون ضمن المابعديات في عالمنا العربي – لتصبح الرواية فيما بعد فتح السجون ..
ولكن ماذا عن عذابات السجون التي تحصد الجوائز ؟ ماذا عن المعذبين الذين تصبح حكاياتهم، وآلامهم مشاعا للورق، وللناشرين، ولقراء العربية في كل مكان؟ ماذا عن انتزاع الحكاية من ألم الضحية..؟!
كان اعنف هجوم تلقاه – عقب نشر روايته تلك العتمة الباهرة - صدر عن مجموعة من السجناء المغاربة الذين قضوا سنوات عديدة بسجن تزمامارت الذي لم يكن معترفا به من قبل إلا في شهر سبتمبر من سنة 1991، وهو الموضوع الذي تناولته رواية الطاهر بن جلون- انه سجن تزمامارت أو تلك العتمة التي لم يكن يعرفها احد.. ذلك المعتقل الذي أريد له ان يظل مسوراً بالنسيان مدة سنوات طويلة في مكان قصي من الجنوب الشرقي للمغرب،..
كيف بدأت مسيرة الرواية، كيف تدفقت فكرة الحرف، السرد، الحبكة التي لم تكن إلا بقايا قلوب وأرواح بشر حقيقيين عادوا من هناك ، هل كان مباحا لهم ان يصرخوا كما صرخ سارتر ( الآخرون هم الجحيم ) احدهم قالها على طريقة الخارج من تلك العتمة _ التي لم تكن مبهرة يقول احد هؤلاء العائدون: إن الطاهر بن جلون كان يجد حرجا شخصيا حين يلتقي بضحايا هذا القبر أو السجن ويسألونه لماذا نسيتنا أنت أيضا؟!
وكان لا يجد ردا مناسبا إلى ان قرر الكتابة عنهم من خلال شهاداتهم هم الأحياء والذين نجوا من هذا العذاب بمعجزة الأمل وحدها...
تتناول الرواية الأحداث المأساوية التي عاشها سجناء سجن " تزمامارت" أو بيت الموتى كما قال عنه احد ضحاياها في مقابلة له قائلا: إن هذا المعتقل هو قبر حقيقي دفن فيه لمدة تزيد على أكثر من ثماني عشرة سنة أكثر من ستين فردا مات بعضهم وظل البعض الآخر يقاوم الموت، والنسيان، والحشرات، والبرد والحر، والمرض، اليأس والتفسخ، بل ان بعضهم كان قد تفسخ فعلا وتحول إلى لحم مهترئ يتمشى، وجن آخرون، وعاش بعضهم على حكايات تنتمي إلى عالمهم القديم الذي أغلق عليهم مرة واحدة وبصورة قاطعة، لكنهم استعانوا بالذاكرة.
وحسب رواية احد ضحايا هذا السجن – الحقيقيين وليس داخل غلاف الرواية – يقول ان مدفن "تزمامارت" هو شهادة مخيفة ، ومرعبة، وقوية، على قوة الأمل البشري في الخروج من الهاوية والجنون والموت المؤكد.
*الرياض السعودية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.