قيل كل شيء عن الغلاء، ولم يعد في الموضوع ما يغري بالتوضيح أو بالتحليل، ولم يعد فيه ما يمكن أن يضاف. أشبعناه حفرا وتمحيصا وتعليقا… ونوعنا البكائيات العمومية، من كل الطبقات والطبقة الوسطى . ولم يعد الموضوع عند المواطن يحتاج إلى تحليلات لكي يعرف ماذا يحدث من لهيب في الأسعار، لقد أصبح العالم قفة صغيرة، بسبب الحرب، إلا عند الحكومة! تجاوزنا السقف الزمني، الذي تمنحه الحكومات عادة للشعوب، في التحمل، وصار المغاربة يعيشون المحنة للسنة الخامسة على التوالي، والحكومة تحوِّل شعور الاحتقان عند الناس إلى لغة طاعنة في السرد الميزاناتي فيتحدثون عن التضخم لكي لا يسموه الغلاء مثلا!!!!! كلما «قررت» الحرب أن تشتعل في الشرق الأوسط أو في أوروبا، ترمي بشررها على القفف المغربية. وكلما سقط مطر، تناثرت الأسعار أعلى من قدرة الناس… إذا أغلقت الحرب مضيق «هرموز» فتح الشناقون اللصوص مضيق «لهموز ! « الكل يعرف أن حرب المحروقات تأكل الخبز اليابس والبصل الأخضر . «أوووواه من البصل» لقد أخذ بثأره مما يقوله المغاربة عنه، من يجرأ من الآن فصاعدا أن يحتقر ثمن البصلة؟! من يستطيع أن يقلل من شأن عدوه بثمن البصل!؟ « ما تسوا حتا بصلة! « البصل سعيد بالحكومة، والحكومة تتحدث بأنصاف الحقائق عن تأثير الحرب على أمان المحروقات. وزيرة تقول إن المخزون من المحروقات يكفينا لمدة شهر !! ولم تقل الحقيقة كاملة: إننا لا نملك المخزون القانوني المنصوص عليه في… شهرين . مرت 3 حروب، واحدة روسية أوكرانية، والأخريان شرق أوسطيتان، ولم تقنع هاته النيران حكومة المحروقات بفتح مشكلة «سامير» للتخزين إن لم يكن للتكرير… «البومبات» بدأت في رفع الأسعار، والكل يعرف أن الزيادة ستتراوح بين درهم ونصف ودرهمين، ابتداء من هذا الاثنين. وطبعا ستقفز الأسعار إلى الأعالي… إلا عند الحكومة، فهي غير معنية بتاتا. خمس سنوات من الغلاء وهي غير معنية، وتعالج الأمور بالمزيد من الاحتكار، والمزيد من الغلاء… ومن الانسحاب الكلي من حريق الواقع المعيش. أمام الحكومة خمسة مخارج للتخفيف من جنون الحرب على قوت الناس: أمامها تشديد الرقابة على الأسعار وعلى سلاسل التوريد وعلى نفسها، لكنها تشدد مراقبة الناس لا غير… أمامها فرصة تقديم الدعم أكثر للمواد الاستهلاكية الحيوية، لكنها في الغالب تقدم الدعم للذين تفننوا في تفقير الناس، بكل الصيغ الممكنة. وفي الغالب تلجأ إلى تعويض «النقالة» كما يقال، لكي تضمن تزويد المحطات، التي تعود إلى كبار المحتكرين للسوق… بالوقود… أمام الحكومة بوابة ترشيد الاستهلاك، سواء في القفف أو في الخزانات العمومية. أمامها تخزين الوقود بوسائل بديلة، لكن الحكومة «أقسمت» بألا تحل مشكلة «سامير»، لأن ذلك حرام ! أمام الحكومة حل تشديد العقوبات على المحتكرين، في سوق الخضر واللحوم وفي التوزيع… أمام الحكومة بوابة تعزيز الإنتاج الفلاحي بوتيرة أعلى، لكنها تفضل الاستيراد … أمام الحكومة التوجه نحو البدائل، التي صارت أولوية أكثر منها ترفا للتنويع… لكن الحكومة لا تبادر إلى الحل إلا إذا كان وراءه مستفيد من المركب المصلحي السياسي المالي… الحكومة أيضا تجني الأرباح من الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة… في كل حبة بصل لها أوقية وفي كل لترين من البنزين لها درهم… وعندما لا تجد الخزينة سوى جيوب المحترقين، منبعا للموارد، تكون المسؤولية هنا بلا أخلاق… مجلس المنافسة؟ يراقب هلال الاحتكار… لم تثبت رؤيته بعد عند الفقيه التنافسي، على وزن الفقيه المقاصدي. حسب الأخبار الأخيرة، الجو ربيع، والناس تتهيأ لدخول موسم الربيع، السماء بمزاج رائق والكبار في المحروقات، لم يتحدثوا ليلة البارحة، في نادي الغولف، عن الأثمنة ! مكتوب عند مدخل النادي: ممنوع الحديث مع منافسك.. عن التواطؤ ! غريب أمرنا في الخمس الأواخر، لا سلم يحلو، ولا الحرب تغدو بغيضة إلا إذا عم الغلاء… لا المطر يلطف حريق الأثمان ولا الجفاف يخفف شدة البلاء !