يثير قرار المحكمة الدستورية رقم 21 / 118، المتعلق بالبث في القانون التنظيمي 21.04 بتغيير و تتميم القانون التنظيمي 11.27 المتعلق بمجلس النواب، العديد من الملاحظات حول حدود تأويل المقتضيات الدستورية من قبل المحكمة الدستورية. ذلك أن القاضي الدستوري ملزم، وفقا للمادة 17 من القانون التنظيمي رقم 13.066 بتاريخ 13 أغسطس 2014، المتعلق بالمحكمة الدستورية، بأن تتضمن قراراته"…في ديباجتها بيان النصوص التي تستند إليها و أن تكون معللة و موقعة من قبل الأعضاء الحاضرين…". مما يعني أن قراراته تتضمن قدرا مهما من العمل البيداغوجي و الإقناعي، إضافة إلى دورها الأساسي في تفسير نصوص الدستور والبث القانوني في النوازل، التي لم تتوقعها هذه الأخيرة. وفي هذا الشأن، تطرح إشكالية حدود سلطة مراقبة المحكمة الدستوريةلعمل المشرع، علما أن القاعدة القانونية تقتضي أن القاضي الدستوري لا يحل محل المشرع وأن سلطته الدستورية لا تعلو ولا تضاهي السلطة التأسيسية. أي أنها، في غياب تعريف دقيق لها للدستور، سلطة مختلفة من حيث أدوارها ومكانتها عن باقي السلطات التقليدية، بما يجعلها، وفقا لرأي الفقيه لويس فافورو ،خارج هرم النظام القانوني الكلسيني، الذي يجعل من الدستور القاعدة القانونية الأسمى، متبوعة بالقوانين التنظيمية ثم القوانين العادية فالمراسيم التنظيمية والتطبيقية ...غير أن ذلك لا يمنع قرارات القاضي الدستوري من أن تكون منشئة للقواعد القانونيةومتمتعة بحجية الشيء المقضي به، مما يحصنها من كل نقض ويجعلها ملزمة لكل السلطات العمومية فور صدورها. وبالرجوع إلى القرار موضوع الدراسة فإن القاضي الدستوري، في بيان موقفه القاضي بدستورية القانون المعروض عليه، الذي يحدث دوائر انتخابية جهوية، تخصص ثلثي مقاعدها للنساء وتخصص المرتبتان الأولى والثانية بهما للنساء، والذي يسن قاسما انتخابيا جديدا يستخرج من قسمة عدد الناخبين على عدد الناخبين المقيدين،قد التجأ إلى مفهوم السلطة التقديرية للمشرع لتبرير إرادته في عدم التدخل في اختيارات المشرعأو التأثير فيها، خصوصا وأنها تتعلق بالقوانين الانتخابية، التي يملك المشرع وحده صلاحية سنها و تعديلها ونسخها ما لم تتعارض مع الدستور. وبذلك تكون المحكمة الدستورية قد أقرت بمبدأين يتكامل و يتلازم أحدهما مع الآخر: مبدأ السلطة التقديرية للمشرع مقابل مبدأ الرقابة الذاتية للمحكمة الدستورية. إذ يعتبر القرار أنه في غياب نص دستوري صريح يخص الصلاحيات المخولة للمشرع فيما يتعلق بسن القوانين الانتخابية و تعديلها، بما يجعلها تدخل في نطاق اختصاصه وتقديره، فإن ذلك يمنع المحكمة موضوعيا من التعقيب عليها مالم تتنافى مع المقتضيات الدستورية. وبذلك تكون المحكمة الدستورية قد سلمت ضمنيا بوجود رقابة داخلية تحدد تلقائيا مجال اختصاصها مقارنة مع اختصاصات المشرع. و لتأكيد هذا التوجه، استعملت المحكمة تعبير السلطة التقديرية للمشرع أزيد من سبع مرات في قرارها. وكأنها بذلك تقر باحترامها التامللاختصاصات التشريعية الحصرية للبرلمان وبعدم إعمال رقابتها طالما ليس في ذلك ما يخالف الدستور. و قد ذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار ذلك تنازلا غير مبرر من قبل القاضي الدستوري عن اختصاصاته الرقابية تجاه المشرع، وأن إقراره بسلطة تقديرية خاصة بهذا الأخير من شأنه إنشاء سابقة قضائية يمكن أن تحد من سلطته الرقابية لاحقا. ذلك أنه وفق هذا الرأي فإن المحكمة الدستورية،بإقرارها لعدماختصاصها لتقييم السلطة التقديرية للمشرع الخاصة بالقاسم الانتخابي، تكون قد استقالت من وظيفتها الرقابية تجاه المشرع لتفادي أي شطط في استعمال سلطته. غير أن هذا الرأي، بالرغم من وجاهته، يجانب الصواب لكون المحكمة تتحدث في قرارها عن سلطة تقديرية للمشرع مشروطة وجوبا بعدم مخالفتها للدستور. ولعل في عبارة "طالما لا يخالف ذلك أحكام الدستور" إبطالا ضمنيا، لكنه مؤكد، لأي سلطة تقديرية للمشرع. أي أن السلطة التقديرية لهذا الأخير تضل في جوهرها مقيدة ومشروطة بمطابقتها للدستور، ومن ثم للرقابة القبلية والبعدية للقاضي الدستوري. وعليه فإن هذا الأخير لم يستقل من وظيفته بل أعملها بمجرد قبوله بالاختصاص. خصوصا و أن الأمر يتعلق هنا بقانون تنظيمي يحال وجوبا على القاضي الدستوري قبل صدوره. و هذا بالضبط ما يجعل مقولة السلطة التقديرية الخاصة بالمشرع مجرد فرضية قانونية لا تصمد كثيرا أمام أي تدقيق علمي. ذلك أن إحالة القانون وجوبا على رقابة القاضي الدستوري يعد في ذاته نفيا لأي سلطة تقديرية للمشرع، مادام يتوجب عليه احترام أحكام الدستور تحت طائلة الإقرار بعدم دستورية القانون المعني و من ثم إبطال مفعوله. كما أن الدفع بأن المحكمة الدستورية بقرارها هذا قد أنشئت سابقة يمكن أن تؤثر في مسار القضاء الدستوري لا يستقيم بالنظر إلى أن القاضي الدستوري في المغرب لا يستند في قراراته وجوبا على السوابق القضائية كما هو الحال في القضاء الأمريكي. لذلك، تعد قرارات المحكمة الدستورية وسيلة ليس فقط لإنتاج القواعد الدستورية أو لتفسيرها أو تكميلها، بل أيضا آلية بيداغوجية في يد القاضي الدستوري يتوخى منها شرح السند القانوني والفقهي الذي استعمله في عملية تأويله للنص الدستوري. ولعل ذلك ما يجعل سلطة القاضي الدستوري سلطة بيداغوجية أكثر منها سلطة قضائية بالمعنى الدقيق للكلمة، علما أن حجية قراراته لا تستتبعها أي عقوبات في حالة عدم الأخذ بها من قبل السلطات العمومية. بطبيعة الحاليظل هذا النقاش مجرد نقاش دستوري فقهي لا يؤثر بتاتا في قرار المحكمة الدستورية الذي يتسم بحجية الأمر المقضي به ولا يشفي غليل من يبحث عن إجابات سياسية عن الموضوع.