"مصانع المشاهدة " الرمضانية في التلفزة المغربية هل تساءلنا يومًا لماذا تتحوّل الشاشات الرمضانية في التلفزة المغربية إلى مصانع متقنة لصناعة دراما على المقاس، بينما الدراما الرمضانية تكاد تختنق بين الأرقام والصفقات؟ أم أصبحت مجرد رقم في معادلة التسويق؟ وكيف يمكن للدراما المغربية أن تلامس الوجدان حين تُستنسخ الشخصيات والمواقف في حلقات متتابعة ونمطية، وتختفي دهشة المشاهدة خلف ضجيج الأمان السردي؟ وهل تستحق الدراما المغربية أن ترجح كفتها لصالح القضايا الاجتماعية والسياسية عوض كفة المال؟ أم أن الكرامة الحقيقية للنص الدرامي، تكمن في قدرته على إثارة السؤال، وعلى تحريك الفكر، وعلى إيقاظ المشاهد المغربي ليصبح شريكًا في تجربة جمالية حقيقية؟ ولماذا تتحوّل الدراما، بدل أن تهبنا صدق الشعور، إلى مجرد منتج يستهلكه الجمهور، بينما الصمت الذي يليه أعمق من أي بضعة مشاهدات؟ وفي النهاية، ما الذي يجعل العمل الدرامي يخلد في ذاكرة المشاهد المغربي؟ قتل دهشة المشاهد وتحويل الشاشة إلى آلة تدوير في قلب المشهد الرمضاني السنوي، كما العادة، حيث تتحول شاشة التلفزة المغربية كمرفق عام إلى ساحات مزدحمة بالإنتاجات التلفزيونية، بين الغث والسمين. ويبرز ما يمكن تسميته ب "مصنع المشاهدة"، ذلك الفضاء الذي تختلط فيه الرغبة في الانتشار بالضغط الاقتصادي، وتتقاطع فيه الحسابات المالية مع الرغبة في التحكم في ذائقة المشاهد، مع تحذيرات دائمة وصارمة لكتاب ونقاد، حول هذه العلاقة الملتبسة بين المال والفن، حيث يتحول الإنتاج الفني إلى سلعة أكثر من كونه تجربة جمالية، ويصبح الكاتب والسيناريست والمخرج المغربي مجرد موظف في آلة ضخمة لإشباع المشاهد، لا لاستثارة الفكر أو الانفعال الحقيقي. فما الذي يقع بالضبط؟ ويبدأ فهم هذا المصنع الكبير والمعقد والمركب بالنظر إلى عبارة المؤلف والملحن الأمريكي Quincy Jones الشهيرة: " عندما يتولى المحاسبون زمام الأمور، يختفي الفن". وهنا، يكمن الجوهر: فالأرقام وحدها لا تصنع روح العمل الدرامي، ولا يمكنها حمل سؤال جمالي أو فلسفي، لأنها تهتم بما يمكن بيعه، لا بما يمكن أن يثير فضول المواطن ويحرّكه داخلياً. وتصبح الدراما الرمضانية في سياقها المغربي، مرآةً صادقة لسلطة الحسابات، حيث تُحتكر المواضيع المكررة، وتُستنسخ الشخصيات النمطية: القروي الطيب، البطل الشعبي، المرأة المظلومة، الخيانة الزوجية، المهاجر العائد إلى أرض الوطن... كل ذلك ضمن قالب مألوف يضمن الحد الأدنى من التفاعل مع الجمهور، لكنه يقتل الإبداع ويُفقد النص قدرته على البقاء بعد انقضاء المشهد. وهنا أستحضر مقولة أوسكار وايلد "عندما يجتمع المصرفيون على العشاء، يتحدثون عن الفن. وعندما يجتمع الفنانون، يتحدثون عن المال". وتكشف هذه المقارنة عن الصراع الداخلي للفنان الذي يجد نفسه مضطراً للحديث بلغة السوق قبل أن يكتب بلغة الإنسان. وفي الدراما الرمضانية المغربية، يظهر هذا بوضوح: الممثل محاصر بالنمطية، بضعة وجوه تحتكر المشهد برمته، والمخرج مُلزَم بالقاعدة الذهبية للنجاح التجاري استخدام لعبة الأمان السردي، والكاتب محاصر بين حاجته للتجديد وبين ضغوط الإنتاج التي تحمي من التجربة أي مخاطرة جمالية. وبالتالي، يتحول النص الدرامي من وسيلة لإثارة الأسئلة إلى منتج مصنع يُستهلك بسرعة، مع أي فرصة نادرة للإبداع الأصلي. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية ما وصفه المخرج الأمريكي المخضرم Woody Allen بالمخاطرة في الفن: " إذا لم تفشل بين الحين والآخر، فهذه علامة على أنك لا تقدم أي شيء ابتكاري حقاً ". إذاً، الابتكار لا يعني مجرد التغيير في الشكل، وإنما الجرأة على المضمون، وعلى إعادة تعريف ما يمكن أن يقدمه النص للمشاهد. وفي الدراما الرمضانية، مثل دراما رمضان 2026 للأسف، يغيب هذا النوع من المخاطرة، ويستعيض عنه بالأمان السردي الذي يضمن نسب مشاهدة مرتفعة لكنه يقتل دهشة المشاهد ويحوّل الشاشة إلى آلة تدوير مملة، حيث تُعاد نفس الشخصيات والمواقف في حلقات متتابعة لا تُثير الانفعال ولا الفكر، فقط اجترار لأفكار سابقة مع استثناء عمليين بهما اشتغال على المكونات الدرامية هما: " عش الطمع " ومسلسل " شكون كان يقول". لعبة الأمان السردي وتدوير الحكايات في خضم هذا المصنع أو مصانع المشاهدة في الدراما الرمضانية بالتلفزة المغربية كمرفق عام، والتي تؤدى من المال العام، يخرج بين الفينة والأخرى أعمال درامية تلامس دائقه المتفرج والمشاهد المغربي، رغم أن المواطن يؤدي فاتورة الضريبة لهذه الأعمال الفنية من ماله الخاص. وهذه الفلتات القلية تعيد الأمل إلى الكتابة الدراما المغربية ولكن ما تبقى من أعمال يدخل في خانة تدوير الأعمال والأمان السردي، حيث يُفقد الصدق من الصورة، وتبقى الألوان وحدها تصرخ بفراغ المعنى. ولا تمثل الدراما الرديئة فناً ضعيفاً، وإنما خيانة للفن نفسه، فهي تفرغ النص من جوهره الإنساني وتحوّل المنتج إلى مجرد مشهد سريع الاستهلاك. وفي هذا المعنى، يصبح مصنع المشاهدة رمزاً للابتعاد عن السؤال الجمالي، واستبداله بمؤشرات النجاح التجاري، والتي تخفي هشاشة النص، وتُهمّش الفنان وتحوله إلى موظف في آلة ضخمة قابلة للتدوير. ويذكرنا المخرج والممثل الفرنسيJean Vilar أن: " الجمهور ليس قطيعاً يجب إطعامه من نفس القش باستمرار"، ولكن في الدراما الرمضانية، غالباً ما يُنظر إلى المشاهد بهذه الطريقة للأسف، حيث تُعاد الوصفات نفسها في كل موسم، وتصبح الشخصيات أرقاماً ضمن معادلة حسابية، بعيداً عن التنوع الإنساني العميق الذي يحتاجه أي نص جاد ليترك أثره، مع التأكيد على مبدأ أن الدراما يجب أن ترتبط بالكرامة الإنسانية وتخدم الجمهور لا النخبة. ومن هنا يظهر السؤال المركزي: هل يمكن للدراما المغربية في موسم رمضان أن تتحرر من قيود السوق، ومن الاحتكار ومن الشخصيات النافذة في المجال. وأن تعيد للمشاهد دوره كشريك في التجربة الجمالية؟ الإجابة، تكمن في البطء والصدق: بطء الحكي، وصدق الانفعال، والتزام النص بطرح أسئلة حقيقية عن المواطن المغربي، المجتمع، والسياسة... وفي هذا الطريق، لا تصبح الدراما مجرد منتج للاستهلاك، وإنما تجربة يمكن أن تُحدث صدى يتجاوز زمن المشاهدة، تجربة تشبه الفلسفة نفسها، حيث لا يهم عدد القراء بقدر ما يهم عمق التأثير. إن تحول الفنان من موظف في مصنع المشاهدة إلى مبدع حر يبدأ بالوعي بمسؤولية الفن: أن يكون أداة للتأمل، لا مجرد وسيلة للترفيه، وأن يسعى لتشكيل وعي المشاهد بدلاً من الاكتفاء بإشباع الرغبة العابرة. وهنا، يكمن الفرق بين الدراما التي تُنسى بمجرد انتهاء الموسم، وتلك التي تترك صمتاً يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء، صمتاً يذكر المواطن المغربي بأنه شاهد على نفسه وعلى تحولات مجتمعه، وعلى إيقاع السياسات العمومية، وأن الفن الحقيقي ليس في كمية الإنتاج، بقدر ما يكمن في جودة السؤال والجرأة على طرحه. ختاما لا تمثل مصانع المشاهدة في الدراما الرمضانية في التلفزة المغربية مجرد بيئة إنتاج، فهي تجربة ثقافية وسياسية وفنية تكشف عن العلاقة بين المال والفن والمجتمع، وبين الجمهور والإبداع، وبين الحكاية والمواطنة. وإذا لم يُعاد النظر في هذه المعادلة، فإن الدراما المغربية، ستظل تدور في حلقة مفرغة من الأمان السردي والتكرار، فيما يكمن جمال الفن الحقيقي في الجرأة على المخاطرة، وترك أثرٍ عميق يبقى في وجدان المشاهد المغربي بعد انتهاء الحلقة الأخيرة من كل عمل درامي مغربي، تماماً كما يحلم أي نص يرفض أن يصبح مجرد سلعة.