لم يعد ملف المواطنين المغاربة المرتبطين بتنظيم "داعش" الإرهابي في بؤر التوتر مجرد قضية أمنية مؤجلة أو ملف إنساني معقد. المستجد الذي فرض نفسه اليوم هو أن المملكة تستعد للتعامل مع مرحلة جديدة، بعد المعطيات التي تحدثت عن إعداد خطة لإعادة مواطنين مغاربة، بينهم مقاتلون سابقون ونساء وأطفال، كانوا في مراكز احتجاز ومخيمات بالعراق وسوريا، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤول أمني مغربي، بتاريخ 12 مارس 2026. ووفق المصدر ذاته، فإن عدد المغاربة الذين التحقوا سابقا ببؤر التوتر في سوريا والعراق بلغ 1667، عاد منهم 279 إلى المغرب، بينما كان 244 محتجزين لدى "قسد" (ما يسمى ب "قوات سوريا الديمقراطية")، كما لا يزال في مناطق النزاع 269 امرأة و627 طفلا. القراءة السريعة لهذا التطور تذهب مباشرة إلى سؤال الخطر. هل يمكن إعادة هذه الفئة؟ وهل تملك الدولة وسائل التحكم في هذا النوع من الملفات؟ لكن القراءة الأعمق تقود إلى سؤال آخر أكثر أهمية: لماذا يبدو المغرب من بين الدول القليلة التي تستطيع مقاربة هذا الملف بمنطق الدولة الواثقة، لا بمنطق الدولة المرتبكة؟ الجواب يرتبط بما راكمته المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، من تصور متكامل في مجال مكافحة الإرهاب، يجمع بين الحزم الأمني، والضبط القانوني، والتحصين الفكري، ومرافقة إعادة الإدماج. هنا تحديدا تظهر خصوصية المقاربة المغربية. فإعادة هذه الفئة لا تعني التساهل، ولا تعني بأي حال طي الصفحة. القانون المغربي واضح في هذا الباب، إذ يعاقب على الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية في الخارج، بما يجعل العودة انتقالا من فضاء الفوضى والانفلات إلى فضاء المساءلة السيادية داخل مؤسسات الدولة. ولذلك فالمغرب لا يتعامل مع هذا الملف بمنطق الاستقبال، بل بمنطق الاسترجاع القانوني والأمني لأشخاص يُفترض أن يمروا عبر قنوات التحقيق، والتكييف القضائي، والتتبع المؤسساتي. وهنا بالضبط تكمن المعالجة غير المألوفة لهذا الموضوع. فالقضية ليست فقط في أن المغرب قادر على منع الخطر، بل في أنه قادر على احتوائه داخل منطق الدولة. وهنا يكمن الفرق الجوهري. هناك دول تخشى هذا النوع من الملفات لأنها لا تملك إلا المقاربة الأمنية الصلبة، أو لأنها لا تثق في قدرتها على المزاوجة بين الردع والتأهيل. أما المغرب، فقد راكم خلال السنوات الماضية خبرة جعلته أكثر قدرة على إدارة الملفات المركبة، لا الاكتفاء بتأجيلها أو تركها معلقة خارج حدوده. المؤسسات الأمنية المغربية راكمت بدورها ما يكفي من الخبرة الميدانية والاستخباراتية لتدبير هذا النوع من التحديات. ففي فبراير 2025 أعلنت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تفكيك واحدة من أخطر الخلايا الموالية ل"داعش" كانت تستعد لتنفيذ مخططات إرهابية دامية داخل المملكة، مع حجز متفجرات ومواد كيميائية وأسلحة، في عملية أكدت مرة أخرى أن التهديد الإرهابي لم يختف، بل تغيرت أشكاله وامتداداته. كما أفادت المعطيات نفسها بأن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أوقف أكثر من ألف مشتبه فيه في قضايا إرهابية منذ 2015، مع تفكيك عشرات الخلايا. وهذا يعني أن الدولة لا تدخل هذا الملف من باب المغامرة، بل من باب المعرفة الدقيقة بمسالك التهديد، وخزانات الاستقطاب، وطرق التتبع. لكن قوة النموذج المغربي لا تختزل في اليقظة الأمنية وحدها. فالمملكة لم تبن مقاربتها لمكافحة الإرهاب على منطق الرد وحده، بل على تصور أوسع يربط الأمن بالإصلاح. وزارة العدل سبق أن قدمت هذه المقاربة بوصفها سياسة وطنية مندمجة في مواجهة الإرهاب والتطرف، بينما نوهت تقارير أمريكية سابقة بكون المغرب يعتمد استراتيجية شاملة تقوم على التشريع، وإنفاذ القانون، وأمن الحدود، ومكافحة التطرف العنيف. هذا التراكم المؤسساتي هو الذي يفسر لماذا يبدو المغرب أكثر استعدادا من غيره للتعامل مع ملف العائدين من بؤر التوتر. وفي هذا السياق يبرز برنامج "مصالحة" باعتباره أحد التعبيرات الأكثر نضجا عن المقاربة المغربية. فالدولة لا تكتفي بمحاكمة المتورطين في قضايا الإرهاب، بل تفتح أيضا مسارا للتأهيل والمراجعة وإعادة الإدماج داخل إطار مضبوط. الموقع الرسمي لمركز "مصالحة" يوضح أن البرنامج يستهدف الحد من التطرف داخل المؤسسات السجنية، وتدبير مرحلة ما بعد الاعتقال، وتأهيل النزلاء بما يسمح بإدماجهم السليم داخل المجتمع. كما أعلن المركز في يوليوز 2025 أن عدد المستفيدين من البرنامج بلغ 390 نزيلا منذ انطلاقته. هذا المعطى مهم، لأنه يكشف أن الدولة المغربية لا تنظر إلى الملف من زاوية عقابية صرفة. هي دولة تحاكم، نعم، لكنها تؤهل أيضا. تردع، لكنها تشتغل كذلك على منع إعادة إنتاج الفكر المتطرف داخل السجن وخارجه. ومن هنا لا تبدو العودة في حد ذاتها مصدر الارتباك الحقيقي، لأن ما يطمئن في الحالة المغربية ليس وجود الخطر أو غيابه، بل وجود مؤسسات تملك أدوات التعامل معه بصرامة وهدوء في الآن نفسه. ثم إن هذا المسار الإصلاحي كان دائما مؤطرا بالتوجهات الملكية السامية. الخطاب الملكي الموجه سنة 2015 إلى قمة القادة حول مكافحة "داعش" كان واضحا حين أكد أن المغرب اعتمد استراتيجية شاملة تجمع بين العمليات الوقائية ومحاربة العوامل المؤدية إلى التطرف، وبين الحفاظ على الأمن والاستقرار. هذه الرؤية هي التي منحت المقاربة المغربية توازنها المعروف: لا تفريط في الأمن، ولا اختزال للمشكل في بعده الزجري فقط. لهذا كله، فإن ملف إعادة المرتبطين ب"داعش" لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولا مجرد استجابة إنسانية لواقع إقليمي متقلب. الأصح أنه اختبار جديد لصلابة الدولة المغربية، وللنموذج الذي بنته المملكة بصبر ووضوح في مواجهة أحد أخطر التهديدات العابرة للحدود. فحين تقرر دولة ما أن تستعيد هذا الملف إلى داخل مؤسساتها، وتحوله من تهديد خارجي معلق إلى مسار سيادي مضبوط، فذلك لا يعني إلا شيئا واحدا: أنها تثق في أمنها، وفي قضائها، وفي رؤيتها، وفي قدرتها على حماية المجتمع دون ارتباك أو ضجيج.