البرلمان المغربي والذكاء الاصطناعي: نحو تشريع يواكب زمن التحول الرقمي يشهد العالم اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة، يقودها التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد حكرًا على المجالات التقنية فحسب، بل امتد تأثيرها إلى الاقتصاد، والإدارة، والتعليم، بل وحتى إلى صناعة القرار العمومي. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول موقع البرلمان المغربي من هذه التحولات العميقة، ومدى استعداده لمواكبة تحديات العصر الرقمي. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في بناء السياسات العمومية الحديثة، لما يوفره من إمكانيات هائلة في تحليل المعطيات، وتوقع النتائج، ودعم اتخاذ القرار. غير أن هذا التطور يطرح في المقابل إشكالات قانونية وأخلاقية جديدة، تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وضمان الشفافية، وتحديد المسؤوليات، وهي مجالات تضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية تاريخية. فالبرلمان، باعتباره سلطة تشريعية ورقابية، يُعد الفضاء الطبيعي لمناقشة الإطار القانوني المنظم لاستخدام الذكاء الاصطناعي، سواء داخل الإدارات العمومية أو في القطاع الخاص. ولا يتعلق الأمر بسن قوانين تقنية معقدة، بقدر ما يرتبط بوضع مبادئ عامة تضمن التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق والحريات. ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث يشهد البلد دينامية رقمية متنامية، من خلال رقمنة الخدمات العمومية، وتطوير الإدارة الإلكترونية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي. هذه التحولات تفرض بالضرورة مواكبة تشريعية مستمرة، حتى لا يتقدم الواقع أسرع من القانون. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكل فرصة لتطوير العمل البرلماني نفسه، من خلال دعم البحث التشريعي، وتحليل النصوص القانونية، ومقارنة التجارب الدولية، وتقييم الأثر المحتمل للقوانين قبل المصادقة عليها. وهي أدوات من شأنها المساهمة في تحسين جودة التشريع وتعزيز النجاعة البرلمانية. غير أن إدماج هذه التقنيات داخل المؤسسة التشريعية ينبغي أن يتم في إطار واضح يحترم المرجعية الدستورية، ويؤكد على أن الذكاء الاصطناعي يظل وسيلة مساعدة لا بديلاً عن القرار البشري، حفاظًا على مبدأ المسؤولية السياسية والبرلمانية. ومن جهة أخرى، يفرض هذا التحول التفكير في التكوين المستمر للبرلمانيين والأطر الإدارية، حتى يتم التعامل مع هذه التكنولوجيا بوعي قانوني ومؤسساتي، بعيدًا عن التخوف أو الاستخدام غير المنضبط. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الأدوات، بل في حسن توظيفها. إن مستقبل البرلمان المغربي في ظل الثورة الرقمية يمر عبر الانفتاح المدروس على الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحديث آليات الاشتغال، وتقوية الشفافية، وتسهيل وصول المواطن إلى المعلومة البرلمانية، دون المساس بثوابت الدولة أو اختصاصات المؤسسات. وفي الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل واقعًا يفرض نفسه بقوة. والبرلمان المغربي، بما راكمه من تجربة دستورية ومؤسساتية، يمتلك كل المقومات للانخراط الإيجابي في هذا التحول، عبر تشريع متوازن، ورؤية مستقبلية تجعل من التكنولوجيا رافعة لتعزيز الديمقراطية، لا مصدرًا لتهديدها. -طالب باحث في العلوم السياسية