بينما تتجه الأنظار في أوروبا نحو تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا واحتمالات اتساع رقعتها خلال السنوات المقبلة، اختارت فرنسا أن تتخذ خطوة ذات رمزية كبيرة وأبعاد استراتيجية بعيدة المدى، من خلال الإعلان عن إطلاق خدمة عسكرية طوعية مدفوعة الأجر تستهدف فئة الشباب، في إشارة واضحة إلى تحول في العقيدة الدفاعية للدولة الفرنسية، وربما لمجمل المنظومة الأوروبية. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارة ميدانية لقاعدة جبلية تابعة للمشاة في بلدة فارس ألبيريه إيه ريسيه جنوب شرق البلاد، قدم تفاصيل المشروع الجديد، مشيرًا إلى أن "هناك جيلًا مستعدًا للوقوف إلى جانب بلاده"، وأن الجيش هو الإطار المؤسسي الذي يجب أن يستوعب هذا الاستعداد. في خطابه، لم يتردد ماكرون في الإشارة إلى أن العالم يعيش مرحلة تتقدم فيها القوة على حساب القانون، وأن الحرب لم تعد احتمالًا نظريًا بل واقعًا يجب الاستعداد له، معتبرًا أن فرنسا "لا يمكن أن تكون خائفة أو غير مستعدة أو منقسمة". هذه المبادرة لم تأتِ من فراغ. فقد سبقتها تصريحات مثيرة للجدل أطلقها رئيس أركان الجيش الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، حذر فيها من أن بلاده قد تضطر إلى "قبول احتمال فقدان أبنائها" في حال اندلاع نزاع مسلح واسع النطاق. ورغم موجة الانتقادات التي وُجهت إليه، خصوصًا من بعض القوى السياسية التي اعتبرت حديثه مبالغًا فيه أو غير مسؤول، فإن تلك التصريحات بدت منسجمة مع التوجه الجديد للدولة الفرنسية، والذي كرّسه ماكرون بخطابه الأخير. فرنسا، التي ألغت الخدمة العسكرية الإلزامية في 1997، تنضم بهذه الخطوة إلى سلسلة من الدول الأوروبية التي بدأت بإعادة تقييم سياستها الدفاعية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. كرواتيا أعادت العمل بالخدمة الإلزامية هذا العام، وبولندا وسعت برامج التدريب العسكري الإجباري لتشمل كل الذكور البالغين، والدنمارك بدأت في تجنيد النساء، وألمانيا تتحرك نحو زيادة عدد المجندين. أما دول البلطيق، فهي تُبقي على نماذج صارمة من الخدمة الإلزامية في مواجهة ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا. ورغم أن ماكرون لم يذكر روسيا صراحة في خطابه، فإن السياق العام، محليًا وأوروبيًا، يشير بوضوح إلى أن موسكو هي المحرّك الخفي لهذه الخطوات. فالتقديرات الاستخباراتية التي يتم تداولها في دوائر القرار الفرنسي والأوروبي ترجّح أن الكرملين يتهيأ لاحتمال مواجهة أوسع بحلول عام 2030، الأمر الذي دفع بعض القيادات العسكرية إلى حثّ السلطات المحلية على تشجيع الشباب على الانخراط في الخدمة الجديدة. الخدمة المعلنة ستستغرق عشرة أشهر، من بينها شهر للتدريب العسكري الأساسي، وسيحصل المشاركون على مكافأة شهرية قدرها 800 يورو، إلى جانب زي رسمي وتجهيزات ميدانية. وبحسب ماكرون، لن يُنشر المتطوعون خارج فرنسا، ولن تُفرض الخدمة على أحد في الوقت الحالي، إلا أن البرلمان يحتفظ بحق تحويلها إلى إلزامية في حال حدوث أزمة وطنية كبرى. الرئيس الفرنسي عبّر عن أمله في أن يستهدف البرنامج فئة الشباب بين 18 و19 عامًا، مع إمكانية ضمهم لاحقًا إلى الجيش النظامي أو قوات الاحتياط. الجيش الفرنسي، الذي يضم اليوم نحو 200 ألف عنصر في الخدمة الفعلية وقرابة 45 ألفًا في الاحتياط، يسعى من خلال هذا البرنامج إلى استقطاب 3 آلاف متطوع خلال عام 2026، والوصول إلى 50 ألفًا في غضون عشر سنوات. وهو هدف يبدو طموحًا، لكنه في ظل المناخ الأمني الحالي في أوروبا، لا يبدو مستبعدًا. ردود الفعل السياسية في الداخل الفرنسي جاءت متباينة. ففي حين رحبت بعض الأطراف بما وصفته "تجديدًا في العلاقة بين الدولة ومواطنيها"، رأت قوى يسارية أن المشروع يعكس فشلًا في تقديم بدائل مدنية للشباب الفرنسي، ويمثّل محاولة لإعادة إنتاج خطاب الحرب في بلد اعتاد لعقود طويلة على السلام الاجتماعي. النائبة الأوروبية مانون أوبري، عن حزب "فرنسا الأبية"، انتقدت المشروع بشدة، قائلة إن الرئيس ماكرون "لا يقدم للشباب سوى الإعداد للموت في حروبه"، ووصفت المكافأة التي ستُمنح للمشاركين بأنها "أقل من الحد الأدنى للأجور". ورغم الجدل السياسي، فإن استطلاعًا للرأي أجرته مؤسسة "أودوكسا" أظهر أن 79 في المئة من الفرنسيين يرحبون بإطلاق الخدمة الطوعية، في مؤشر يعكس مزاجًا عامًا مائلًا إلى الحذر الاستباقي، أو حتى القبول الضمني بتصاعد منسوب التهديدات المحيطة. أما على المستوى الاقتصادي، فقد قررت الحكومة المضي في رفع ميزانية الدفاع رغم ارتفاع عجز الموازنة والدين العام، إذ تخطط لزيادة مخصصات وزارة الدفاع بنحو 6.7 مليارات يورو في عام 2026، مقارنة بميزانية السنة الجارية، في خطوة تؤكد أن باريس لم تعد تنظر إلى الإنفاق العسكري باعتباره عبئًا، بل ضرورة استراتيجية. ويرى محللون أن القرار الفرنسي لا يتعلق فقط بإطلاق خدمة جديدة أو توسيع إطار التجنيد، بل يعكس تحوُّلًا تدريجيًا في رؤية الدولة لدورها في محيط جيوسياسي متحوّل. فباريس، شأنها شأن عواصم أوروبية أخرى، أصبحت ترى في الحرب احتمالًا قابلًا للحدوث، وليس حدثًا استثنائيًا. وهذا التحول، مهما بدا تقنيًا أو تدريجيًا، يعكس انكسارًا عميقًا في وهم "ما بعد الحرب" الذي ساد أوروبا منذ عقود.