"سبعة أشياء تدمّر الإنسان: السياسة بلا مبادئ، المتعة بلا ضمير، الثروة بلا عمل، المعرفة بلا قيم، التجارة بلا أخلاق، العلم بلا إنسانية، العبادة بلا تضحية." المهاتما غاندي نُبوءة أفلاطُون التي لم تنتهِ ماذا لو استيقظ أفلاطون هذا الصباح وفتح حسابًا على إنستغرام بدل أن ينزل إلى ساحة الأغوراAgora ؛ هل كان سيجد أن من يدير "المدينة" اليوم هو العقل أم الخوارزمية؟ وهل لا يزال المواطن فاعلًا سياسيًا أم تحوّل إلى "مستهلك مُحتوى" تُديره حملات التسويق الانتخابي وإدارة الانفعالات الجماعية؟ وإذا كانت الديموقراطية تُعرَّف بأنها حكم الشعب، فهل هو حقًّا الشعب الذي يقرّر، أم جمهور مُنبهر تقوده عناوين صادمة، وخطب حزبية مُحكمة التّصميم، واستراتيجيات تواصل تبحث عن عدد المتابعين أكثر مما تبحث عن جودة الفكرة؟ ثم أيهما أخطر على المدينة المعاصرة: عدوّ على الحدود أم خطيب رقمي يحرّك العواطف بدون معرفة، ويصنع رأيًا عامًا من غير عقل مشترك ولا حوكمة للمخاطر السياسية؟ حين يلتفت الفيلسوف إلى ضجيج السّاحة لو عاد أفلاطون إلى الحياة في زمن الإشعارات الفورية ومنصّات الرأي، لربما ابتسم ابتسامة ساخرة وقال لنا: " هذا ما كنتُ أخشى عليكُم منه بالضبط". فقد كان يخاف أن تتحوّل الديموقراطية من "حُكم للعقل" إلى "حُكم للأهواء"، وأن يصبح ميزان السّلطة في يد مَن يُحسن "إثارة الانفعال" لا مَن يُحسن" إدارة المدينة". اليوم يبدو حدسه أكثر انكشافًا من أي وقت مضى: المشكلة ليست في أن يختار الناس، وإنما في أن يتمّ دفعهمْ إلى الاختيار تحت ضغط السّرعة والضجيج، لا تحت هدوء المعرفة والتفكير. مع ذلك، فإن سؤال أفلاطون لا ينقض الديموقراطية، بيد أنه يطالبها بأن تكبُر: كيف نجعل مواطن القرن الحادي والعشرين أقرب إلى "الفيلسوف-المواطن" الذي يميّز بين "المعلومة" و"الدّعاية"، وبين الإقناع والاستثمار في الخوف، بدل أن يبقى مجرّد مستهلك لخطابات انتخابية عابرة؟ وهل نستطيع أن نبني فضاءً عموميًا يُدرَّب فيه العقل السياسي كما تُدرَّب أيّ مهارة مهنية، فلا يعود الصوت الانتخابي صدىً للانفعال اللَّحظي، وإنما ثمرةً لوعيٍ يعرف لماذا يختار، وماذا يترتّب على اختياره؟ لم يكن أفلاطون مجرّد اسمٍ في هوامش كتب الفلسفة، كان أشبه بجَرس إنذارٍ قديم لا يزال صداه يتردّد في مدننا اليوم. في "الجمهورية" حذّر من مدينةٍ تتقدّم فيها الأهواء إلى مقاعد القيادة، ويُدفَع العقلُ إلى الصفوف الخلفية، ومن مجتمع يطارد اللذة والمال ويترك الحكمة على الهامش. كان يؤمن أن أخطر ما يُصيب مدينةً ما، هوَ أن يتكلّمَ الأكثرُ صخبًا بينما يصمت الأقدر على التفكير. كأن تحذيراته تصلنا اليوم في رسالة عابرة للقُرون: إن لم نمنح العقل مكان القيادة، فسوف تجرّنا المصالح العمياء إلى الهاوية ونحن نصفّق. من جمهور أثينا إلى جمهور المنصّات منذ زمن جمهور أثينا، كان هاجس أفلاطون واضحًا: الديموقراطية تصبح هشّة عندما يتحوّل القرار السياسي من مجال العقل إلى مسرح الخطابة. في محاوراته، لا سيّما في "غورغياس Gorgias" و"الجمهورية"، هاجم السفسطائيين الذين كانوا يبيعون فنّ الإقناع دون أيّ التزام بالحقيقة أو الخير العام. بالنسبة له، الخطيب الذي يعرف كيف يحرّك العواطف من غير امتلاكه لمعرفة حقيقية هو أخطر على المدينة من العدوّ الخارجي؛ لأنّه يفسد وعي الناس من الداخل ويحوّلهم إلى جمهور مُنبَهر بدل أن يكونوا مواطنين يتأملون ويتساءلون ويفكّرون. اليوم، انتقلنا من ساحة "أغورا Agora " في أثينا إلى ساحة أوسع بكثير: منصّات التواصل. تغيّر شكل الخطابة، لكن منطقها لم يتغيّر كثيرًا؛ مؤثّرون بدل سفسطائيين، خوارزميات بدل جوقات المصفّقين. كل ما يشتغل على سرعة الانفعال: عنوان صادم، فيديو قصير، جملة مستفزّة، صورة فوتوشوب، هو في الجوهر امتداد لذلك الفن القديم الذي كان يخشاه أفلاطون، أيْ القدرة على وتوجيه مشاعر جماعية من غير وعي بالمسؤولية. تدخل الديموقراطية المعاصرة، مثل ديموقراطية أثينا، منطقة الخطر حين يصبح المواطن "مستهلكًا للمحتوى" أكثر منه "فاعلًا سياسيًا". عندما يصبح معيار الصواب هو عدد المشاهدات لا قوة الحجة، ومعيار الشرعية هو عدد المتابعين لا جودة الفكرة، تتحول السياسة إلى منتج إعلامي، والحوار العمومي إلى ضجيج. هنا تتحقق نبوءة أفلاطون بطريقة قاسية: المدينة لا تنعدم فيها الحرية، لكنها تفقد "العقل المشترك" الذي يسمح لها أن تميّز بين الخطاب الذي يبني والخطاب الذي يدمّر. ومع ذلك، لا ينتهي الدرس عند التحذير فقط. أفلاطون لم يكن يكره الديموقراطية لذاتها بقدر ما كان يخاف من ديموقراطية بلا تربية، بلا تفكير نقدي، وبلا نخب مسؤولة. بين جمهور أثينا وجمهور المنصّات خيط واحد: إمّا أن تكون الديموقراطية مشروعًا للعقل المشترك، أو تبقى أسيرة خطابٍ يعرف كيف يُشغلك، لكنه لا يعرف إلى أين يأخذك. لم يكن أفلاطون يكره الديموقراطية بقدر ما كان يخشى الهشاشة التي تسكنها. لذلك لم تكن اعتراضاته نزوة فلسفية، وإنما خوفًا من أن يتحول الحكم إلى مسرح تصفيق، وأن يغدو المواطن جمهورًا متقلب المزاج، وأن تتحكم الخطابة في المصائر أكثر مما تحكمها الحقيقة. في زمن التضليل الإعلامي، وانفجار "الانفعالات السياسية" على المنصّات الاجتماعية، يبدو أن الفيلسوف اليوناني كان يكتب إلينا نحن، لا إلى أهل أثينا. كأنه يقول: "احذروا أن تنقلب الحرية إلى فوضى، وأن تتحول المشاركة إلى مزاج جماعي منفلت من كل عقل." لم يكن أفلاطون عدوًّا للديموقراطية، كان خصمًا لنسختها المتسرّعة الشعبوية التي تدفع المدينة إلى السير من دون بوصلة؛ فيلسوفٌ عاش قبل حواليْ 2400 عام، لكن تحذيراته تبدو كأنها مكتوبة لزماننا هذا بالذات: فالديموقراطية، مهما بدت ناضجة ومحصّنة بالمؤسسات، تظلّ مشروعًا هشًّا يحتاج إلى عقولٍ تُصحّح مساره بقدر ما يحتاج إلى قلوبٍ تؤمن به وتدافع عنه. ديموقراطيّة بين الحِكْمة والتّصفيق حين نرفع نظرنا من نصوص الفلسفة إلى واقع الديموقراطية كما تمارسها كثير من الأحزاب اليوم، يبدو كأنّ أفلاطون يعود إلينا بابتسامةٍ حزينة؛ كمن يرى أن حلمه بالمدينة الحكيمة ما زال مؤجَّلًا. فهذه الأحزاب لا تظهر، في أغلب الأحيان، باعتبارها مدارس تُنضِج وعي المواطن وتدرّبه على الحكم الرشيد، وإنما تتبدّى باعتبارها آلات تنظيمٍ انتخابيّ تسعى إلى توجيهه وفق مصالحها الخاصة، وتحويل صوته من أداة تعبير حُرّ إلى رافعة نفوذ، والميثاق الشعبي من عهدٍ أخلاقي إلى سلعةٍ تُسوَّق في الحملات الانتخابية وتُقاس بقيمة الشعار وميزانية الإعلانات أكثر مما تُقاس بصدق المشروع السياسي لهذا الحزب أو ذاك. ومع ذلك، لا يمكننا أن نتجاهل البذرة الممكنة للخير؛ فالأحزاب، في أفضل حالاتها، قد تكون منصات لتعليم السّياسة، وأدوات لتقوية المواطن بدل أن تُضعفه، لكنها غالبًا تفشل في ذلك لأنها تختار الانتصار على الخصم بدل الانتصار على الفكرة، وتغرق في صراعات النفوذ بدل صراعات العقل. هنا تتجلى مأساة ديموقراطيتنا الحزبية: أن الشكل موجود، لكن الجوهر غائب، وأن كل صوت، مهما كان حراً على الورق، يجد نفسه محاصرًا بين مصالح حزبية متعارضة، أكثر من كونه موجّهًا نحو الصالح العام. ولعلّ المدهش في قراءة أفلاطون اليوم أننا نصحو متسائلين: هل ديموقراطيتنا الحزبية كما أسلفتُ هي فرصة لتربية العقل السياسي للمواطن؟ وهل يمكن للأحزاب أن تتحول من أدوات نفوذ إلى مدارس للحكمة، كما كان يحلم الفيلسوف؟ أم أننا سنظل نكرر على مدى الأجيال أن الديمقراطية مجرد اسم جميل على ورق، بينما تتحكم المصالح والانفعالات بالمدينة؟ هكذا، تبقى الدروس القديمة حيّة، والصوت الحكيم للفيلسوف يتردد بين أروقة أحزابنا: "احذروا أن يغيب الفكر، وأن تسود السياسة المزاجية على حساب العقلانيات؛ فالديمقراطية لا تُبنى إلا بالعقل قبل أن تُعلنها صناديق الاقتراع". من إدارة المشَاعر إلى إدَارة المدينة من جمهور أثينا إلى جمهور المنصّات، ومن أحزابٍ وُلدت لتمثّلنا إلى أحزابٍ لا تعيش إلا من التصفيق، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل ستظلّ ديموقراطيتنا الحزبية مشروعًا هشًّا تُسيّره تقلباتُ الرأي العام، أم يمكن أن تتحوّل إلى منظومةٍ عقلانية تُصاغ فيها المواطنة وتُدرَّب كما تُصاغ الكفاءات في أيّ مؤسسة كبرى؟ وهل تملك الأحزاب شجاعةَ أن تعيد تعريف نفسها باعتبارها مدارس للحكمة ومساحات لصناعة قرارٍ مسؤول، بدل الاكتفاء بدور "واجهات التسويق السياسي" التي لا همَّ لها سوى سباق نِسَب المشاهدة وخانات الاستطلاعات؟ وفي المحصّلة، يبقى الاختيار لنا نحن المواطنين: هل نرضى بأن نظلّ جماهيرَ تُقاد بالانفعال الفوري، أم نقرّر أن نكون "شركاء استراتيجيين" في حوكمة المدينة، لا نمنح أصواتنا إلا حين نثق بأن الزعيمَ الذي يخاطبُنا لا يكتفي بإشعال عواطفنا، وإنما يعرف بدقّة إلى أيّ طريقٍ يريد أن يسُوقَها؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.