تجربتي الأولى مع ما يُسمّى اليوم نظرية المؤامرة تعود إلى سنّ مبكرة... عندما كنت في التاسعة تقريبًا، قرأت في مجلة ورقية، في زمن لم تكن فيه الخوارزميات تُطعِمنا ما نريد أن نصدّقه، مقالا يتساءل عمّا إذا كان صعود الإنسان إلى القمر قد صُوِّر في استوديوهات هوليوود... ما قرأته كان صادما بعض الشيء، لكنه لم يكن كافيا لأتبنى فكرة الخدعة الكبرى... كل ما في الأمر هو أن سؤالا صغيرا عنيدا تسلّل إلى رأسي: ماذا لو لم يكن كل ما نتلقاه حقيقة نهائية؟ حين أربك القمر طفلة في التاسعة في اليوم الموالي بالمدرسة، اغتنمت الفرصة حين تطرّقت المعلمة إلى موضوع مشابه، فرفعت يدي في القسم وأخبرتها بما قرأت، وسألتها عن رأيها وعن مدى صحة ذلك الطرح. لم أتبنَّ الفكرة... كنت فقط أختبرها... كنت أمارس، بطريقتي البسيطة، شيئا يشبه الشك المنهجي قبل أن أتعرف على ديكارت. لكن الرد كان حادا... توبيخ وسخرية وتحذير من ترديد "تفاهات". حتى بعض التلاميذ، بدأوا يسخرون دون أن يفهموا أصلا السؤال ولا الجواب... فقط موافَقةً منهم واصطفافا مع السلطة المصغّرة التي تمثلها المعلمة... يومها فهمت أن بعض الأسئلة قد تُربك من لا يملك جوابا، وأن الشك يحتاج إلى عقل بارد لا إلى غضب سلطوي. ويومها قررت ألا أقول دائما كل ما أفكر به... قرأتُ وبحثتُ فيما بعد... اطّلعتُ على سياق برنامج أپولو، وعلى سباق الحرب الباردة الذي كان يجعل أيّ تزييف مكشوفاً فوراً من قِبل الخصم قبل الحليف، وعلى الأدلة العلمية الموثَّقة، بما في ذلك عينات صخور القمر التي ما تزال تُدرَس، والمرايا العاكسة التي وُضعت على سطحه ويُقاس بها البُعد بالليزر إلى اليوم، ناهيك عن تتبّع الإشارات الراديوية من مراصد مستقلة خارج الولاياتالمتحدة... لستُ عالِمة فضاء، ولا أحمل دكتوراه في الفيزياء الفلكية أو هندسة الطيران، لكن لا يحتاج المرء إلى بطاقة عمل في وكالة فضاء ليدرك أن فرضية التواطؤ العالمي لعقود أقلّ منطقاً بكثير من الحدث نفسه. باختصار، حرصت على استسقاء كل معلوماتي بهذا الشأن من خلال البحث والتدقيق، بدل الانبهار أو الارتياب المجاني. وبفضل هذه الحادثة البسيطة، أصبح لدي شغف بالبحث عن الرأي الآخر في أي موضوع... صرت أبحث عن الأفكار أو المعلومات المناقضة للرأي المقبول لدى الأغلبية أو لدى أصحاب السلطة التاريخية أو العلمية أو الإعلامية... أصبحت مولعة بقراءة التاريخ "الآخر" والنسخة الأخرى من الخبر أو المعلومة... صرت أبحث دائما عن الحقيقة الأخرى وعن الوجه الآخر لأية عملة... خصوصا بعد أن نضجت وفهمت أن التاريخ يكتبه المنتصرون، وأن من يملكون القوة والنفوذ هم من يصوغون السرديات... بين الشك المنهجي وسردية المؤامرة لكني تعلّمت أيضا أن وجود فرضية لا يمنحها تلقائيا شرعية علمية، وأن قيمة أي ادعاء تقاس بقدرته على الصمود أمام الاختبار والتفنيد "falsifiability"، كما ذهب إلى ذلك كارل بوبر وغيره في سياق فلسفة العلوم. فالفرق بين العلم والسردية المغلقة هو أن العلم يقبل أن يُخطَّأ، أما السردية المغلقة فهي تلتهم كل اعتراض بل تحوله إلى دليل إضافي على "قوة وتواطؤ المتآمرين". ومن هنا يبدأ الإشكال. مراهقة فكرية لا أنكر أن الطفولة الفكرية ضرورية... أن نهزّ المسلّمات، أن نسأل، أن نرتبك قليلا... كلها تمارين ذهنية مفيدة في المراحل المبكّرة من النمو العقلي... لكن تبين لي أن بعض الناس لم "يقطر بهم السقف" إلا مؤخرا، ويعيشون مراهقة فكرية متأخرة، قد تكون أكثر سذاجة من تجربتي وأنا في التاسعة... أتعجب حين أراهم لا يزالون يتوقفون عند تلك اللحظة الأولى من الدهشة، ويحوّلونها إلى محطة دائمة. كل حدث هو بالنسبة إليهم فرصة لتأليف سيناريو مؤامرة جديد... وكل تفنيد يعتبرونه جزءا من الخطة، فيظلون حبيسي منطق دائري محكم الإغلاق، لا يمكن اختراقه ما دام لا يعترف بإمكانية الخطأ. المشكلة، في رأيي، ليست في الاعتراف بوجود صراعات ومصالح ومكائد ودسائس وتحالفات خفية أحيانا... فنحن لا نحتاج لذكاء خارق حتى نعرف أنه لا مجال في السياسة والمال لتقديم دروس في الأخلاق وادعاء البراءة... من البديهي أنه لا يتم التحكم في موازين القوى عن طريق المثالية والقيم النبيلة، فنحن لا نعيش في عالم زمردة... لكن الفرق شاسع بين التحليل الواقعي لتشابك القوى، وبين تحويل كل تعثّر شخصي أو جماعي إلى مخطط شيطاني شامل. من مركز الضبط إلى شماعة الآخرين هنا يتسلل عامل نفسي مهم: الطريقة التي نفسر بها ما يحدث لنا. هناك ما يُعرف في علم النفس بمركز الضبط locus of control... أي مركز الإحساس بالتحكم. فهناك من يميل إلى مركز ضبط داخلي، فيرى أن أفعاله تؤثر في مصيره، وبالتالي يراجع نفسه باستمرار. وهناك من اعتاد اللجوء إلى مركز ضبط خارجي، فيُرجع إخفاقه دائما إلى الخارج... رسب في الامتحان؟ لأن المراقبين "المسمومين" لم يسمحوا له بالغشّ... لا لأنه كسول ولم يستعد. تأخر عن العمل؟ لأن الحافلة "لم تنتظره"... لا لأنه استيقظ وخرج من بيته متأخرا. فشل مشروعه؟ لأن هناك من يحسده ويعرقله... لا لأن دراسته للمشروع كانت سطحية... هو عاطل عن العمل؟ لأن الدولة لم توظفه ولأن أباه لم يُدخله معهدا خاصا مرموقا... اعتدى على قاصر؟ لأنها "استفزته" بجمالها وسُمنتها... العقل لا يحب الفراغ هذا الميل يتغذى أيضا على ما يسمى بالانحيازات المعرفية cognitive biases ... خاصة الانحياز التأكيدي، حيث يبحث الإنسان فقط عن المعلومات التي تؤكد ما يعتقده مسبقا. ولعل الأهم من كل ذلك هو أن العقل البشري لا يحتمل العشوائية. إنه يفضّل قصة سخيفة على فراغ تفسيري، ويفضّل وجود "فاعل خفي" على الاعتراف بأن العالم أحيانا معقّد وفوضوي وأنه ليس محور الكون. الخوارزميات... حين تصبح المؤامرة بيئة رقمية كما لا ينبغي إغفال دور الخوارزميات الرقمية التي تُغذّي هذا الميل. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعرض لنا العالم كما هو، بل كما نميل إلى رؤيته. حيث هناك ما يُعرف ب"غرف الصدى" (Echo chambers) و"فقاعات الترشيح" (Filter bubbles) التي تجعل الفرد محاطا فقط بالأصوات التي تشبه صوته، فتتعزز قناعاته وتتحول إلى يقين جماعي مصطنع. وبالتالي، فنظرية المؤامرة لا تكون مجرد فكرة، وإنما بيئة كاملة تعيد إنتاج نفسها رقميا، في دائرة تواصلية مفرغة. من الأرض المسطحة إلى الهذيان الجماعي والمضحك أن البعض قد يصبح مهووسا بنظريات المؤامرة، فينزلق في منحدر عبثي سحيق مثير للشفقة، فقد يصل به الأمر إلى الدفاع عن نظرية الأرض المسطحة، أو التشكيك في كل اللقاحات الضرورية، أو الادعاء بأن كل كارثة طبيعية هي سلاح موجَّه ضد فئة أو مجموعة معينة، أو أنه تم إخلاء مدينة القصر الكبير على إثر الفيضانات بسبب خطة استيطانية مكياڤيلية، أو أن المغرب يلجأ للكولسة للفوز في المباريات الرياضية... وقد يصل الأمر ببعض الشعوب إلى نوع من الهذيان الجمعي المتضخم فتقنع نفسها بأن بلدا معينا يضطهدهم ويتسبب في تخلفهم، على غرار هوس البلد الجار بالمغرب، مع بكائياتهم الشهيرة التي يلخصونها في "حكرونا المراركة"... هذا الهذيان الجماعي ليس أقل غباء وسخافة من الأساطير الحضرية التي قد تتجذر في الوعي الجمعي، بما في ذلك الحكايات الشعبية المعاصرة عن الفضائيين أو أسطورة الزواحف البشرية المتخفية التي تتحكم في العالم... حينها ندرك أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في طريقة استقبالها وتأويلها. شفرة أوكام أحيانا ينبغي أن نستدعي المبدأ القديم المعروف بشفرة أوكام Occam's Razor، والذي يقترح أنّ أبسط تفسير كافٍ هو الأرجح، ما لم تُجبرنا الأدلة على تعقيده. ليس لأن العالم بسيط، بل لأن تضخيم الفرضيات دون ضرورة يربك الفهم. إذا كان لدينا تعليم متراجع، وإدارة مثقلة بالفساد الصغير والكبير، وثقافة عمل تميل إلى التبرير أكثر من الإنجاز، فهل نحتاج إلى غرفة سرية تدير الكون لتفسير تعثرنا؟ لا شك أن الخطاب التآمري يمنح راحة نفسية غريبة... فهو يخفف عبء الاعتراف بالتقصير، ويمنح شعورا بالتفوّق في آن واحد: "نحن مهمون لدرجة أن العالم يتآمر علينا. نحن ضحايا... لكننا في الوقت نفسه محور الحدث". تبدو سردية جذابة وأخلاقية، وذات بعد درامي ونرجسي: شر مطلق في مواجهة خير مطلق. إبستين: فضيحة حقيقية... وقراءة تآمرية ولعل اللغط والتهافت اللذين أثارتهما قضية إبستين Epstein خير مثال على ذهنية خطاب المؤامرة... لا أحد ينكر أنها فضيحة حقيقية وموثّقة، لسلوكيات شنيعة تورّط فيها أشخاص نافذون، وكشفت وجها قبيحا من عالم المال والسياسة. بالنسبة للعقل النقدي، هي دليل على أن أية منظومة بشرية عرضة للانحراف... وأن آليات المساءلة، رغم بطئها ونقائصها، قادرة على كشف الفساد حتى في دوائر عليا. لكن بالنسبة للعقل التآمري، تصبح القضية برهانا شاملا على شبكة شيطانية كونية، ودليلا على أن الغرب كله مشروع فساد أخلاقي متكامل يتآمر على الآخرين. المفارقة الساخرة هي أن مجتمعات كثيرة تُدين هذه الفضيحة بصوت عالٍ، بينما تتجاهل ممارسات أشد قسوة وبشاعة داخلها: تزويج قاصرات، عنف مُبرَّر اجتماعيا، استغلال صامت حتى للحيوانات، فساد يومي بدون إدانة ولا عقاب، ونفاق أخلاقي يختبئ خلف شعارات طاهرة. الفرق هو أن بعض الأنظمة تكشف فضائحها وتُخضعها للقضاء والإعلام، ولو ببطء وتناقض... بينما أخرى تُتقن دفنها، بل أحيانا تغليفها بغلاف أخلاقي... لكن الخطاب التآمري لا يريد أن يرى هذا التفصيل. هو يحتاج إلى صورة واحدة، مكثفة ومختزلة، ليبني عليها عالما كاملا. المؤامرة التي ننسجها لأنفسنا في الأحاديث العابرة لبعض "المثقفين"، صرت أسمع العبارة المعتادة: "أرأيت؟ هذه أدلة على أنهم يتآمرون علينا". وفكرتُ حينئذ... ربما لسنا بحاجة لمن يتآمر علينا، فنحن نقوم بذلك على أكمل وجه... نُقصي العقل، ونُقدّس العاطفة، فنُشَيطن الآخر، ونعفي الذات من أية مساءلة. الفرق بين الوعي النقدي والنزعة التآمرية ليس في الشك... بل فيما يحدث بعده. الوعي يسأل، يبحث، يغيّر موقفه إذا ظهرت أدلة أقوى، أما النزعة التآمرية فهي تسأل فقط لتؤكد، لا لتفهم. فتُبقي صاحبها في مرحلة المراهقة الفكرية... تلك اللحظة التي يكتشف فيها المرء أن العالم ليس مثاليا، فيظن أنه اكتشف السر الأكبر. ربما هذا ما يزعجني حقا... أن أرى دهشة الطفولة تتحول عند بعض "المثقفين" إلى محطة أخيرة. حيث يكتفون بإعلان الريبة فضيلة، دون أن يتحملوا مشقة البرهان. ويرفعون شعار الشك، لكنهم لا يقبلون أن يُشكَّك في شكهم. فالتفكير النقدي لا يعني إنكار العالم، كما لا يعني تصديقه بلا تمحيص... بل يعني أن نزن الاحتمالات بميزان العقل لا بميزان الانفعال. مسافة اسمها النضج المؤامرة، أحيانا، ليست خطة تُدار في الظلام... بل عقل يرفض أن يكبر. بين سؤال الطفلة في القسم، وإصرار البالغ على سردية مغلقة، مسافة اسمها النضج. ومن لا يقطعها، سيظل يفسّر العالم كما يفسّر طفلٌ ظله على الجدار... يصرخ لأن الصورة تكبر وتتحرك، دون أن يدرك أن الضوء خلفه، وأن مصدر الخوف قائم فيه لا خارجه.