من تعثر التسوية إلى البحث عن الواقعية السياسية في عالمٍ تتغيّر فيه خرائط النفوذ بسرعة، وتبحث فيه الدول عن الاستقرار أكثر من الانتصار، يظلّ نزاع الصحراء المغربية واحداً من الملفات التي قاومت الزمن، وظلّت عالقة بين حسابات التاريخ وتعقيدات السياسة. فبعد ما يقارب نصف قرن من الجدل الدبلوماسي والمبادرات الأممية، لم يعد السؤال المطروح هو من يربح النزاع، بل كيف يمكن تحويله إلى تسوية واقعية تفتح أفقاً جديداً للاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية. وعلى امتداد سنوات طويلة، انحصرت المقاربات الدولية في تدبير الأزمة أكثر من حلّها، إلى أن بدأت ملامح تحوّل تدريجي تفرض نفسها داخل النقاش الدولي، قوامه البحث عن حلول سياسية عملية تتجاوز منطق المواجهة الصفرية. وفي هذا السياق، برز مقترح الحكم الذاتي الذي تقدّم به المغرب باعتباره محاولة لإعادة توجيه مسار النقاش نحو منطق التوافق، عبر صيغة تجمع بين وحدة الدولة وتوسيع صلاحيات التدبير المحلي. وتم تكريسه باعتباره إطاراً جاداً وذا مصداقية لتسوية النزاع، وذلك عقب اعتماده ضمن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، حيث أكد القرار على أهمية هذا المقترح بوصفه أساساً واقعياً يمكن أن يشكل أرضية للتوصل إلى حل سياسي متوافق عليه، في انسجام مع الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع وفق مقاربة قائمة على التوافق والاستدامة. فهذا التصور لا يقوم على فرض واقع جديد بقدر ما يسعى إلى بناء أرضية مشتركة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار السيادة الوطنية، مستجيباً في الآن ذاته للتحولات العالمية التي باتت تفضّل الحلول المرنة وتقاسم الصلاحيات بدل إعادة إنتاج النزاعات. وفي زمن أصبحت فيه التنمية والاستقرار معيار قوة الدول، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد في استمرار الخلاف، بل في القدرة على تحويله إلى فرصة لبناء فضاء مغاربي أكثر تعاوناً وتكاملاً، حيث تتقدّم المصالح المشتركة على حساب منطق الاصطفاف والصراع. كما أظهرت التجارب السابقة المرتبطة بخيار الاستفتاء صعوبات عملية وسياسية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتحديد الهيئة الناخبة وتباين مواقف الأطراف المعنية. ومع مرور الزمن، أصبح واضحاً أن استمرار الوضع القائم لا يخدم الاستقرار الإقليمي ولا متطلبات التنمية في منطقة تعاني أصلاً من تحديات أمنية واقتصادية متزايدة. في هذا السياق، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها صيغة وسطية تتجاوز منطق الغالب والمغلوب، وتقترح حلاً سياسياً قائماً على التوافق، يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية ضمن سيادة الدولة ووحدتها الترابية. مضمون الحكم الذاتي: توسيع المشاركة لا إعادة رسم الحدود يقوم التصور المغربي للحكم الذاتي على منح الجهة صلاحيات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية، من خلال مؤسسات منتخبة ديمقراطياً تشمل برلماناً جهوياً وسلطة تنفيذية محلية وهيئات قضائية تمارس اختصاصاتها في إطار النظام الدستوري الوطني. ويعكس هذا النموذج توجهاً حديثاً في تدبير الدولة الترابية، حيث لم تعد المركزية الصارمة قادرة وحدها على الاستجابة لمطالب التنمية والتمثيلية السياسية، خاصة في المناطق ذات الخصوصيات التاريخية والثقافية. إن جوهر المشروع لا يكمن في فصل المجال الترابي، بل في إعادة توزيع السلطة بما يسمح للسكان بالمشاركة المباشرة في صنع القرار التنموي والسياسي، وهو ما ينسجم مع التحولات العالمية نحو الجهوية المتقدمة والحكامة المحلية. الأبعاد التنموية للمبادرة لا ينفصل مشروع الحكم الذاتي عن رؤية تنموية شاملة تستهدف تحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي مندمج في عمقه الإفريقي والأطلسي. فالبنيات التحتية الكبرى، ومشاريع الطاقات المتجددة، وتطوير الاقتصاد البحري واللوجستي، كلها عناصر تؤشر على انتقال المنطقة من موقع الهامش الجغرافي إلى موقع الفاعل الاقتصادي. ويُنتظر أن يسهم تدبير محلي موسع في تسريع وتيرة الاستثمار وتحقيق تنمية أكثر ارتباطاً بحاجيات السكان، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من عوامل التوتر السياسي. الحكم الذاتي في سياق التحولات الدولية تشير التجارب المقارنة في العالم إلى أن تسوية النزاعات الترابية أصبحت تميل بشكل متزايد نحو حلول قائمة على الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية، باعتبارها آلية للتوفيق بين مبدأ السيادة ومتطلبات الخصوصية المحلية. وقد شهدت جولات الحوار المنعقدة بمقر السفارة الأمريكية في مدريد يومي 8 و9 فبراير 2026 دينامية تفاوضية جديدة جمعت بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو باعتبارهما الطرفين الرئيسيين في النزاع، وذلك بحضور ممثلين عن الجزائر وموريتانيا، إلى جانب ممثل الأممالمتحدة، في سياق مساعٍ دبلوماسية تقودها الإدارة الأمريكية بهدف إعادة تنشيط مسار التسوية السياسية للنزاع. وقد تواصلت هذه المشاورات خلال جولة ثانية احتضنتها العاصمة الأمريكيةواشنطن يومي 23 و24 من الشهر ذاته، حيث انعقدت الاجتماعات في جلسات مغلقة اتسمت بدرجة عالية من السرية والتحفظ، بما يعكس حساسية الملفات المطروحة وتشابك الأبعاد الإقليمية والدولية المرتبطة بها. وفي هذا الإطار، تشير المعطيات الإعلامية التي أوردها الصحفي الإسباني راؤول ريدوندو في صحيفة أتايلار إلى أن مباحثات واشنطن تناولت، على الأرجح، عدداً من القضايا الجوهرية المرتبطة بآفاق التسوية السياسية، بما في ذلك صيغ الحل الممكنة، وترتيبات بناء الثقة بين الأطراف، وكذا الأدوار المنتظرة للفاعلين الإقليميين والدوليين في مواكبة أي مسار تفاوضي مستقبلي، الأمر الذي يعكس توجهاً نحو اختبار مقاربات جديدة لتجاوز حالة الجمود التي طبعت هذا النزاع خلال السنوات الأخيرة. وحسب نفس المصدر، قدمت المملكة المغربية صيغة جديدة ومُحيَّنة لمشروع الحكم الذاتي، جاءت في وثيقة تفصيلية تمتد على أربعين صفحة للتفاوض، من أهم ما جاء فيها : اعتماد الهيئة الناخبة المسجلة في إحصاء 1974 الإسباني. ضمان حقوق وواجبات السكان المغاربة في الصحراء ومشاركتهم السياسية والاقتصادية بعد عشر سنوات من الاتفاق. وضع آليات عادلة للاستغلال المشترك للموارد الطبيعية الحالية والمستقبلية. تطوير شراكات اقتصادية وتجارية ومالية متعددة القطاعات. انتخاب رئيس السلطة التنفيذية الصحراوية من طرف الصحراويين المسجلين في إحصاء 1974 وتعيينه من طرف ملك المغرب. تشكيل غرفة عليا تضم ممثلين منتخبين وشيوخاً وأعياناً وشخصيات اعتبارية. تمثيل بعشرة أعضاء منتخبين من البرلمان الصحراوي داخل غرفتي البرلمان المغربي. إدماج أجهزة أمن جبهة البوليساريو ضمن منظومة أمنية منسقة مع الرباط. إدماج آلاف الشباب الصحراويين في القوات العمومية بعد التكوين والتدريب. تولي السلطة التنفيذية الصحراوية اختصاصات واسعة تشمل الاقتصاد، الأمن الداخلي، النقل، التعليم، الاستثمار، الفلاحة، الصيد البحري، المعادن، الصحة، الشؤون الاجتماعية، الشباب والرياضة وغيرها. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى المبادرة المغربية باعتبارها محاولة للانسجام مع هذا الاتجاه الدولي، عبر تقديم نموذج سياسي يسعى إلى تحقيق التوازن بين الوحدة الوطنية والتدبير الديمقراطي المحلي. إن مقترح الحكم الذاتي في الصحراء لا يمثل مجرد مبادرة ظرفية، بل يعكس تحوّلاً في فلسفة معالجة النزاعات الإقليمية، من منطق الصراع حول الأرض إلى منطق بناء المؤسسات والتنمية المشتركة. ويبقى الرهان الأساسي مستقبلاً هو قدرة الفاعلين السياسيين والدوليين على تحويل هذا التصور من إطار تفاوضي إلى مشروع سلام دائم، يفتح المجال أمام الاستقرار والتكامل الإقليمي في منطقة المغرب الكبير. فالانتقال الحقيقي لا يتم عبر حسم الماضي، بل عبر بناء مستقبل مشترك قائم على المشاركة والثقة والتنمية.