شهدت إيران خلال الأيام الأخيرة تصاعداً لافتاً في موجة احتجاجات اجتماعية جديدة، اندلعت شرارتها الأولى في سوق الهواتف المحمولة بطهران احتجاجاً على الغلاء وتدهور القدرة الشرائية، قبل أن تمتد رقعتها إلى عدد من الجامعات والمدن، وسط تحذيرات رسمية من استغلال الحراك الشعبي لأغراض سياسية أو تخريبية، في وقت دخلت فيه أطراف خارجية على الخط بشكل علني، ما يضفي على المشهد أبعاداً إضافية من التوتر والارتياب. المدعي العام للجمهورية الإسلامية محمد كاظم موحدي آزاد أكد الأربعاء أن التظاهرات السلمية المرتبطة بكلفة المعيشة يمكن تفهمها في إطار الواقع الاجتماعي الذي تعيشه البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي محاولة لتحويل هذه التحركات إلى أدوات لزعزعة الاستقرار، أو لتدمير الممتلكات العامة، أو لتنفيذ سيناريوهات "أُعدت في الخارج"، سيتم التعامل معها بشكل حازم من قبل القضاء، وبما يتناسب مع ما وصفه ب"تهديد النظام العام". هذه التصريحات جاءت فيما كانت شوارع العاصمة ومدن إيرانية أخرى تشهد تحركات شعبية متفاوتة الحجم، شارك فيها طلاب جامعيون وتجار ومواطنون، رافعين شعارات تطالب بالكرامة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. في المقابل، أدلى جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي "الموساد" بتصريح نادر باللغة الفارسية عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس"، دعا فيه المتظاهرين الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم، مؤكداً أنه يساندهم "على الأرض"، وليس فقط من بعيد أو بالكلام، وفق تعبيره. وقد نُظر إلى هذا التصريح، الذي بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي بالعبرية أيضاً، بوصفه إشارة مباشرة إلى انخراط استخباراتي ميداني في تطورات الداخل الإيراني، خاصة أنه يأتي بعد لقاء جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعقبته تهديدات صريحة من واشنطن بشن ضربات جديدة على إيران في حال استئنافها البرامج النووية أو الباليستية. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اكتفى بالدعوة إلى الإنصات للمطالب "المشروعة" للمتظاهرين، في موقف يُقرأ باعتباره محاولة لاحتواء الغضب الشعبي دون الانجرار إلى صدام مباشر. لكن التطورات الميدانية تشير إلى تصاعد التوتر، إذ أعلنت السلطات عن تعرض مبنى حكومي في مدينة فسا جنوب البلاد لهجوم ألحق أضراراً ببوابته الرئيسية، في حين لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، ولم تربطه الجهات الرسمية صراحةً بالاحتجاجات، الأمر الذي يزيد من غموض السياق الأمني الذي يحيط بالمشهد. الاحتجاجات انطلقت الأحد من وسط طهران، ثم انتقلت إلى حرم عشر جامعات على الأقل في العاصمة ومدن أخرى، فيما أكدت وكالات الأنباء الإيرانية توقيف عدد من الطلاب قبل أن يُفرَج عنهم لاحقاً. وسُجّل تفاعل بارز مع هذا الحراك من قبل شخصيات فنية مؤثرة، من بينها المخرج جعفر بناهي، الذي وصف التظاهرات بأنها "ثورة من أجل دفع التاريخ قدماً"، مؤكداً في منشور له أن "الخوف يزول عندما لا يعود لدينا ما نخسره، وتتوحد الأصوات لكسر الصمت". وفي سياق موازٍ، أُقفلت المدارس والمصارف والمؤسسات العامة في معظم أنحاء البلاد، بقرار من السلطات تحت ذريعة البرد القارس وترشيد استهلاك الطاقة، فيما أعلنت جامعات عن تعليق الدروس الحضورية وتوفيرها عبر الإنترنت، وهو إجراء أثار تساؤلات حول ما إذا كانت له صلة بالاحتجاجات، وإن لم يُعلن ذلك رسمياً. وبحسب مصادر محلية، تدنت درجات الحرارة ليلاً إلى ما دون الصفر في العاصمة، إلا أن توقيت الإغلاق ومواكبته للاضطرابات الاجتماعية دفع البعض إلى التشكيك في دوافعه الحقيقية. اقتصادياً، يعيش الإيرانيون منذ سنوات ضغوطاً خانقة بفعل العقوبات الغربية، وتفاقمت الأوضاع خلال العام الماضي مع تدهور قيمة العملة المحلية، إذ فقد الريال أكثر من ثلث قيمته مقابل الدولار، فيما تجاوز معدل التضخم 10%، ما أدى إلى تقليص القدرة الشرائية إلى حدود غير مسبوقة. وفي ظل هذه الظروف، باتت الكثير من المواد الأساسية بعيدة المنال بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، وهو ما عبّر عنه أحد المتظاهرين قائلاً: "الجميع هنا يناضل من أجل لقمة العيش"، في تصريح لصحيفة "اعتماد" الإيرانية. وتُذكّر هذه التحركات، من حيث دوافعها الاجتماعية، بعدة موجات احتجاجية سابقة شهدتها إيران خلال العقد الماضي، أبرزها مظاهرات 2019 التي اندلعت على خلفية رفع أسعار الوقود، واحتجاجات 2022 التي أشعلها مقتل الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق بتهمة مخالفة قواعد اللباس، والتي خلّفت حينها مئات القتلى من المدنيين وقوات الأمن، إضافة إلى موجة قمع واسعة النطاق. المخاوف تتزايد من احتمالات اتساع نطاق الغضب الشعبي في ظل غياب إجراءات ملموسة لوقف التدهور المعيشي، كما أن تزايد التصريحات العدائية بين طهران وتل أبيب يعيد إلى الأذهان سيناريو حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت بين البلدين في يونيو 2025، وخلّفت آثاراً سياسية واقتصادية عميقة، خصوصاً بعد أن استهدفت إسرائيل مواقع عسكرية ونووية ومناطق سكنية داخل إيران، وردّت طهران بهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ. وفي سياق المساعي الرسمية لطمأنة الداخل، عُيّن عبد الناصر همّتي محافظاً جديداً للبنك المركزي، مع تعهّد الحكومة بأن تكون أولوية المرحلة المقبلة هي كبح جماح التضخم. غير أن المراقبين يشككون في جدوى هذه التغييرات الشكلية، في غياب إصلاحات اقتصادية هيكلية وتخفيف الضغوط السياسية والأمنية التي تزيد من تأزيم المشهد.