انتخاب رئيس مجلس مقاطعة جيليز بمراكش.. مرشحة الاستقلال تنسحب من السباق لفائدة التجمعي السالكي    نحو 66٪؜ من أعضاء مجلس النواب الجدد مستواهم "عالي" و5,3% مستواهم "ابتدائي"    ارتفاعات صاروخية في أسعار المواد الغذائية    الاشتراكيون يتقدمون على المحافظين ويتجهون إلى قيادة ألمانيا    طائرات بدون طيّار    استشهاد خمسة فلسطينيين في اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي    تأكيدا لما نشرته "المنتخب": الجيش يطالب بعدم تعيين الكشاف في مبارياته    أشرف حكيمي: حدسي دفعني لاختيار PSG بدل تشيلسي    توقيف رئيس جماعة بسبب إقامته "موسماً احتفاليا" حضره أزيد من 500 شخص بعد فوزه في الانتخابات    إبنة تارودانت سارة الضعيف تحضى بإسقبال من طرف وزير التربية الوطنية +"صور"    عضو باللجنة العلمية للحكومة: "حلُّوا علينا الله يرحم ليكم الوالدين"    المكتب الوطني المغربي للسياحة يحتفي بفاعلي القطاع السياحي    بداية انحسار بركان "كومبري فييجا" بجزر الكاناري    بلومبيرغ: ب 22 مليار دولار.. بريطانيا تُخطط لإنجاز أطول "كابل" بحري في العالم لنقل الطاقة الكهربائية من المغرب    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها على وقع الارتفاع    السودان تنضاف للمنتخبات الإفريقية بإجراء مبارياتها بالمغرب    صفقة أحداد جاءت فالميعاد    الكشف عن موقف ميسي من المشاركة ضد السيتي    أرباب الصناعة التحويلية يتوقعون ارتفاع الإنتاج    البَّام يتمسك بوهبي لحمل حقيبة وزارية في حكومة أخنوش    جريمة قتل داخل مستشفى 20 غشت بالدار البيضاء    هذه قصة الشاب الذي قتل خطيبته في مصحة خاصة    طنجة..توقعات حالة الطقس اليوم الإثنين    السلطات الإسبانية..هذه هي مدة قرار تمديد إغلاق منافذ سبتة ومليلية    مجموعة بريد المغرب تصدر طابعا بريديا بمناسبة معرض " ديلا كروا، ذكريات رحلة الى المغرب"    كاتب صحفي: حمى العداء للمغرب استبدت بالقيادة الجزائرية    عطل يوقف تطبيق المراسلة "سيغنال"    حزب الاستقلال يرشح زيدوح في انتخابات مجلس المسستشارين    بالصور: مصلحة تحديد البصمة الوراثية بمعهد العلوم والأدلة الجنائية تحصل للسنة ال4 على شهادة الجودة العالمية 'إيزو 17025'    بين العرجون وبولهرود والحسين رحيمي.. غيابات عديدة في صفوف الرجاء أمام ا.طنجة    أدوية البروتوكول العلاجي الخاص ب"كوفيد-19′′ تعود إلى الصيدليات بعد تحسن الوضعية الوبائية    خطوة تشعل الجدل.. مصر تفرض ضرائب على صناع محتوى الإنترنت    بسبب دعمها لمغربية الصحراء.. الرئيس الجزائري "تبون" يهاجم الصحافة الموريناتية    تصريح الركراكي يخلف جدلا كبيرا بين متابعي البطولة    اللجنة الثلاثية تُنهي صياغة مسودة البرنامج الحكومي وتعرضها للنقاش على زعماء الأغلبية    "ترانسبرانسي المغرب" تدعو السلطات القضائية إلى فتح تحقيقات في "الخروقات" التي شابت العملية الانتخابية    المغرب يحصل على صواريخ JSOW الأمريكية المدمرة    كورونا.. خبير مغربي يعلّق على إمكانية العودة إلى الحياة الطبيعة    'المغرب.. مملكة الذوق الرفيع': ساكنة نيويورك تكتشف 'أذواق' الثقافة المغربية الأصيلة    مدرب نهضة بركان: "نادمون لعدم الانتصار على الجيش الملكي ولسنا سعداء بالتعادل"    ترتيب المغرب عربيا من حيث عدد الجرعات المقدَّمة ضد "كوفيد-19"..    كوفيد-19... تسجيل أزيد من 8 ملايين حالة إصابة مؤكدة في القارة الإفريقية    رئيس فايزر : الحياة الطبيعية ستعود خلال عام ومن المرجح تلقي جرعة سنوية من اللقاح    هذه حقيقة وفاة الفنان الكوميدي عبد الرؤوف    هذه حقيقة ارتداء نجمة "أراب غوت تالنت" الحجاب    قصة قصيرة: الجَد وحفيدته    مشروع هام لمواجهة الفيضانات بالحسيمة    ميادة الحناوي ترد على خبر إصابتها بالزهايمر    قال إن المملكة تحت قيادة جلالة الملك، لطالما برهنت عن حس ابتكاري في معالجة قضية الطاقة بوريطة: المغرب يطمح لأن يصبح فاعلا رئيسيا في إنتاج الهيدروجين الأخضر    الداخلة.. عودة تدريجية لأنشطة المطار    إحباط محاولة تهريب أزيد من 106 ألف أورو بميناء طنجة المتوسط    «أمينوكس» و«بيغ» يطرحان كليب «العائلة»    ترشيح الممثلة المصرية منة شلبي لجائزة «الإيمي» العالمية    التعرف على الله تعالى من خلال أعظم آية في كتاب الله: (آية الكرسي)    تشبها بالرسول دفن شيخ الزاوية "الديلالية" بمنزله رغم المنع    "الجهر الأول بالدعوة والاختبار العملي للمواجهة المباشرة"    حقيقة لفظ أهل السنة والجماعة (ج2)    مستفز جدا..قراءة آيات من "سورة المنافقون" لإغاضة الخصوم السياسيين بطريقة أشعلت الفايسبوك (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لسان بنكيران يتأرجح بين تماسك "البيجيدي" وتموقع "الإخوان"
نشر في هسبريس يوم 26 - 02 - 2018

كان لخرجة عبد الإله بنكيران خلال المؤتمر الثامن لشبيبة حزب العدالة والتنمية، المنعقد مؤخرا، وقع سياسي ليس داخل الحزب فقط، حيث أبرزت الموقع السياسي الذي ما زال للأمين العام السابق داخل حزبه على الرغم من إقالته من رئاسة الحكومة، بل أظهرت أيضا انعكاسات ذلك على الائتلاف الحكومي الذي يتصدره حزب العدالة والتنمية برئاسة أمينه العام سعد الدين العثماني، وكان من تداعياتها تغيب بعض وزراء هذا الائتلاف عن حضور الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة وعدم المشاركة في زيارة رسمية لوفد حكومي ترأسه رئيس الحكومة بمنطقة جرادة التي ما زالت تشهد حراكا اجتماعيا مقلقا.
ولعل هذا يطرح تساؤلات عدة حول الدور السياسي الذي ما زال يلعبه بنكيران سواء داخل الحزب بعد إبعاده عن رئاسة أمانته العامة، أو داخل المشهد السياسي بعد إقالته من رئاسة الحكومة.
1 - بنكيران وتموقع حزب العدالة والتنمية
تزامن توقيت المؤتمر السادس مع فترة كان فيها حزب العدالة والتنمية بقيادته وأطره ومناضليه في حالة تأهب سياسي ونفسي لمواجهة المستجدات التي عرفتها الساحة السياسية المتمثلة على الخصوص في تداعيات العملية الإرهابية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003، والتي حمل فيها هذا الحزب المسؤولية المعنوية عن هذه الأعمال جعلت بعض دوائر القرار السياسي تطالب بحله وتصفيته كليا، لتمارس عليه ضغوط سياسية استهدفت تحجيمه وتقليص مجال توسعه.
بنكيران وتكريس وحدة الحزب
بعد انتخابه أمينا عاما، حاول بنكيران أن يظهر بمظهر المجمع لصفوف الحزب، حيث ألقى بهذا الصدد كلمة مؤثرة ركز فيها على أولويات المرحلة القادمة من خلال الاهتمام بالبناء التنظيمي للحزب ورص صفه الداخلي، كما ذكر الحاضرين بلحظات التأسيس الأولى التي فتح فيها الدكتور الخطيب حزبه أمام مناضلي حركة التوحيد والاصلاح. وقد كانت هذه إشارة سياسية إلى القصر بأن الحزب سيحافظ على خطه السياسي المهادن لهذا الأخير المخلص الوفي له.
كما عمل بنكيران على الحفاظ على معظم الوجوه القيادية السابقة في الأمانة العامة للحزب باستثناء نجيب بوليف والمقرئ الإدريسي أبو زيد وعالي الرزمة الذين عوضوا بثلاثة وجوه جديدة. وهكذا صوّت المجلس الوطني للحزب يوم الاثنين 21 يوليوز 2008 بالمدرسة الوطنية للصناعة المعدنية، باقتراح من الأمين العام عبد الإله بنكيران، على أعضاء الأمانة العامة الجديدة للحزب. وللحفاظ على تماسك الحزب، رشح العثماني نفسه لرئاسة المؤتمر الوطني، حيث انتخب رئيسا جديدا للمجلس الوطني، في حين انتخب الحبيب الشوباني نائبا له، بالإضافة إلى أعضاء المكتب وهم عبد الحق العربي وعبد الصمد السكال وعبد الفتاح أوكاية.
خرجات بنكيران ضد الهمة
على الرغم من إدماج الملك الراحل الحسن الثاني لحزب العدالة والتنمية ضمن المشهد السياسي وفق شروط محددة، فقد عمل نظام الملك محمد السادس على تحجيم دور هذا الحزب من خلال تقليص مقاعده البرلمانية والجماعية، خاصة في الانتخابات التي أعقبت أحداث الدار البيضاء الإرهابية.
وقد كان السيد فؤاد عالي الهمة من أبرز المسؤولين المقربين من الملك الذين حملوا هذا الحزب المسؤولية المعنوية عن هذه الأحداث، حيث فرض على قيادة الحزب تحديد مشاركتها في الانتخابات التشريعية التي أعقبت هذه الأحداث، كما لعب دورا أساسيا في الضغط على الحزب من أجل عدم ترؤس الرميد للفريق البرلماني داخل مجلس النواب، كما واصل ضغطه من أجل عدم ترشح الحزب في بعض المدن الكبرى كالدار البيضاء، والرباط وطنجة... بالإضافة إلى أنه كان من وراء تنحي أحمد الريسوني من رئاسة حركة التوحيد والإصلاح. كما شن بعض الحملات الإعلامية والصحافية ضد بعض قيادات هذا الحزب.
إلى جانب ذلك، أشرف على تأسيس "حركة لكل الديمقراطيين" ونزل بها إلى الساحة السياسية لمواجهة حزب بنكيران بشكل أساسي ومباشر. وقد استغل بنكيران، بعدما انتخب أمينا عاما للحزب، هذه الظرفية، وشخصن استراتيجيته السياسية في تعبئة الحزب ولململة صفوفه في استهداف الهمة موظفا في ذلك مؤهلاته التواصلية وأسلوبه الشعبوي للتموقع داخل المشهد السياسي من خلال خرجات إعلامية عدة أثارت انتباه مختلف المتتبعين والمختصين في هذا المجال.
فخلال ندوة صحافية عقدها يوم الأربعاء 23 يوليوز 2008 بالمقر المركزي للحزب بالرباط، استغل بنكيران هذه الندوة ليتهجم على الهمة وحركته. فعن سؤال حول "حركة لكل الديمقراطيين"، وموقعها من نقاشات المؤتمر الوطني، أوضح بنكيران أن الهمة لم يأت ببرنامج سياسي، وإنما جاء متهجما على حزب العدالة والتنمية، وقال: "هل هذا يقبل سياسيا؟"، مضيفا: "يجب على الهمة أن يحترم ال500 ألف مغربي الذين صوتوا للحزب، ويجب على الدولة ألا تتحيز له لما في ذلك من إضرار بما تبقى من مصداقية الدولة، وإلا أصبحنا أمام شكل من أشكال الحزب الوحيد".
كما أضاف في إطار هذا التهجم السياسي أنه مستعد للتعامل مع الشرفاء من الأحزاب التي لديها أفكار ومشاريع وعطاءات وليس مع رموز الفساد -شريطة أن يسبق ذلك شيء من اللياقة-وقال: "إن البرلمان يجب أن يخلو من هؤلاء المفسدين، وأن تحل محلهم الأحزاب الحقيقية ذات الإيديولوجية، سواء من الإسلاميين أو غيرهم –خصوصا من اليساريين-لأنه لا أحد يحب الفراغ. كما يجب أن يلج البرلمان رجال الأعمال الحقيقيين، لأن الأغنياء هم قاطرة المجتمع، ومحركو الاقتصاد الذي يشكل محورا أساسيا للسياسة".
ولم تقتصر خرجات بنكيران على وسائل الإعلام المحلية والوطنية، بل استغل أيضا وسائل الإعلام الدولية والإقليمية لينقل صراعاته مع الهمة وحركته. وهكذا استغل زيارته إلى موريتانيا، في مقابلة خاصة مع وكالة أنباء الأخبار الموريتانية المستقلة بتاريخ 25-7-2008، للتهجم على الهمة وحركته، محاولا الفصل بذكاء بينه وبين المجال الخاص لصديقه الملك محمد السادس حيث صرح بما يلي: "في المغرب هناك حركة كل الديمقراطيين، أسسها أشخاص لهم علاقات قديمة مع المخزن، هل يمكن اعتبار هذه الحركة محاولة من القصر لتتحكم في المشهد السياسي؟... وبالنسبة لحركة كل الديمقراطيين، فإن الوزير الذي يقوم عليها كان وزيرا في الحكومة وكان يمثل المخزن يوم كان في الحكومة،... وبالتالي لا يخيفنا أن ينزل فؤاد عالي الهمة إلى ساحة العمل السياسي. وبالمناسبة، فإن توجهه السياسي يبنيه على أمور أولها معاداة التيار الإسلامي، وهو شخص لطيف على كل حال ومؤدب في العلاقات العامة، لكن هكذا حدد هوية حركته السياسية من أول يوم، لكن ما نخافه نحن هو أن تدخل وزارة الداخلية في مساندة لهذه الحركة في الانتخابات القادمة، وساعتها ستكون الساحة السياسة في حالة سيئة وسيكون هناك تراجع ديمقراطي بشكل عام، لكن أملنا أن الحكومة الحالية التي يرأسها رئيس وزراء من حزب له مسؤولية تاريخية، وهو رجل قانوني وأعرفه شخصيا، وأظن أنه لا يحب أن يميل بالوزارة كل الميل، وبالتالي نأمل أن لا تميل الدولة ووزارة الداخلية إلى السيد عالي الهمة كل الميل فتذر الأحزاب والقوى السياسية الأخرى كالمعلقة".
وقد واصل بنكيران تهجمه على السيد عالي الهمة، خاصة بعد ما أكد هذا الأخير في تصريح لأسبوعية (LA GAZETTE DU MAROC) بتاريخ 16 ماي 2008 بأنه "ما كان يقوم به في وزارة الداخلية من ممارسة السياسة، سيمارس السياسة نفسها خارجها"، وبعدما أحس بأن التشجيع على تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة كان بتخطيط من صديق الملك السيد فؤاد عالي الهمة الذي كان يرمي بالأساس إلى مواجهة توسع حزبه، حتى لا يتمكن من استغلال ضعف باقي الأحزاب للهيمنة على المشهد السياسي.
وقد تأكد له ذلك من خلال عملية الإسراع في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة من خلال فتح عدة مقرات له في عدة مدن ومناطق بالبلاد وابتلاع مجموعة من الأحزاب الصغيرة، من بينها الحزب الوطني الديمقراطي...، واستقطاب شبكة كبيرة من الأعيان، بما فيها تلك التي كانت منتمية لأحزاب قائمة، استعدادا لدخول غمار انتخابات 12 يونيو 2009.
فقد عمل على تغطية جل الدوائر الانتخابية التي حددها التقطيع الانتخابي رغم أن الحزب لم يمر على تأسيسه أكثر من سنة، مما سهل له الفوز بمقاعد مهمة نافس بها جل الأحزاب الكبرى، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية. كما عمل أثناء انتخاب رؤساء وعمداء البلديات على نسف عدة تحالفات كانت ستسمح بترؤس بعض قياديي حزب العدالة والتنمية لعموديات بعض المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط، وطنجة وغيرها.
ولعل هذا ما جعل الأمين العام لهذا الحزب بنكيران يلقي بعدة تصريحات صحافية يتهم فيها عالي الهمة بأنه استئصالي؛ الشيء الذي رد عليه صديق الملك بمقاضاته أمام القضاء. وكانت هذه التصريحات والردود الصحافية بين بنكيران والهمة بمثابة إعلان حرب سياسية بينهما؛ الشيء الذي عكس إلى حد كبير الخلفية التي كانت وراء تعويض العثماني بشخصية بنكيران والتوافق حول اختيار قيادة الحزب لبنكيران.
كما كانت هذه الخلفية هي التي تحكمت في اقتراح بنكيران كأمين عام للحزب، وذلك طبقا للقوانين الداخلية، وتجديد انتخاب نفس أعضاء الأمانة العامة للحزب، حتى يستطيع الحفاظ على تماسك الحزب وتجنيد طاقات الحزب بمختلف تياراتها، خاصة الراديكالية منها، لمواجهة مشروع الهمة في التحكم في المشهد السياسي، بما في ذلك التقليص من قوة الحزب.
2 - بنكيران والحفاظ على تماسك الحزب
يبدو أن الحسابات السياسية لكل من القصر وحزب العدالة والتنمية بزعامة بنكيران التي التقت في منحنى التوافق على امتصاص تداعيات 20 فبراير التي طالبت بمحاربة الفساد والاستبداد، قد تباعدت في خضم التجربة الحكومية التي ترأسها بنكيران؛ إذ على الرغم من حرص بنكيران على كسب ثقة الملك من خلال تقديم مجموعة من التنازلات همت بالأساس التخلي عن بعض صلاحياته في تعيين مسؤولي بعض المؤسسات العمومية، وكذا تنفيذ بعض الإصلاحات غير الشعبية (كإصلاح صندوقي المقاصة والتقاعد...) بالإضافة إلى الالتزام بالحفاظ على التوازنات المالية بما ترتب عنها من تجميد الأجور، وملاحقة المضربين، والتراجع عن محاربة الفساد.... فقد حوصرت حكومة بنكيران بمجموعة من الكوابح السياسية تمثلت بالأساس في انسحاب بعض الوزراء الاستقلاليين من حكومته والخضوع لشروط صلاح الدين مزوار، الأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، وابتلاع إقالة العثماني من وزارة الخارجية... بالإضافة إلى محاصرة بنكيران بمجموعة من القياديين الشعبويين الذين حاولوا منافسته على الصعيد الإعلامي والسياسي والعمل على تطويق خطابه الشعبوي الذي كان يحظى باهتمام فئات شعبية واسعة.
لكن رغم هذه الكوابح السياسية، فقد نجح بنكيران في استكمال ولايته على رأس حكومته المنبثقة من صناديق الاقتراع الشعبي ليقرر الدخول في الانتخابات التشريعية لولاية ثانية بعدما تم التمديد له على رأس الأمانة العامة للحزب. ولعل هذا المعطى السياسي، غير المتوقع الذي وضع دوائر القرار الملكي أمام واقع سياسي لم تكن تحبذه، هو الذي دفع إلى تعبئة كل الوسائل والخطط للإطاحة ببنكيران؛ إذ على الرغم من تصدر حزب العدالة والتنمية للانتخابات التشريعية بزعامة بنكيران وتكليف هذا الأخير بتشكيل الحكومة، فقد تمت إقالته بعد سبعة أشهر من بلوكاج سياسي تزعمه الرئيس الجديد للتجمع الوطني للأحرار السيد عزيز أخنوش.
البلوكاج السياسي وإقالة بنكيران
كان لتشبث بنكيران بضرورة إقامة تحالف موسع يضمن أغلبية برلمانية تجمع بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال بالإضافة إلى حزبي التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية انعكاسات سلبية على تعثر عملية التفاوض التي دشنها منذ تعيينه رئيسا للحكومة من طرف الملك؛ إذ بقيت المشاورات تراوح مكانها، خاصة بعدما تشبث رئيس الحكومة المعين بضرورة عدم ضم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى تشكيلته الحكومية مشخصنا خلافه مع الكاتب الأول لهذا الحزب الذي كان يتهمه بتورطه في مؤامرة الانقلاب عليه، حيث رهن عدم مشاركة هذا الأخير في تشكيلة الحكومة ببقائه رئيسا للحكومة.
وبالتالي، دخلت المشاورات من جديد في الباب المسدود في انتظار عودة الملك من زيارته الإفريقية الطويلة، حيث كان رئيس الحكومة يأمل في استقباله من طرف العاهل المغربي ليعرض عليه تقريرا بشأن ماراتون مشاوراته. لكن بدل ذلك، صدر، بمجرد عودة الملك إلى البلاد، بلاغ من الديوان الملكي ينهي مهمة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، ويكلف الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية الدكتور سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة.
تشكيل حكومة العثماني واحتدام الخلافات داخل الحزب
بخلاف بنكيران، أبدى الدكتور سعد الدين العثماني، وزير الخارجية السابق، مرونة في المفاوضات مع الأحزاب الراغبة في الانضمام لحكومته، مما ساعد على نجاحه في تشكيل حكومة ضمّت ستة أحزاب هي: حزب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية.
لكن هذه المرونة في المفاوضات لم ترق لبنكيران، مادام أنها ساهمت في ضمّ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي أصّر بنكيران على رفض انضمامه لحكومته. في حين قدر العثماني أن سبب تعثر المفاوضات لمدة خمسة أشهر كان بسبب اشتراط زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار ضمه للمشاركة في الحكومة، وهو ما استوجب الموافقة عليه لتجاوز هذا التعطيل الحكومي.
وبالتالي، فقد اعتبر هذا القرار أحد أسباب بداية الفرقة بين بنكيران ومناصريه من جهة، والعثماني من جهة أخرى. وقد انعكس ذلك من خلال تصريح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران بأنه "لا توجد مؤامرة تمر دون أن يساهم فيها أصحاب البيت"، في إشارة منه إلى أن بعض قيادات حزبه ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في قرار الملك بإعفائه من منصبه.
كما كان لطبيعة الحقائب الوزارية التي حصل عليها الحزب داخل الحكومة انعكاس على توسيع رقعة هذا الخلاف، حيث رأى أنصار بنكيران أنه على الرغم من تصدر حزبهم نتائج الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016، فهو لم يظفر إلا بحقائب وزارية أغلبها ثانوية في الحكومة، في الوقت الذي استحوذ فيه حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقوده الملياردير المقرب من الملك عزيز أخنوش على جل الحقائب الوزارية المهمة، كالفلاحة والعدل والصناعة والاقتصاد والمالية والشباب والرياضة.
ولعل هذا ما جعل شبيبة الحزب إلى جانب بعض القياديين الموالين لبنكيران يهددون أكثر من مرة بالاحتجاج أمام مقر الحزب بالعاصمة. وقد ازدادت حدة هذه الخلافات بعد تصويت أعضاء لجنة المساطر والأنظمة التابعة للمجلس الوطني للحزب بالأغلبية لصالح تعديل المادة 16 من النظام الأساسي، التي تتيح للأمين الحالي للعدالة والتنمية عبد الإله بنكيران ولاية ثالثة.
فقد أدى ذلك إلى مواجهة بين أنصار بنكيران، خاصة من شبيبة الحزب، وشريحة واسعة من مناضليه الذين كانوا يرون أن فتح الباب أمام إعادة انتخاب عبد الإله بنكيران للمرة الثالثة في منصب الأمين العام لحزبهم الحل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من صورة الحزب، خاصة بعد تراجع شعبيته، في حين اعتبر بعض قياديي الحزب أن هذه السابقة السياسية ستضر بالمسار السياسي للحزب.
وهكذا انتقد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد "تمجيد بنكيران لنفسه... وكأنه هو الحزب والحزب هو"، متهما إياه بالخروج عن الانضباط العام لمنهج وآداب الاختلاف داخل الحزب وأنه مس بمبادئ الاحترام المطلوبة بين مناضلي الحزب، في حين صرح عبد العزيز الرباح، وزير النقل والتجهيز، بأن "بنكيران يريد أن يتحول إلى صنم" داخل الحزب.
خرجات بنكيران لتهدئة الوضع الداخلي للحزب
لقد كان لهذا الخلاف بين هؤلاء القياديين الذي وصل إلى حد التهديد بالانقسام تداعيات سلبية على الحزب ظهرت بالأساس في فشل الحزب في استعادة بعض مقاعده البرلمانية خلال الانتخابات التشريعية الجزئية التي أجريت في بعض الدوائر الانتخابية، حيث كشفت هذه الانتخابات الجزئية التي أجريت في مدن أكادير وتارودانت وبني ملال تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في المغرب، ومثلت النتائج التي تحصّل عليها الحزب صدمة لقياداته وللمتعاطفين معه. كما أظهرت الدور السياسي الكبير الذي لعبه بنكيران في الاستقطاب وجمع الحشود خلال الانتخابات التشريعية السابقة.
ولعل إدراك بنكيران لهذا الوضع المتفجر هو الذي جعله يلجأ إلى نوع من الاعتكاف السياسي من خلال الذهاب في رحلة دينية إلى السعودية، وعدم المشاركة في اجتماعات الأجهزة القيادية للحزب مانحا نفسه فترة لمراقبة الوضع وبلورة استراتيجية خاصة للعودة إلى الحياة السياسية.
فبخلاف اليوسفي، الكاتب الأول الأسبق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي فضل الابتعاد عن الحياة السياسية بعدما تم إبعاده عن المعترك الحكومي وإحساسه بانتهاء الدور السياسي الذي أسند إليه من طرف القصر، وعلى عكس توقعات من كانوا ينتظرون أنه سيلزم الصمت، كما فعل وزراء أولون آخرون، ويبتعد عن الخوض في السياسة، طبقا ل"واجب التحفظ"، فضل بنكيران أن يتشبث بدوره السياسي رغم محاولة إقصائه من اللعبة السياسية.
وهكذا أعلن بنكيران أنه لم يتقاعد بعد قائلا: "لا داعي للتكريم، وإذا أرادت الشبيبة أن تستمع إلى بنكيران، فإنه سيأتي إليها"، بل إنه أعلن أنه سيلبي طلب كل من دعاه وسيتحدث بحرية. وقد وجد الأمين العام السابق للحزب في انعقاد المؤتمر الثامن للشبيبة الفرصة السياسية المواتية للتهجم على رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، أحد المقربين من القصر، مستخدما سلاحه التقليدي الذي سبق أن وجهه ضد صديق الملك وكاتب الدولة في الداخلية السابق فؤاد عالي الهمة المشرف الفعلي على تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.
وهكذا وجه بنكيران، بحضور رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عدة انتقادات إلى أخنوش الذي يعتبره مشاركا أساسيا في الإطاحة به مستعملا أسلوبه الشعبوي في توجيه رسائله السياسية التي استهدفت بالأساس التشكيك في إمكانية فوز حزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات التشريعية القادمة من خلال تساؤله باستهزاء عن "من هي الشوافة التي قالت لك إنك ستفوز في انتخابات 2021؟"، مبطنا تساؤلا أكثر عمقا عن طبيعة الإشارات التي يمكن أن تضمن له هذا الفوز بالإضافة إلى تحذيره من خطر المزاوجة بين السلطة والمال، دون أن يغفل تهجمه على غريمه الاتحادي لشكر المتورط في نظره في الانقلاب عليه.
وبالتالي، فقد كان من أبرز تداعيات خرجة بنكيران في مؤتمر الشبيبة أنها أعادته إلى الواجهة كزعيم سياسي قوي يعبر عن مواقفه بصراحة وجرأة، والإعلان عن نيته مواصلة العمل داخل الحزب، واستثمار قدرته على التعبئة والتأطير، رافضا إحالته على تقاعد سياسي مبكر حيث صرح بهذا الشأن بأنه: "إذا كان الشعب فعلا يريدني أن أعود، فسوف أعود حتى ولو كنت في القبر".
كما شكلت خرجة عبد الإله بنكيران في مؤتمر شبيبة حزبه تحديا كبيرا لسعد الدين العثماني، الأمين العام الحالي للحزب، وظهرت أن بنكيران، رغم فقدانه منصب الأمين العام وعدم تقلده لأي منصب، مازال يحظى بوزن سياسي داخل الحزب، استمده من رصيده السياسي وقدرته التواصلية بالإضافة إلى تواجد موالين له ضمن الأجهزة التقريرية للحزب؛ فالمجلس الوطني ما زال يتحكم فيه مقربون من بنكيران، كإدريس الأزمي، رئيس المجلس، وحامي الدين نائبه، كما أن الشبيبة انتخبت محمد أمكراز الموالي لبنكيران.
ولعل هذا ما جعل الحزب يعيش على وقع ثنائية الزعيم والأمين العام. فالزعيم له شعبية وكاريزمية ومشروعية داخل الحزب، والأمين العام له شرعية المؤسسات. ولعل هذه الوضعية هي التي أدت إلى خلق رد فعل قوي داخل تشكيلة الائتلاف الحكومي انعكس من خلال تغيب بعض وزراء التجمع عن حضور الاجتماع الأسبوعي لمجلس الحكومة وعدم المشاركة في الوفد الوزاري التي ترأسه العثماني بالمنطقة الشرقية للمغرب في إطار تطويق تفاعلات حراك جرادة.
وعلى العموم، يبدو أن الملابسات الأخيرة التي أعقبت إقالة بنكيران من رئاسة الحكومة والخرجات التي أعقبتها تعكس إلى حد كبير قوة هذا الحزب ومرونته في تلقي الضربات السياسية وامتصاصها. فقد تفرد حزب العدالة والتنمية عن باقي الأحزاب السياسية، بما فيها الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، بخاصية تنظيمية تتمثل في هذه الازدواجية التي لا تقتصر على المستوى الدعوي والسياسي، بل تتعدى ذلك إلى الجانب التنظيمي الذي يتمثل في توفره على شخصيتين قياديتين تتمثلان في الشخصية الصدامية لبنكيران، والشخصية المهادنة للعثماني.
ولعل توفر هذا الحزب على هاتين الشخصيتين قد جنب هذا الأخير مجموعة من المطبات السياسية التي عانت منها باقي الأحزاب، خاصة تلك التي خاضت تجربتي المعارضة السياسية وتصدر الحكومة. فمنذ تشكل الحزب، تناوب كل من هاتين الشخصيتين على قيادة دفته وفقا للظرفية السياسية الدقيقة التي واجهها في كل مرحلة.
لكن يبدو أن شخصية بنكيران قد لعبت دورا حاسما في المنعطفات السياسية الصعبة التي عرفها الحزب، سواء في تموقعه داخل المشهد السياسي أو من خلال الحفاظ على تماسكه التنظيمي. بالإضافة إلى أن بنكيران يبقى إلى حد الآن هو الشخصية السياسية الوحيدة التي ما زالت تختزن بعض سمات الزعامة الحزبية؛ الشيء الذي ينعكس بالإيجاب على حزب العدالة والتنمية وما زال يحافظ على وحدته التنظيمية رغم الفترات العصيبة التي مر منها؛ إذ على الرغم من الضربة شبه القاضية التي تلقاها من القصر، فضل، على عكس اليوسفي، عدم التخلي عن حزبه والسعي إلى المحافظة على تماسكه. ولعل هذا ما جعل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ادريس لشكر، ينتقد بشكل ضمني الكاتب الأول السابق لهذا الحزب الذي تصدر حكومة ما سمي بالتناوب مشيرا إلى أن قائد أي سفينة لا يمكن أن يترك سفينته وهي تغرق؟؟؟؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.