نقاش هو الأول من نوعه حول كينيث ل. براون نظمته مؤسسة أبوبكر القادري للفكر والثقافة بسلاالمدينة التي درسهَا، بعد رحيل الأكاديمي المتخصص في الأنثروبولوجيا أو علم الإناسة، الذي ناقش أواخرَ ستينيات القرن العشرين دكتوراه حول الثابت والمتحول في تقاليد مدينة سلا، وكتب موجز تاريخها عبر القرون، وأدار مجلة "المتوسطيّات" التي اهتمت أعداد منها، بلغات من بينها العربية، بأدب وتاريخ وثقافة المغرب. وبمقر المؤسسة سالفة الذكر بمدينة سلا، قالت رحمة بورقية، عضوة أكاديمية المملكة المغربية، أمس الجمعة، إن الراحل كينيث براون كان "صديقا للمغرب، وسلا التي اشتغل عليها". ولم يكن هذا الرجل مجرد باحث؛ بل كان "عالم أنثروبولوجيا إنسانيا". بورقية، التي عرفت براون منذ مرحلة إعدادها الدكتوراه بمانشستر البريطانية قبل أربعة عقود، شهدت على "علاقته بالمغرب والثقافة، في رابط إنساني، لا مجرد رابط مشروع بحثي فقط؛ فقد كان المغرب بلدا يحبه (...) حاضرا حتى في بيته. مع ثقافات وبلدان عرفها أيضا. وكان بيته بيت حوار، ونقاشات وتقديم للكتب، من بينها روايات محمد شكري". وواصلت: "كين براون كان إنسانيا يحب أن يكون محاطا بأناس من ثقافات وديانات متعددة، وكان محبا للنقاش، وإنسانيا تجاه ما يحدث في الشرق الأوسط ضد الفلسطينيين، وكان متأثرا بكل البؤس الذي يمس أنحاء العالم"، وكذلك كان رابطه مع الأنثروبولوجيا فهو موضوعي في البحث العلمي، مع احترام لمن يدرسهم وحب ل"أناس سلا" وبالتبع المغرب، وبعيد عن "الدوغمائية". خالد القادري، رئيس مؤسسة أبي بكرٍ القادري للفكر والثقافة بسلا، ذكر أن هذا اليوم ينظم "احتفاء بقامة ثقافية، لها باع طويل، وغادرت هذه الدنيا منذ بضعة أشهر"، مردفا: "عمله متميز وجامع عن الإنسان السلاوي، وشخصيته وثقافته وعلاقاته الاجتماعية؛ مما يدخل في صلب علم الأنثروبولوجيا، والإنتاج الفكري لبراون عن سلا كان إنتاجا مميزا وجامعا لم يسبقه مثيل". وكشف القادري أنه قد "كان له حظ أن كان أول فرد مغربي من سلا، التقاه في باريس سنة 1965 قبل مجيئه إلى المغرب، حيث كان يبحث عن طالب سلاوي، لأنه كان يستعد للقيام بعمل يكون أساس بحثه للدكتوراه التي كان يهيئها في لوس أنجلوس، فجلسنا وتحدثنا لساعات". أما محمد الناصري، الجغرافي عضو أكاديمية المملكة، فذكر، خلال تسييره للندوة، أن كينيث براون قد مسّ في بحثه "قلب تنظيم المجتمع السلاوي، المازج بين الحاضرة والبداوة"، مردفا: "دكتوراه حول أناس سلا، عمل فريد، كان الأول من نوعه الذي اشتغل حول سلا بعمق، في فترة تاريخية كان يعرف فيها المغرب تحولات عميقة"، مع تنبيهه إلى أن هذا العمل المترجم من الإنجليزية إلى الفرنسية، لم يترجم حتى اليوم إلى اللغة العربية. وعرفت الندوة حضور دانييل براون، ابن الراحل كينيث براون، الذي اهتمت كلمته بعمل أبيه "من أجل إبداء أصوات، تعتّمها السرديات المهيمنة". وقابل بين حياته اللاحقة وبداياته، حيث "لم يخرج أبي لأول مرة من ولاية كاليفورنيا الأمريكية إلا وعمره 18 سنة، ولم يكن يتحدث إلا لغة واحدة هي الإنجليزية، وكانت له طموحات رياضية، قبل حادث في الشاطئ". وحول أول زيارة لأبيه للقدس، ذكر براون أنه قد انتقد ما رآه من شوفينية إسرائيلية، وتسمية الفلسطينيين بالعرب، و"محو الفلسطينيين من المعرفة". كما لاحظ "محو تاريخ اليهود المشرقيين والمغاربة، كما لو أن قصصهم لم تكن تستحق الحكي" في إسرائيل مقارنة بيهود أوروبا مثلا. كما أنه "تأسف لأنه لم تكن لديه في زيارته هذه حس الأنثروبولوجي ليكتب ما يراه. لكن الأساس الذي تذكّره هو أنه وجد مجتمعا به أناس حاضرون جسدا، وممحوّون سياسيا واجتماعيا". وواصل نجل الراحل كينيث براون، خلال كلمته في اللقاء الذي احتضنته مدينة سلا، أن أباه قد رأى، عبر العقود، أن قضية الفلسطينيين "مسألة كرامة"، ومشكل "تراتبية مستمرة بين الإنسان في نفس المجتمع". من جهتها، تناولت باولا غاندولفي، أستاذة أنثروبولوجيا المغَارب، مواضيع؛ من بينها أهمية مجلة "المتوسطيات" التي أسسها وأشرف عليها الفقيد، واهتمت بالأنثروبولوجيا والأدب والترجمة، بلغات متعددة، مع هدف واضح "ضد المركزية الإثنية، وضد الحكم على ثقافاتٍ أخرى، انطلاقا من ثقافتك فقط". وتحدث محمد علاوي عن مساراته المشتركة مع الراحل، وطلبه منه تعليمه الأمازيغية المحلية، ولحظات تتراوح بين العرض الوحيد لفرقة "ناس الغيوان" ب مارساي الفرنسية، ومشاريعه غير المنجزة التي حدّثه عنها. وتطرق محمد الطوزي، المتخصص في علم الاجتماع والعلوم السياسية، لمسار كينيث براون بوصفه مسار "أنثروبولوجي نموذجي في أن تكون جديا بحثيا دون أن تكون مفرطا في اعتبار نفسك جديا"، فضلا عن مساره الخاص في التكوين والبحث وبناء معرفة غنية، مردفا: "هو حرفي في عمله، وفي طريقة جمعه مثلا أعداد مجلة 'المتوسطيات'، حيث كان كل عدد تحديا حقيقيا، من التمويل ووصولا إلى الترجمة".