جميل أن يتفقد المسؤولون الكبار بلباسهم الأنيق وطلعتهم البهية أحوال المواطنين حتى لا نقول الرعايا بعد ما خلفت الكارثة فيهم ما خلفت.وجميل أيضاأن يفرق هؤلاء القادمون من المركز المبلط والنظيف والمشعشع بالأنوار )اللغا) مع أطفال وشباب القرى المظلمة الهامشية الناجين من هول الكارثة، بشكل عفوي ولطيف والكاميرا شاعلة. إنها الصورة التافهة الخارجة توا من المكاتب والصالونات و وسائل النقل الدافئةو المكيفة،طائرات خاصة،سيارات رباعية الدفع، روائح الكولونيا،في مقابل الصورة الحقيقية، البئيسة:قناطر منهارة، رائحة الطين والموت، أجساد باردة ومترنحة، تتطلع اذانها المثقوبة بصفير الرياح والماء الى الرغبة في سماع ما سيقوله هؤلاء الضيوف الغرباء عن المكان لهذا الرعب الكاسر الذي جثم على الصدور على حين غرة بعد أن افترست مياهه الجارفة والمسعورة بلا أدنى رحمة بعضا من اهلهم ومساكنهم وموارد رزقهم من مغروسات بسيطةوأشجار ومواشي. ما جرى لم يكن من فعل قوة الأمطار وحدها رغم أن الأمطار أو غيرها من الظواهر الطبيعية زلازل براكين الخ، في الكثير من الدول عدوة لذوذةإذا كشرت عن أنيابها،تصبح بلا منازع قوةقاهرة مدمرة يتساوى أمامها القوي والضعيف المؤمن والكافر، حيث تستطيع في رمشة عين أن تمحو من على الأرص ما بناه الإنسان في سنين.لقد أبانت ملابسات كارثة الفيضانات ومجرياتها الأخيرة عن دور الإنسان و نصيبه المحترم في كل ما وقع .فليس من المقبول أن نخبئ تواكلنا و قصورنا وإهمالنا سكانا ومسؤولين محليين وجهويين ومركزيين وراء الطبيعة،ونتهمها بالغدر. فغدر الإنسان أقوى وأمر.فمنذ سنوات والقرى والمدن المهمشة تطالب من الحكومات المتعاقبة ببنيات تحتية حقيقية: :طرق،قناطر ،سدود تلية، التعامل الصارم مع البناء العشوائي في ممرات الأودية التي يشيدها الأهالي بدون رخص قانونية تحت ذريعة تشجيع السياحة الجبلية والقروية. المراقبة الدورية للقناطر والمسالك الوعرة .الحكومات فعلا تتدخل بعد كل نداء أو فيضان أو كارثة ،تبني هنا وترقع هنا وهناك بأغلفة مالية ضخمة سواء من الخزينة أو من مساعدات الدول الشقيقة والصديقة ثم تجمع يدها مثل يد الميت ،وتسد اذانها وعيونها، إلى أن تحصل كارثة جديدة، و يجلجل رعد الحقيقة : الشتا جات ..الفيضان .. الله يا ربي..!! فهل سوف تسامحنا جثت الضحايا وأهلهم في العجز مرة أخرى عن فهم هذا الدرس البليغ؟.إن مخاطر السياسة أكبر من مخاطر الطبيعة ومخلفاتها. ويبدو أن هذه الكوارث بدأت تلعب دورها في خلق هذا الشعور . فمن لا دراية له بعلم السياسة تراكمت لديه بفعل حدة اصطدامه ومعاناته مع الكوارث الطبيعية والأجتماعية من جفاف وزلازل وفيضانات،وحريق،وتصحر، وانجراف تربة وغلاء أسعار، ومشاكل النقل والتمدرس والتطبيب وغيرها، تراكمت لديه معرفة مباشرة وحية عن أحوال الطقس الحقيقي في البلاد، أصبح من خلالها يميز و يفهم بل و يؤمن ولو بشكل أولي و بسيط أن محاولة نشر فكرة نزع المسؤولية عن مؤسسات الدولة إبان الكوارث بدعوى أن هذه الكوارث خوارق فوق طاقتها ،وأن مسألة الكوارث الطبيعية بيد قوة أعلى،هو شماعة لتعليق الأخطاء والسياسات الفاشلة في ميدان الوقاية من مخلفات الكوارث. .فالمواطنون المغاربة يؤمنون بالقدر خيره وشره،ومهما سخطوا ومهما غضبوا ،ومهما توترت أعصابهم ،ومهما فقدوا ما فقدوا، من أهل وممتلكات اثناء الزلازل والفيضانات لا يؤمنون بغير الواحد القهار إلاها، ولا بغير هذا الوطن بديلا. لكن من حقهم أن يحاسبوا من بنى القنطرة المغشوشة وضيع عليهم مرور أطفالهم فوقها بسلام.من حقهم أن يحتجوا على أوضاعهم البئيسة والمتردية ،و يسخروا مما ستتخذه الحكومة من حلول وإجراءات ترقيعية :بطانيات ،خيام، سكر ،خبز،شاي، إجراءات سوف لن تستطيع أن تمحو ما علق في أذهانهم من حگرة و أحزان و كوابيس وصور صادمة. وإذا كان السيد وزير التجهيز الرباح قد صرح بكامل الإرتخاء والإرتياح بأن عدد القناطر المهددة قد بلغ المائتين،فإننا نضيف لحسابه الخاص قنطرة أخرى نعتقد أنها أم القناطر، التي لا تحتاج إلى ترميم أو إصلاح ،وإنما إلى إعادة النظر في فلسفة بنائها من جديد. إنها قنطرة التواصل الجدي والمعقول بين الحكومة والشعب ،بين المنتخبين والشعب بين السلطات المحلية والسعب،خاصة الشرائح المعوزة منه في القرى والمداشر أي في المغرب العميق، المغرب غير النافع كما ورثنا صوره عن الإستعمار .ثم إن المعضلة ليست فقط في سيول الأمطار أو غيرها ، وما تخلفه من مآسي اجتماعية وإنسانية، وإنما كذلك وبكثير من الحسرة، في تسلل بعض الطفيلين و الإنتهازيين والإنتفاعيين(تجار الكوارث)،إلى حقل المأساة. "أنا أنا وبعدي الطوفان" ولنستحضر هنا زلزال الحسيمةكشهادة دامغةمخجلة على رداءة المواطنة التي وصلت عند بعض رجال السلطة و بعض المواطنين إلى درجة الصفر.فمن يقنع الأمطار بما فعلت إذن ويقنع معها في نفس الوقت الحكومات المتعاقبة كلها بما لم تفعل؟يقنعها الذين يؤمنون أن الشعوب ، لا تقتلها الأمطار التي تنزل من رب السماء ، بل تحييها،تحيي في أغوارها جذور المقاومة والأمل ، كي تبقى حية شامخة،تدافع عن حقوقها وكرامتها.