يختلف الباحثون حول تاريخ الوأد مثله مثل القضايا الخلافية في تاريخ العرب، لكن معظمهم يرجعه لغزوة النعمان بن المنذر ملك الحيرة على قبيلة بني تميم، حين أخذ سبايا قبيلة عربية، ومن بين السبايا كانت ابنة قيس ابن عاصم. وحين خير النعمان السبايا بين حرية العودة وتحريرهن أو البقاء، فضلت ابنة قيس بن عاصم البقاء عند من سباها، ولم تعد لزوجها، فأقسم هذا الزوج بوأد كل بنت تلدها زوجته الأخرى. وجه الشبه هنا بين الأنثى التي كانت توءد في عصر الجاهلية والكفاءة المبحوث عنها هذه الأيام في هذا العصر الرقمي، وفي مغرب القرن الواحد والعشرين، هو أن هذه الموؤودة لم توءد من طرف أبيها، بل من طرف أحزاب هذا الوطن الذين من المفروض فيهم أن يكونوا قد سهروا على تربيتها وتعليمها الأبجديات السياسية من خلال التكوين والتأطير، وزرعوا حب الوطن فيها وفتحوا أمامها أفق المشاركة في صناعة القرار السياسي لهذا البلد وتطويره وإلحاقه بركب البلدان المتقدمة، إلا قليلات ممن استطعن الهجرة فأصبحن من سبايا الأوطان الأخرى، لا هن منهم حيث يعشن في غربة تقدم ما جادت به العقول لسابئيهن، والقلب يبكي على فراق الوطن، ولا هن قادرات على الرجوع مخافة وأدهن، رغم أن ما يعشنه هو في حد ذاته وأد بطعم الرفاهية أو سموه وأد بخمس نجوم. وفي غمار هذا المشهد المتكرر منذ زمن بعيد، تبرز أشباه الكفاءات، فإما أنثى في قليل من الحالات وإما ذكر مختبئ وراء ظهر أنثى، تقدم واجهتها قربانا فيستفيد الذكر الملقب بلقب رجل، وفي كلا الحالتين هذا النوع من الإناث هن من ينشدن أبيات هند بنت عتبة حين قالت: نحن بنات طارق نمشي على النمارق مشي القطا الموانق قيدي مع المفارق ومن أبى نفارق إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق هل من كريم عاشق يحمي عن العوانق وهنا طبعا لا أعمم؛ ففي هذا الوطن رجال صادقوا الله على ما عهدوا، ونساء تنحني لهن قامة الرجال وتحسب لهن مواقفهن بكفاءتهن العالية، لكن المعمم أنهن هن أيضا عانين من أمثال الفئة التي ذكرت، الحاملة لكؤوس النبيذ المعتق. وقد تجدد في يوم ما بعد العوسج العربي، وبعد صعود أهل الدين والمهللين صباح مساء به لاكتساب المناصب والمكاسب إلى منصة الحكم، (تجدد) أمل الانعتاق وأمل القطيعة مع الوضع المشار أعلاه، لكن سرعان ما قدفت أمواج بولقنادل بمناديل تحمل جينات، يوضح تحليلها أنها منتمية لمن ادعوا الوصاية على الدين، وسرعان ما اشتكت أرصفة باريس من تسكعهم عليها، وسرعان ما ظهر فيهم من يريد مزج كفاءته بكفاءة عشيقته، ليستمر الوضع على ما هو عليه. وفي ظل كل هذا، أبى الوطن إلا أن يشتكي بصفة رسمية ويعلن حالة الطوارئ، وتقول رماله بصحرائه الشرقية والغربية وجباله الريفية بأعلى صوت: لم يعد لي مكان أتحمل فيه وأد الكفاءة فقد أعياني أنينها، ولن أستطيع السير قدما بدون إحيائها، بعد أن تساءل ملك البلاد وقال ما مرة نريد كفاءات هذا الوطن أن تشاركنا طموحنا، فاين هي؟ فسقطت ورقة التوت عن عورة الأحزاب، ودخل بعضها في غياهب سؤال أين وأدنا هذه الكفاءة؟ أيجب إخراجها؟ بينما التفت بعض قادة الأحزاب الأخرى إلى بعضهم متسائلين ما معنى كفاءة؟ وتساءل آخرون هل ولدت لدينا أصلا في يوم من الأيام كفاءة؟ وبين سؤال ملك البلاد وأنين الوطن وتساؤل الأحزاب، أقول إن الإشكال ليس في وجود كفاءة، بل في وجود من يمنعها ويدفنها تحت تراب البريستيج والقبلية والقرب من القصر، بل والتحدث باسمه أحيانا ولو كان زاجا لعشبه، والإشكال في من مكنتهم ظروف سياسية معينة إبان الاستقلال من دواليب الحكم فورثوا صكوك الرق لأبناهم وبناتهم، ولم يدخلوا سجنا يوما ولم يحاسبوا، هؤلاء هم ما إن أعتقت رقابنا منهم، ستقوم من تحت كل صخرة بهذا الوطن كفاءة. فالأمر لم يعد إشكال استوزار وإعادة استوزار، الإشكال أعمق، الإشكال في مواطنين فقدوا الثقة في مؤسسات الدولة، فقدوا الثقة في كل شيء، فمن المستفيد من هكذا وضع؟ الأكيد من له جماعة توصله للحكم متحكما فيها بنص الدين والشريعة وبالأعمال الخيرية وبالامتيازات وأموال لا نعلم مصدرها ومتى دخلت؟ وفي انتظار قادم الأيام وفي انتظار ثورة ملك، أحترم إلى حد كبير اختصاصاته الدستورية وأحرص على عدم الخروج عنها، وثورة فكرية لغالبية شعب يقدس من ذكرت تقديسا، ليس اختيارا بل خوفا، سوف أتساءل دائما بأي ذنب قتلت أنا ومن مثلي من أصحاب محضر عشرين يوليوز ومن آلاف الدكاترة المهاجرين ومن آلاف المهندسين والتقنيين والأساتذة والأطر ومن آلاف عشاق هذا الوطن حتى النخاع والغيورين عليه؟ سوف أتساءل بصوت عال بأي ذنب قتلت؟ بأي ذنب قتلنا؟ بأي ذنب قتلوا؟ بأي ذنب قتلن؟