رغم زحف وسائل التكنولوجيا الحديثة على المؤسسات التعليمية لتمكين الناشئة من المعارف في كل العالم، فإن مهاجرين مغاربة بمدينة أونجي، الواقعة غرب فرنسا، تمكنوا من الحفاظ على الطريقة المغربية التقليدية في تحفيظ الأطفال القرآن، باعتماد وسائل كالألواح الخشبية و"السمق" و"الصلصال"، بجانب تقنية الحفظ التقليدية عبر السماع والكتابة والمسح والاستظهار. وبعد تجربة السنة الماضية الأولى من نوعها في فرنسا، كما يقول محمد بروة، المسؤول عن جمعية "مسلمو مدينة أونجي"، المشرفة على المبادرة، والتي عرفت مشاركة قرابة 65 طفلاً من مختلف الجنسيات، تضاعف العدد هذا الموسم ليبلغ حوالي 120 مستفيدا، و"الفضل يعود، بعد الله، إلى جهود الشيخ والشباب المتطوعين"، يقول بروة في تصريح لهسبريس. وتتميز الطريقة المغربية في تحفيظ الأطفال القرآن برواية ورش، والتي يشرف عليها الشيخ عبد الكامل الشاوي، كونها تمكن الملتقي من حفظ الآيات والسور حفظا متقنا، مرورا بالرسم والأداء والعرض والتلاوة. ويشرح أمين المال بالجمعية، المعروفة باسم AMA، أن تقنية التحفيظ بالألواح الخشبية تتم عبر مراحل متتالية تبدأ بكتابة الطفل الجزء المقصود من القرآن على اللوح بعد سماعه من "الفقيه"، ثم استظهاره "قبل أن يأذن له بمسح الجزء المحفوظ وكتابة جزء آخر على الوجه الثاني للوح". ويستفيد الطلاب الصغار من حصص كاملة للحفظ في نهاية الأسبوع بعد تفرغهم من الدراسة، فيما يقول بروة إن دروسا أخرى تعطى للمستفيدين، وتشمل اللغة العربية والفقه، مشيرا إلى أن فئة الكبار لهم نصيب من هذه الدروس، بما فيها حفظ القرآن على النهج المغربي التقليدي ذاته. وأضاف المتحدث ذاته أن جنسيات المتعلمين ممن يستفيدون من هذه المبادرة تتوزع بين المغاربة والجزائريين والتونسيين والأفارقة وكذا الفرنسيين. ورغم أن أجواء متوترة تلوح في أجواء فرنسا منذ العامين الأخيرين، بسبب الأحداث الإرهابية التي طالت عددا من المدن الفرنسية، بما فيها العاصمة باريس، وكان منفذوها من جنسيات مغاربية، فإن تجربة جمعية AMA، حسب المشرفين عليها، "استطاعت أن تخلق نموذجا واضحا لتلقين المستفيدين مبادئ الخير والانفتاح والسلم"، حيث يقول المتحدث ذاته إن "الجمعية لها 40 عاما من التجربة هنا، وكل عام تشهد تطورا وتميزا في عملها بشهادة الجميع". واختار بروة أن يبعث رسالة شكر إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالقول: "أشكرها على إرسالها شيوخا أجلاء إلى فرنسا، يؤدون واجبهم ويمثلون بلدهم أحسن تمثيل"، مردفا: "من الصعب أن تنظم مبادرة كهاته في فرنسا وحتى في أوربا، بتدريس الناشئة كتاب الله بهذه الطريقة، التي اندثرت في المغرب، كما في باقي البلدان، لأننا في عهد التكنولوجيا". وتعكف جمعية "مسلمو مدينة أونجي" على استكمال بناء ما وصفته بأكبر مسجد في فرنسا سيتم تشييده في مدينة أونجي، بقيمة مالية بلغت مليونا ونصف مليون يورو. ويراهن أعضاء الجمعية، ومعهم ساكنة المنطقة من الجالية المسلمة، أن يكون المسجد "معلمة إسلامية تاريخية ترمز إلى السلام والوسطية والوحدة بين المسلمين"، حسب تعبيرهم.